أبيي بين حق تقرير المصير ومأزق السياسة (2-5)
اغتيال الاستفتاء: كيف تم تعطيل حق تقرير المصير؟
بقلم: لوال كوال لوال
عندما وقعت الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان اتفاقية السلام الشامل عام 2005، كان استفتاء أبيي جزءاً أساسياً من الصفقة السياسية التي أنهت أطول حرب أهلية في إفريقيا. لم يكن الاستفتاء بنداً ثانوياً أو ملحقاً يمكن تجاوزه أو تأجيله، بل كان جوهر الحل الذي قُدم لسكان المنطقة باعتباره الطريق السلمي والنهائي لحسم النزاع حول مستقبل أبيي. لقد كان المبدأ بسيطاً وواضحاً: يُمنح سكان المنطقة الحق في اختيار مستقبلهم عبر صندوق الاقتراع، تماماً كما سيُمنح شعب جنوب السودان الحق نفسه. لكن ما حدث خلال السنوات اللاحقة كشف أن الاعتراف النظري بحق تقرير المصير لا يعني بالضرورة السماح بممارسته على أرض الواقع. فمنذ الأيام الأولى لتنفيذ اتفاقية السلام الشامل، بدأت تظهر مؤشرات تدل على أن استفتاء أبيي لن يسير بالسهولة التي تصورها كثيرون. وبينما كانت التحضيرات لاستفتاء جنوب السودان تمضي بصورة متسارعة، كانت قضية أبيي تدخل في متاهة سياسية وقانونية معقدة، حتى أصبح الاستفتاء نفسه رهينة للخلافات المتراكمة. في البداية جرى التركيز على الخلاف حول حدود المنطقة، ثم انتقل النزاع إلى قضية الإدارة المؤقتة، وبعد ذلك إلى نتائج لجنة الخبراء ومحكمة التحكيم في لاهاي. لكن بعد حسم تلك القضايا قانونياً، ظهر خلاف جديد أكثر خطورة من كل ما سبقه، وهو الخلاف حول تعريف الناخب. ظاهرياً بدا الأمر وكأنه نقاش قانوني حول من يحق له التصويت. أما في الواقع فقد كان صراعاً حول النتيجة المتوقعة للاستفتاء. فالحركة الشعبية وأبناء دينكا نقوك كانوا يستندون إلى نصوص بروتوكول أبيي التي تتحدث عن سكان المنطقة المقيمين بصورة دائمة. ومن وجهة نظرهم، فإن حق تقرير المصير يجب أن يمارسه السكان الذين يرتبطون بالأرض بصورة مستقرة ودائمة، لا الذين يمرون بها موسمياً بحكم الرعي والتنقل. أما المؤتمر الوطني فقد تمسك بإشراك المسيرية في عملية التصويت، معتبراً أن وجودهم التاريخي وعلاقاتهم الرعوية بالمنطقة يمنحهم هذا الحق. وهنا تحولت القضية من خلاف قانوني إلى صراع سياسي مفتوح. فلو أُجري الاستفتاء وفق تعريف الحركة الشعبية للناخب، كانت النتيجة المتوقعة معروفة سلفاً. ولو تم وفق تعريف المؤتمر الوطني، فإن النتيجة كانت ستختلف بصورة جوهرية. ولذلك لم يعد الصراع حول الاستفتاء نفسه، وإنما حول من يملك حق المشاركة فيه. وكانت هذه هي اللحظة التي بدأت فيها عملية اغتيال الاستفتاء بصورة تدريجية. فعوضاً عن إعلان رفض الاستفتاء بشكل مباشر، جرى تحويل كل خطوة من خطوات تنفيذه إلى موضوع خلاف مستقل. وأصبح تشكيل مفوضية الاستفتاء موضع نزاع، كما أصبح اختيار رئيس المفوضية موضع نزاع آخر، ثم تحولت عملية تعريف الناخبين إلى نزاع ثالث، ثم تبعتها خلافات أخرى حول الجداول الزمنية والإجراءات الفنية. وبهذه الطريقة تحول الاستفتاء من استحقاق سياسي واضح إلى سلسلة لا تنتهي من الشروط المسبقة. ومع مرور الوقت أصبح من الواضح أن بعض الأطراف لم تكن تسعى إلى التوصل إلى اتفاق حول كيفية إجراء الاستفتاء، بقدر ما كانت تسعى إلى منع الوصول إلى لحظة إجرائه. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال النقاشات التي سبقت استفتاء جنوب السودان في يناير 2011. فبينما كانت ترتيبات استفتاء الجنوب تمضي بصورة طبيعية، كانت ترتيبات استفتاء أبيي تتعثر في كل مرحلة. وفي نهاية المطاف جرى استفتاء جنوب السودان في موعده المحدد، بينما أُرجئ استفتاء أبيي إلى أجل غير مسمى. وهنا برزت واحدة من أكبر المفارقات السياسية في تاريخ اتفاقية السلام الشامل. فالاتفاقية التي منحت شعب جنوب السودان حق تقرير المصير ونجحت في تنفيذ هذا الحق عملياً، هي نفسها الاتفاقية التي عجزت عن تنفيذ الحق ذاته بالنسبة لسكان أبيي. ولم يكن ذلك بسبب غياب النصوص القانونية أو ضعف الضمانات الدولية، بل بسبب الحسابات السياسية التي أحاطت بالقضية. ففي تلك المرحلة كانت حكومة السودان تخشى فقدان منطقة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة، بينما كانت الحركة الشعبية تركز بصورة أساسية على ضمان نجاح استفتاء جنوب السودان وعدم تعريضه لأي مخاطر قد تؤدي إلى تأجيله أو تعطيله. وهكذا وجدت أبيي نفسها تدفع ثمن التوازنات السياسية بين الطرفين. وعندما أعلن استقلال جنوب السودان في التاسع من يوليو 2011، كانت قضية أبيي لا تزال معلقة. بل إن المنطقة كانت تعيش واحدة من أصعب مراحلها بعد أحداث مايو 2011 التي أدت إلى احتلال المدينة من قبل الجيش السوداني وميليشياته المسلحة المتحالفة معه وتشريد سكانها. ولذلك شعر كثير من أبناء المنطقة بأنهم أصبحوا ضحايا لتسوية سياسية كبرى حققت أهدافها الرئيسية بالنسبة للأطراف المتفاوضة، لكنها تركت قضيتهم دون حل. ورغم ذلك لم تتوقف المطالبة بتنفيذ الاستفتاء. فبعد سنوات من الانتظار، قرر أبناء دينكا نقوك تنظيم استفتاء شعبي في أكتوبر 2013 للتعبير عن إرادتهم السياسية بصورة مباشرة. وقد شارك في ذلك الاستفتاء آلاف المواطنين، وأعلنت اللجنة المنظمة أن أكثر من 99.9% من المشاركين صوتوا لصالح الانضمام إلى جنوب السودان. وبغض النظر عن الجدل القانوني الذي أحاط بذلك الاستفتاء، فإنه حمل دلالة سياسية مهمة للغاية. فهو أثبت أن المشكلة لم تكن في معرفة رغبة سكان المنطقة، بل في غياب الآلية السياسية القادرة على تحويل تلك الرغبة إلى واقع معترف به. رفضت حكومة السودان الاعتراف بنتائج الاستفتاء الشعبي، بينما امتنعت حكومة جنوب السودان عن تبنيه رسمياً، خوفاً من تعقيد علاقاتها مع الخرطوم أو إدخال المنطقة في مواجهة سياسية وأمنية جديدة. وهكذا بقيت نتائج الاستفتاء معلقة هي الأخرى، تماماً كما بقيت القضية نفسها معلقة. ومن المفارقات أن السنوات التي تلت استفتاء 2013 لم تشهد أي تقدم حقيقي نحو تنفيذ الاستفتاء الرسمي المنصوص عليه في اتفاقية السلام الشامل. بل على العكس، تحولت القضية تدريجياً من ملف يبحث عن حل إلى ملف يُدار بهدف منع انفجاره فقط. وأصبح الحديث يدور حول حفظ الأمن والاستقرار ومنع المواجهات، بينما تراجع الحديث عن حق تقرير المصير نفسه. وهنا تبرز حقيقة مهمة كثيراً ما يتم تجاهلها في النقاشات السياسية حول أبيي. فالقضية لم تفشل بسبب غياب الحلول، بل بسبب غياب القرار السياسي بتنفيذ الحل المتفق عليه. لقد وُجد البروتوكول، وصدرت قرارات لجنة الخبراء، وصدر حكم محكمة لاهاي، ووُقعت اتفاقية 20 يونيو، وشُكلت لجان مشتركة، وعُقدت عشرات الاجتماعات الإقليمية والدولية، ومع ذلك بقي الاستفتاء غائباً. وهذا ما يدفع إلى طرح سؤال جوهري: هل كان الخلاف الحقيقي حول آلية الاستفتاء أم حول نتيجته المتوقعة؟ إن مراجعة مسار الأحداث منذ عام 2005 تجعل من الصعب تجاهل هذه الفرضية. فكلما اقتربت الأطراف من لحظة الحسم، ظهرت عقبة جديدة تؤدي إلى تأجيل العملية بأكملها. وبذلك تحول حق تقرير المصير من استحقاق سياسي منصوص عليه في الاتفاقيات إلى وعد مؤجل ينتظر التنفيذ منذ أكثر من عشرين عاماً. وفي الحلقة القادمة سننتقل إلى مقارنة أوسع بين قضية أبيي وقضية الصحراء الغربية، وكيف تحولت قضية تحديد الناخبين في الحالتين إلى الأداة الرئيسية لتعطيل الاستفتاء، ولماذا يرى كثير من المراقبين أن ما جرى في أبيي يشبه إلى حد بعيد ما حدث في الصحراء الغربية خلال العقود الماضية. يتبع…
lualdengchol72@gmail.com
