أبيي: القال حقي غلب .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

أتمنى ألا تستطيب صفوة الرأي الأجواء الرطبة في العلاقات بين السودان وجنوب السودان وتغفل عن مسألة أبيي. فقد ساد بين هذه الصفوة أن عقدة المسألة ستنحل في يوم بهيج يشرق على العلاقات بين البلدين. وهذه وهمة حالت بيننا وبين بناء إجماع وطني على سودانية أبيي. واستبشرت بأفكار جاءت على لسان الناظر مختار بابو نمر و الدكتور سليمان الديبلو وعوض يوسف من حزب المؤتمر الشعبي اتفقت عند أن أبيي سودانية غير قاصرة على المسيرية وأننا ارتكبنا أخطاء فادحة طوال تعاطينا للقضية. فنحن نلعب منذ آخر العام الماضي في الزمن الضائع من مغبة تلك الأخطاء. فقد تطابق موقف المجتمع الدولي والأفريقي مع جنوب السودان حول أبيي حتى نبه الطيب زين العابدين بقوة إلى أننا على وشك أن نفقدها. فقد اتفق للاتحاد الأفريقي في 24 أكتوبر 2013 أن يجري الاستفتاء على مصيرها قاصراً على الدينكا نقوك وسودانيين آخرين مقيمين بالمنطقة ليس بينهم المسيرية. ومنح الاتحاد البلدين ستة أسابيع للامتثال لقراره الجانح. والقرار قارس بحقنا لأنه مسنود بقرار مجلس الأمن 2046 للتأديب. وعطلت الدبلوماسية السودانية، وواقعية مشهودة للاتحاد الأفريقي، ولقاء البشير وسلفا في أديس أبابا من التعجيل بضياع أبيي.
لقد تأخرنا كثيراً في التواضع عند خطة وطنية حيال أبيي. ولكن “حتى الأنهار البطيئة تبلغ المحيط في نهاية المطاف” كما جاء في حكم القاضي الخصاونة في تحكيم لاهاي. فقد غلّقت الحكومة باب الحوار الوطني حول كل شيء فتركنا أمرنا لخبراء أجانب بدون رقيب “باعونا” عديل كده. واشمأزت المعارضة من القضية مرة واحدة. فتحولت بها إلى كرت مقايضة في تحالفاتها مع الحركة القومية الجنوبية. وأعيد هنا مع التحسين نشر عناصر خطة لتعاط وطني مسؤول مع القضية:  
-أن تعي الحكومة والمعارضة إن الذي على مائدة التفاوض حول أبيي استثمار وطني سوداني. وعلى الحكومة أن تؤمن للعبنا هذا في الزمن الضائع تراصاً وطنياً  ظلت تدعو له من فوق البيوت. وأوله فتح منابر الحوار الوطني على مصراعيها بتعديلات جدية في قانون الصحافة يؤمن ممارسة مسؤولة وطليقة. وعلى المعارضين أن يعلنوا بغير مواربة أن أبيي سودانية ثم ليكن ما يكن من توفيق أوضاع معروفة. فالحق حق.
2-أن ننقل ملف المفاوضات حول أبيي (بالاتفاق مع دولة الجنوب) إلى وزارة الخارجية. فطاقم المفاوضين من الجانبين من بقايا الدولة السودانية الموحدة حين صح تفاوض الحزبين الحاكمين. وفشل هذا الطاقم واضح للعيان حتى صار لا يأتي الفرج في المسألة إلا من الرئيسين والوسطاء.
3-أن نعلن رفضنا لتحكيم لاهاي ونقصد محكمة العدل الدولية. وسنستند على النقاط الدامغة التي أثارها القاضي الخصاونة عن إفساد التحكيم لمسألته في التقرير إذا ما تجاوز الخبراء اختصاصهم إلى التبرع بمساومة عدلت رأي الخبراء بما ظنت أنه يرضي الطرفين. وأن نستند في ذلك على القاعدة القانونية uti possidetis juris  ومفادها أن تملك ما هو أصلاً في ملكيتك قانوناً. وقد شرحه المؤرخ أمين زين العابدين في كتابه عن أبيي قبل سنوات. وقد طبقته محكمة العدل الدولية ففصلت بين هندورس والسلفادور في أمريكا الجنوبية ومالي وبركينا فاسو في أفريقيا. ولم تطرأ لنا هذه القاعدة لأنها مما ينطبق على الدول لا على “القبائل”. ولما نظرنا إلى أبيي ك”نزاع قبلي” فرطنا في حقنا فيها كدولة أصل في خلاف مع دولة ناشئة.
4-أن يتقدم شعب المسيرية للإدارة الخاصة بما يسمي “الناس الأبكار” ( first people ) في الأمم المتحدة بشكوى لتحيز الخبراء وتحكيم لاهاي والاتحاد الأفريقي وغيره التي استبعدتهم من التصويت في استفتاء أبيي بالنظر إلى أسلوب حياتهم في الرعي المترحل. وغالباً ما كان الناس الأبكار من الرعاة المستحقرين في الدولة الحديثة التي تطابق بين “الإقامة” وسكنى البيوت. وقد فصّلت في هذه المسألة في مرات عديدة.
5-تتولى الدولة في شراكة مع دور التأليف والنشر ومنافذ الإعلام نشر وإذاعة مادة حسنة التحرير عن حقنا التاريخي في أبيي مما ورد في كتاب المؤرخ أمين وغيره وفي الحكم النير للقاضي الخصاونة. فقد اختلط أمر أبيي على كثير من السودانيين لفرط تعدد مستويات النزاع حولها، وسقطات التفاوض الشنيعة، ومن عشم المعارضة ما تزال أن تنحل المسألة بأخويا وأخوك.
والقال حقي غلب!

Ibrahim, Abdullahi A. [IbrahimA@missouri.edu]

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً