أبيي بين التاريخ والذاكرة الدولية (4–5)

lualdengchol72@gmail.com
بين الأرض والهوية: دينكا نقوك نموذجًا
بقلم: لوال كوال لوال
في قلب منطقة أبيي، يقع مجتمع دينكا نقوك، المكوّن من تسع عشائر، يمثّل نموذجًا حيًا لفهم العلاقة بين الأرض والهوية، وكيف أن الأرض ليست مجرد رقعة جغرافية على الخريطة، بل هي محور للذاكرة والتاريخ والحقوق والانتماء. فمن خلال هذه الأرض يتوارث الناس الحكايات والأنساب، ويصوغون علاقتهم بالماضي والحاضر والمستقبل. والأرض في المخيال الجمعي لدينكا نقوك ليست فقط مكانًا للعيش أو الزراعة أو الرعي، بل هي إطار لهوية جماعية متوارثة، تربط الناس بجدودهم وبماضيهم، وتمنحهم شعورًا بالاستمرارية والانتماء رغم تبدّل الأزمنة والسلطات. منذ عقود طويلة ظل أبناء دينكا نقوك يروون قصة الأرض والأنساب، أسماء القادة، وحكايات الصراع والتحالف مع القبائل المجاورة. هذه الرواية الشفوية شكّلت الهوية الجمعية وحفظت الذاكرة الجماعية، وأثبتت لهم أن الأرض ليست ملكًا للمستعمر أو للنزاع السياسي، بل حق متوارث لا يُسقطه الزمن ولا تغيّره القرارات الإدارية. في كل جلسة يروي فيها الشيوخ تاريخ الهجرة أو الاتفاقات القديمة، يرسّخون في أذهان الأجيال الشابة فكرة أن الهوية مرتبطة بالمكان، وأن هذا المكان هو تعبير عن كيانهم الاجتماعي والسياسي والثقافي. وهكذا تحوّلت الأرض إلى كتاب مفتوح، كل جزء فيه يحكي فصلًا من التاريخ، من أسماء الأنهار والأشجار والمراعي، إلى مواقع القرى القديمة والطرق التي سلكها الأجداد. قرار محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي عام 2009م منح دينكا نقوك اعترافًا قانونيًا دوليًا طالما انتظروه، إذ وثّق وجودهم بين العشائر التسع وأعاد للأجيال الشابة شعور الانتماء والفخر. أصبحت أسماء القادة والجدول الزمني للإدارة محفوظة في وثيقة رسمية، ما خلق توازنًا بين الذاكرة الشفوية والوثائق المكتوبة، وأعطى إحساسًا بأن ما كان يُروى في المجالس الشعبية صار اليوم جزءًا من ذاكرة عالمية معترف بها. هذا الاعتراف لم يكن أمرًا رمزيًا فحسب، بل حمل معه طاقة معنوية أعادت تثبيت الهوية المحلية في مواجهة الخطابات السياسية المتقلّبة. لأول مرة شعر كثيرون أن التاريخ الذي كانوا يحملونه في صدورهم صار له سند مكتوب لا يمكن إنكاره بسهولة. غير أنّ الاعتراف القانوني لم يمحُ التحديات على الأرض. فبقيت مشكلات دينكا نقوك قائمة من صراع على الرعي والموارد، وضغط سكاني، وتوترات متقطعة مع العشائر المجاورة، ما يجعل المنطقة عرضة للاحتكاك في كل موسم أو أزمة اقتصادية. هذه التحديات تثبت أن الأرض وحدها لا تكفي لتثبيت الهوية أو لتحقيق الاستقرار، بل يجب أن تترافق مع بناء مؤسسات محلية قوية تضمن الحقوق وتحافظ على السلام، وتخلق إطارًا للتعاون بين مختلف المجموعات السكانية. فالأرض هي الأساس، لكن النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي هو الذي يحوّلها إلى فضاء آمن ومستدام. دون هذا الإطار، يبقى الاعتراف القانوني معلقًا في الهواء، بينما الواقع على الأرض يمضي في اتجاه آخر. من خلال متابعة تاريخ دينكا نقوك، يمكن استخلاص درس مهم: عندما تتلاقى الذاكرة الشعبية والتوثيق المكتوب والقانون الدولي، يتحول المجتمع إلى كيان واعٍ له هويته وحقوقه وذاكرته الجمعية. هذا الوعي هو ما يحمي العشائر من محاولات الطمس والتهميش ويمنحها القدرة على الدفاع عن نفسها سياسيًا وقانونيًا وثقافيًا. فالتوثيق وحده ليس ضمانة، بل هو خطوة ضمن عملية أكبر تحتاج إلى وعي مجتمعي مستمر وحراك سياسي مسؤول وحضور دولي داعم. كلما ارتفع منسوب الوعي داخل المجتمع حول الحقوق والواجبات كلما صار التلاعب بالخرائط أو بالأحداث أصعب على القوى السياسية. مجتمع دينكا نقوك ليس مجرد مجموعة من العشائر التسع، بل مثال حي على كيف يمكن للهوية أن تتشكّل عبر الأرض والذاكرة والقانون معًا. إن فهم هذا النموذج يساعد على قراءة أوسع لنزاع أبيي وفهم كيفية تحويل الاعتراف الدولي إلى واقع مجتمعي مستدام، ليس فقط بالقرارات القضائية وإنما ببناء أسس اقتصادية واجتماعية وسياسية تتيح لكل المجموعات أن تشعر بالأمان والانتماء. فالأرض حين تكون محط نزاع تصبح عنصر توتر، وحين تتحول إلى رابط للهوية تصبح عنصر استقرار ومصالحة. وهكذا تبيّن تجربة دينكا نقوك في أبيي أن العلاقة بين الأرض والهوية ليست علاقة ثابتة أو تلقائية، بل هي عملية مستمرة من إعادة البناء والتفاوض، تشترك فيها الذاكرة الشعبية، والمؤسسات المحلية، والدولة الوطنية، والمجتمع الدولي. وبهذا المعنى، يصبح دينكا نقوك نموذجًا ليس فقط لأهالي أبيي أو للسودان وجنوب السودان، بل لدراسة أوسع عن المجتمعات التي تواجه تحديات مماثلة في العالم. فمن خلالهم يمكن فهم أن الاعتراف الدولي مهم لكنه ليس نهاية المطاف، وأن القانون بحاجة إلى ترجمة سياسية، وأن الهوية بحاجة إلى مؤسسات تحميها، وأن الأرض بحاجة إلى إدارة عادلة. هذه الدروس تجعل من قضية أبيي منصة للتفكير في كيفية دمج القانون بالواقع المحلي، وكيفية تحويل القرارات الدولية إلى فرص لبناء السلام بدلًا من أن تكون وقودًا لصراع جديد. في النهاية، يظهر أن تجربة دينكا نقوك ليست فقط قصة محلية، بل قصة إنسانية أوسع عن معنى الانتماء ومعنى الأرض ومعنى الهوية في عالم تتغير فيه الخرائط وتتنافس فيه المصالح. إذا نجحت هذه التجربة في أن تتحول من نزاع إلى نموذج للتعايش، فإنها ستقدم للعالم درسًا عن إمكانية تحويل الاعتراف القانوني إلى حياة يومية يسودها السلام والتفاهم. أما إذا ظلت أسيرة الورق والقرارات، فستبقى رمزًا لفشل المجتمع الدولي في حماية الهويات المحلية رغم وضوح النصوص القانونية. وهذا ما يجعل من دراسة دينكا نقوك في أبيي اختبارًا حقيقيًا لفهم العلاقة المعقدة بين الأرض والهوية في القرن الحادي والعشرين.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …