amjadnl@yahoo.com
بقلم: د. أمجد إبراهيم سلمان
في أزمنة الحروب، تتراجع الأسئلة الجمالية أمام سؤالٍ واحدٍ أكثر قسوة:
أين يقف الإنسان حين ينهار كل شيء؟
في هذا المفصل الأخلاقي الحاد، لا يعود الفن ترفاً، بل يتحوّل إلى شهادة، ويغدو البقاء ذاته شكلاً من أشكال الكلام.
من هنا، تفرض المقارنة نفسها بين تجارب إنسانية متباعدة جغرافياً، متقاربة معنىً: بقاء الفنان السوداني أبوعركي البخيت في أم درمان طوال سنوات الحرب، وبقاء السيدة فيروز في لبنان خلال الحرب الأهلية، ثم – على مستوى الخطاب الأخلاقي – نداء الأمل الذي أطلقه القس مارتن لوثر كينغ في خطبته الخالدة: «أنا عندي حلم».
لم يكن بقاء أبوعركي في السودان عجزاً عن الرحيل، ولا تجاهلاً للخطر. كان قراراً صامتاً، ثقيلاً، يومياً. اختار أن يعيش ما يعيشه الناس: انقطاع الكهرباء، شحّ الموارد، القلق، وانتظار المجهول. لم يصنع من بقائه خطاباً، ولم يرفعه إلى بطولة معلنة؛ تركه يتراكم كمعنى.
على نحوٍ موازٍ، بقيت فيروز في بيروت حين كانت المدينة تنزف. لم تحمل السلاح، ولم تهتف، لكنها بقيت. وفي تلك اللحظات، كان البقاء ذاته موقفاً لا يقل جسارة عن أي فعل آخر.
الفرق الجوهري بين من يبقى ومن يغادر ليس أخلاقياً بحتاً، بل وجداني وتاريخي. الفنان الذي يبقى لا يغنّي عن الناس، بل يغنّي من داخلهم. في واحدة من أقسى لحظات نهايات الحرب السودانية، ظهر أبوعركي على خشبة المسرح القومي بأم درمان الذي تعرض لدمار كبير ، لا كمطرب يؤدي أغنية، بل كمواطن يخاطب شعبه.
أنشد «واحشني» في سياقٍ تجاوز الحنين الفردي ليصبح دعوة عامة للعودة، للالتئام، وللبناء من جديد. لم تكن الأغنية جديدة، لكن اللحظة كانت جديدة كلياً؛ تحوّلت الكلمات إلى دفءٍ في زمن الفقد، وإلى تذكير بأن ما انكسر لم يمت.
هنا تتقاطع التجربة مع فيروز، التي غنّت للبنان وهو يتشظّى، فصار صوتها – لا البيانات ولا الخطب – أكثر ما وحّد اللبنانيين. لم تعد الأغنية ملك صاحبها، بل صارت ملاذاً جمعياً.
فيروز وأبوعركي… الصوت الذي لا يهاجر
لم تكن فيروز صوت سلطة ولا صوت معارضة؛ كانت صوت البيت، الصباح، والذاكرة. وكذلك أبوعركي: لم يكن صوت مرحلة سياسية، بل صوتاً إنسانياً عميقاً، كلما اشتد الخراب ازداد رسوخاً.
كلاهما أدرك—بحدس الفنان—أن بعض الأصوات إن غادرت المكان فقدت معناها، وأن الغناء من الخارج، مهما كان صادقاً، لا يعادل أثر الصوت الذي يتنفس الغبار ذاته مع جمهوره.
في رمزيتها وجرأتها، تُشبه لحظة أبوعركي على المسرح القومي بأمدرمان نداء مارتن لوثر كينغ على درجات نصب الرئيس أبراهام لينكولن في واشنطن «أنا عندي حلم». يومها لم يكن الخطاب وعداً سياسياً بقدر ما كان إعلان ثقة بحتمية العدالة وسيادة القانون، وبأن المساواة—مهما طال الطريق—ستغدو واقعاً.
كذلك يفعل أبوعركي اليوم: لا يَعِد، بل يُذكِّر؛ لا يُجمِّل الواقع، بل يُصرّ على تغييره. دعوته بالعودة ليست رومانسية هاربة من الألم، بل قراءة واعية للتاريخ: الأوطان لا تُبنى من المنفى وحده، ولا تُستعاد بالحنين فقط، بل بالحضور والعمل.
التاريخ نفسه يشهد أن الأحلام الكبرى، حين تُقال في لحظات الانكسار، تتحوّل إلى خرائط طريق: ما قاله كينغ صار قوانين ومؤسسات في أمريكا بنتها الحركة المدنية الواعية ، وما ينشده أبوعركي اليوم هو بذرة دولة تُقام على الكرامة، والعدالة، والمواطنة.
هذه ليست مقارنة فنية بين مدارس غنائية، ولا بين تجارب موسيقية، بل مقارنة بين مواقف أخلاقية. فيروز في لبنان، وأبوعركي البخيت في السودان، ومارتن لوثر كينغ في أمريكا ،ثلاثة مسارات تؤكد درساً واحداً:
أن الفن، حين يُختبر حقاً، لا يُقاس بعلو الصوت، بل بقدرة صاحبه على البقاء شاهداً، وعلى إطلاق الأمل من قلب العتمة. وإذ أختتم هذا المقال، لا أراهن على المعجزات، بل على السنن الكونية: فالتغيير آتٍ حتمًا. سيعود السودانيون لبناء بلدهم على أساس جديد من العدالة و المساواة الإنسانية و وفق عقد اجتماعي جديد يتفقون عليه ، لأن الأوطان—في نهاية المطاف—لا تموت خاصة إذا بقي فيها من يحلم، ويشهد، ويدعو إلى النهوض من الداخل. السودان سيُبنى من جديد، لا لأن الطريق سهل، بل لأن الحلم صار ضرورة.
بقلم د. أمجد إبراهيم سلمان
6 يناير 2026
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم