أبعد من الأبقار الصينية:
“العقل المركزي” ومغالطة المقارنات الصفرية في الثروة الحيوانية السودانية
بقلم: صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة
في مقال سابق نشرته على هذه المساحة العزيزة من (سودانايل) بعنوان: “الثروة الحيوانية في السودان: حين يهزم العقل المركزي أحلام النهضة”، جادلتُ بأن أزمة قطاع الثروة الحيوانية في بلادنا لا تكمن في غياب الأفكار أو الخطط التحديثية الأنيقة، بل في بنيوية “العقل التخطيطي المركزي” الذي يصيغ الرؤى بعيداً عن واقع البوادي وحواضن الإنتاج الحقيقية، ويتعامل مع المنتجين كتروس في آلة المركز لا كشركاء أصليين.
وقد جاء الحديث الأخير للدكتور أحمد التجاني المنصوري، وزير الثروة الحيوانية والسمكية، في لقاء على برنامج “الطريق 18” الذي يقدمه الأستاذ علي فارساب على اليوتيوب، ليعيد تأكيد هذه الفرضية عملياً؛ حيث أشار إلى ضعف مساهمة إقليمي كردفان ودارفور في هذا القطاع، مبرراً ذلك بضعف إنتاجية الماشية المحلية، ومستشهداً بمقارنة وضعت أبقارنا المحلية في كفة، والأبقار المحسنة من سلالة السمنتال المستخدمة في الصين من حيث إنتاجية اللحوم، وأبقار الفريزيان هولشتاين العالمية من حيث معدلات إنتاج الألبان، في الكفة الأخرى.
والحقيقة أن المقارنة بين إنتاجنا الوطني والإنتاج الإقليمي أو العالمي أمر مطلوب ومشروع إذا كان بغرض الوقوف على فجوة الإنتاج والأخذ بأسباب التطور. وهذه معضلة لا تنطبق على الثروة الحيوانية وحدها، بل تمتد إلى القطاع الزراعي أيضاً؛ فمتوسط إنتاج الفول السوداني في مشروع الجزيرة يتراوح بين 700 و800 كيلوجرام للفدان، أي ما يعادل نحو 1.7 إلى 1.9 طن للهكتار، بينما تتجاوز بعض الدول المنتجة – حتى من دول محيطنا الإقليمي- هذه المعدلات بفوارق معتبرة. لكن الأزمة الحقيقية ليست في رصد الفجوات الإنتاجية، بل في تحويلها إلى ذريعة للتقليل من شأن الجهد الوطني والإنتاج المحلي، بدلاً من توجيه السياسات لسدها.
مغالطة المقارنة وتجاهل الرافد الأساسي للصادر
يبدو أن المقاربة التي طُرحت في اللقاء تنطلق بدرجة كبيرة من مؤشرات إنتاجية الأبقار، وهو ما قد لا يعكس بصورة كاملة مساهمة بقية مكونات القطاع الرعوي. فالحديث عن ضعف مساهمة غرب السودان يتجاوز حقيقة اقتصادية ساطعة، وهي أن العمود الفقري التاريخي لصادرات الثروة الحيوانية السودانية والداعم الرئيس لعائداتها ليس قطاع الأبقار، بل الضأن الصحراوي السوداني، وعلى رأسه الضأن الحمري التي يسوق خليجياً تحت مسمى “السواكني”.
تمثل هذه السلالات ميزة تنافسية حقيقية للسودان في الأسواق الإقليمية والخليجية بفضل جودة لحومها وتغذيتها الطبيعية في مراعي كردفان ودارفور. لذلك فإن قياس مساهمة إقليم كامل يغذي الصادرات السودانية بما يُعرف شعبياً بـ”الذهب الحي” وفق معيار إنتاجية اللحوم في السمنتال أو إنتاجية الألبان في الفريزيان وحدهما، يغفل مواطن القوة الحقيقية في الجغرافيا الاقتصادية السودانية.
والأهم من ذلك أن تقييم مساهمة أي إقليم لا ينبغي أن يُبنى على مؤشرات الإنتاج الحيوي وحدها، بل على مساهمته الفعلية في الصادرات وسلاسل القيمة والتشغيل والدخل القومي. فالإنتاجية المرتفعة لسلالة معينة لا تعني بالضرورة مساهمة اقتصادية أكبر إذا كانت السلالات الأخرى تشكل عماد الصادر أو توفر سبل العيش لملايين المنتجين والرعاة.
وهذا تحديدا ما قصدته “بالمقارنات الصفرية” فهي تلك التي تُسقط نتائجها على سياقات مختلفة جذرياً، فتُحوّل الفجوة الإنتاجية إلى حكم إدانة بدلاً من أن تجعلها نقطة انطلاق للإصلاح.
حقيقة السلالات.. كيف نجحت البرازيل؟
درجنا في السودان على تصنيف الأبقار جغرافياً، فاعتبرنا أبقار كردفان ودارفور أبقار لحم، بينما صُنفت سلالات البطانة والكنانة كأبقار ألبان. وهنا يبرز سؤال مشروع: كم تبلغ إنتاجية الكنانة والبطانة مقارنة بأبقار الفريزيان هولشتاين العالمية؟ والإجابة تقودنا مباشرة إلى معضلة البحث العلمي وبرامج التحسين الوراثي.
فما الذي يمنع إخضاع سلالات الزيبو السودانية، التي تنتمي إليها غالبية أبقار غرب السودان، لبرامج التحسين الوراثي والانتخاب الجيني لتطوير إنتاجيتها في اتجاهي اللحوم والألبان مع المحافظة على قدرتها الفائقة على التكيف مع البيئة المحلية؟
إن تجربة أبقار الجيرولاندو في البرازيل تقدم درساً بليغاً في هذا المجال. فقد نشأت هذه السلالة عبر برنامج علمي طويل المدى جمع بين أبقار الجير الهندية المعروفة (الزيبو الهندي) بقدرتها على تحمل المناخات الحارة وسلالة الهولشتاين عالية الإنتاج. واليوم تُعد الجيرولاندو إحدى أهم قصص النجاح العالمية في مواءمة الإنتاج المرتفع مع الظروف المدارية، وتشكل ركناً أساسياً في قطاع الألبان البرازيلي.
إن تفوق السمنتال في إنتاج اللحوم أو الفريزيان في إنتاج الألبان لم يكن هبة مجانية من الطبيعة، بل جاء نتيجة استثمارات طويلة في البحث العلمي والتحسين الوراثي والدعم المؤسسي. لذلك فإن المقارنة بين بقرة ترعى في بيئة شبه صحراوية وتتحمل شح المياه وقطع المسافات الطويلة، وأخرى تعيش في نظم إنتاج مكثفة ومدعومة بأعلى مستويات التغذية والرعاية، هي في جوهرها مقارنة بين نظم إنتاج مختلفة جذرياً. ونتائجها تعكس فروق السياسات والاستثمار والخدمات أكثر مما تعكس القدرات الوراثية المجردة للسلالات.
وهنا أسترجع حديثاً استمعت إليه من الدكتور المنصوري شخصياً في لقاء جمعنا معه بمدينة الرياض في مايو 2019، قبل سنوات من توليه المنصب الوزاري؛ حيث تحدث آنذاك برؤية علمية متقدمة عن آليات تحسين السلالات وكيف أن التطورات التقنية الحديثة جعلت هذه العملية أسرع وأقل كلفة مما كانت عليه في الماضي. والواقع يؤكد صحة ذلك الطرح؛ فما كان يستغرق عقوداً من التحسين التقليدي بات اليوم ممكناً خلال مدد أقصر وبكفاءة أعلى.
إن فتح الباب لاستيراد الحيامن المحسنة لعمليات التلقيح الصناعي، والتوسع في تقنيات نقل الأجنة الملقحة (Embryo Transfer)، يمكن أن يحدث طفرة إنتاجية حقيقية في سلالاتنا المحلية دون الحاجة إلى انتظار عقود طويلة. ومن ثم فإن المعضلة لم تعد في السلالة ولا في عامل الزمن، بقدر ما تكمن في تحويل المعرفة العلمية إلى سياسات وبرامج تنفيذية تصل إلى مجتمعات الإنتاج في البوادي السودانية.
سوق المويلح وصادر مصر: واقع ينسف التنظير
إذا أرادت الوزارة الوقوف على الحجم الفعلي لمساهمة الثروة الحيوانية في غرب السودان في الاقتصاد الوطني، فتكفي نظرة متأنية إلى حركة الصادر المتجه إلى جمهورية مصر العربية، أو زيارة ميدانية لسوق المويلح القريب من العاصمة.
هناك تتجلى بوضوح حركة آلاف الأبقار والماشية القادمة من الغرب، والتي تحولت بجهود المنتجين والتجار إلى نشاط اقتصادي متكامل يشمل التجميع، والتسمين، والتشغيل، والتصدير. إن هذا الشريان الاقتصادي الحيوي يحتاج إلى رؤية تطويرية جادة تشمل تحديث الأسواق، وتحسين الخدمات البيطرية، وتأهيل المسالخ الحديثة وتشغيلها في مناطق الإنتاج والمنافذ التصديرية، بما يحقق قيمة مضافة أعلى للاقتصاد الوطني.
تفكيك كليشيهات التفاخر.. تجربة كازقيل نموذجاً
آن الأوان للمؤسسة الرسمية أن تغادر محطة الكليشيهات القديمة التي تتردد في بعض دوائر التخطيط، والقائلة إن الأنعام في كردفان ودارفور تُربى أساساً للتفاخر الاجتماعي أو الوجاهة التقليدية. فهذا التصور لا ينسجم مع واقع التحولات الاقتصادية التي شهدتها مجتمعات الإنتاج خلال العقود الأخيرة.
ولعل منطقة كازقيل جنوب الأبيض تمثل مثالاً واضحاً على ذلك. فقد اشتهرت هذه المنطقة بتربية الأبقار وتطوير صناعة محلية راسخة للأجبان البيضاء، وهي منتجات وجدت طريقها إلى الأسواق السودانية المختلفة بجهود المنتجين المحليين دون برامج حكومية كبرى أو استثمارات ضخمة.
وهنا نعود إلى الفكرة الأساسية: التنمية المستدامة تبدأ من القاعدة إلى الأعلى. فبدلاً من إصدار أحكام عامة حول ضعف الإنتاجية، كان الأجدر دعم إنشاء تعاونيات المنتجين المحلية، وتوفير مراكز حديثة لتجميع وتصنيع الألبان، وتحسين خدمات الإرشاد والبيطرة والتحسين الوراثي. ومن شأن هذا النهج أن يحول صناعة الأجبان التقليدية إلى قطاع اقتصادي منظم قادر على المساهمة في سد جزء معتبر من الفجوة الوطنية في الألبان ومشتقاتها.
خاتمة: نحو عدالة مكانية وتخطيطية
إن إصلاح قطاع الثروة الحيوانية يبدأ بالاعتراف بالميزات النسبية لكل إقليم والعمل على تطويرها، لا بمحاولة استنساخ تجارب خارجية دون توفير شروط نجاحها. فكردفان ودارفور لم تخفقا في رفد الاقتصاد الوطني، وإنما أخفقت السياسات التخطيطية المركزية في تثمين هذا الرافد وتطويره على النحو المطلوب.
إن معركة الثروة الحيوانية في السودان ليست معركة مقارنات فنية بين سلالاتنا وسلالات العالم، بل هي معركة عدالة مكانية وتنموية تضع المنتج الحقيقي في قلب المعادلة. فالسؤال الأهم ليس لماذا لا تشبه أبقارنا أبقار السمنتال أو الفريزيان، بل لماذا لم تنجح السياسات العامة حتى الآن في تحويل المزايا الطبيعية والوراثية المتاحة إلى مشروع وطني متكامل للنهضة الحيوانية.
عندها فقط تصبح المقارنات الدولية أداة للتطوير والتعلم، لا وسيلة للحكم على المنتجين أو التقليل من مساهمتهم التاريخية في الاقتصاد السوداني.
البريد الإلكتروني: salahabusarah@gmail.com
