من بروتوكول أبيي إلى اتفاقية 20 يونيو 2011: كيف وُلدت الأزمة؟
بقلم: لوال كوال لوال
بعد مرور خمسة عشر عاماً على اتفاقية 20 يونيو 2011، لا تزال منطقة أبيي تعيش حالة من الفراغ السياسي والقانوني، وكأن الزمن توقف عند لحظة توقيع الاتفاقية. فالاستفتاء الذي كان يفترض أن يحسم الوضع النهائي للمنطقة لم يُجرَ، والإدارة الانتقالية التي نصت عليها الاتفاقيات لم تستقر، والنازحون الذين وعدتهم الأطراف المختلفة بالعودة الآمنة لم يحصلوا على الاستقرار الذي انتظروه. وبينما تغيرت الأنظمة السياسية في السودان وتعاقبت الحكومات في جنوب السودان، بقيت قضية أبيي معلقة كما كانت، لتصبح واحدة من أطول القضايا غير المحسومة في القارة الإفريقية. ورغم أن كثيرين يربطون أزمة أبيي باتفاقية 20 يونيو 2011، إلا أن جذور الأزمة أقدم من ذلك بكثير. فالقضية في حقيقتها ليست وليدة أحداث عام 2011، بل هي نتيجة سلسلة طويلة من الاتفاقيات والقرارات التي جرى الالتفاف عليها أو تأجيل تنفيذها. ولذلك فإن فهم ما وصلت إليه أبيي اليوم يتطلب العودة إلى اتفاقية السلام الشامل الموقعة في يناير 2005، والتي وضعت لأول مرة إطاراً قانونياً واضحاً لمعالجة وضع المنطقة. لقد اعترفت اتفاقية السلام الشامل بأن منطقة أبيي تمثل حالة خاصة تختلف عن بقية المناطق المتنازع عليها بين الشمال والجنوب، ولذلك خُصص لها بروتوكول مستقل نص على منح سكان المنطقة حق تقرير المصير من خلال استفتاء يجرى بالتزامن مع استفتاء جنوب السودان. كما نص البروتوكول على تكوين لجنة دولية لتحديد حدود مشايخ دينكا نقوك التسعة التي تم تحويلها إلى كردفان عام 1905، وأكد بصورة صريحة أن قرارات تلك اللجنة ستكون نهائية وملزمة للطرفين. في ذلك الوقت بدا وكأن الطرفين قد توصلا إلى تسوية تاريخية يمكن أن تنهي عقوداً من الجدل حول المنطقة. غير أن السنوات اللاحقة أثبتت أن التوقيع على الاتفاقيات شيء، وتنفيذها شيء آخر تماماً. في عام 2005 باشرت لجنة خبراء أبيي أعمالها برئاسة الخبير البريطاني دوغلاس جونسون، مستندة إلى الوثائق التاريخية والإدارية والخرائط المتاحة لتحديد حدود المنطقة وفقاً للتكليف الممنوح لها. وبعد أشهر من العمل رفعت اللجنة تقريرها النهائي إلى شريكي اتفاقية السلام الشامل بحضور الرئيس السوداني عمر حسن البشير والنائب الأول للرئيس الدكتور جون قرنق دي مبيور. لكن التقرير لم يحظ بالقبول ذاته من الطرفين. فبينما اعتبرته الحركة الشعبية تنفيذاً لما تم الاتفاق عليه مسبقاً، بدأت حكومة المؤتمر الوطني في التشكيك في نتائجه رغم موافقتها السابقة على أن تكون قرارات اللجنة نهائية وملزمة. ومنذ تلك اللحظة دخلت القضية مرحلة جديدة لم يعد الخلاف فيها يدور حول الحدود فحسب، بل حول الالتزام بالمبادئ التي قامت عليها اتفاقية السلام الشامل نفسها. وجاء رحيل الدكتور جون قرنق في 30 يوليو 2005 ليشكل نقطة تحول مهمة في مسار القضية. فقد كان د. جون قرنق يمثل أحد أهم الضامنين السياسيين لاتفاقية السلام الشامل، وكان يمتلك من النفوذ والقدرة السياسية ما يمكنه من الضغط باتجاه تنفيذ بنودها. أما بعد وفاته المفاجئة في حادث تحطم الطائرة، فقد اختل التوازن السياسي الذي رافق المفاوضات، ووجد المؤتمر الوطني مساحة أكبر للمناورة وإعادة تفسير بعض الالتزامات التي سبق أن وافق عليها. بدأت بعد ذلك مرحلة من المماطلة السياسية ترافقت مع تصاعد التوترات الأمنية على الأرض. فبدلاً من التقدم نحو تنفيذ الاستفتاء، انتقلت القضية إلى دوامة جديدة من الخلافات حول الصلاحيات والحدود والإدارة المؤقتة للمنطقة. ومع مرور الوقت أصبحت أبيي واحدة من أكثر المناطق هشاشة في السودان، حيث كان أي خلاف سياسي يتحول سريعاً إلى أزمة أمنية يدفع ثمنها المدنيون. بلغت تلك التوترات ذروتها في مايو 2008 عندما اندلعت مواجهات عسكرية أدت إلى تدمير مدينة أبيي وتشريد عشرات الآلاف من السكان. ولم تكن تلك الأحداث مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كانت مؤشراً واضحاً على أن القضية بدأت تخرج من إطارها السياسي والقانوني لتتحول إلى أزمة إنسانية متفاقمة. ولمنع انهيار اتفاقية السلام الشامل بالكامل، تحرك الطرفان نحو توقيع اتفاق خارطة الطريق في 8 يونيو 2008. وقد نص الاتفاق على إعادة تنظيم الإدارة المؤقتة للمنطقة، وتقاسم السلطة بين الشريكين، واللجوء إلى التحكيم الدولي لحسم النزاع حول حدود أبيي. ومرة أخرى اتفق الطرفان على أن يكون القرار الذي ستصدره هيئة التحكيم نهائياً وملزماً. وعندما أصدرت هيئة التحكيم الدائمة في لاهاي قرارها في يوليو 2009، بدا للوهلة الأولى أن الأزمة تقترب من نهايتها. فقد حُسم النزاع القانوني حول الحدود، وصدر القرار من أعلى جهة تحكيمية اتفق عليها الطرفان بإرادتهما الكاملة. لكن ما حدث بعد ذلك أثبت أن المشكلة لم تكن في غياب القرارات القانونية، وإنما في غياب الإرادة السياسية لتنفيذها. فبمجرد صدور القرار، انتقل الخلاف إلى قضية جديدة هي تعريف من يحق لهم التصويت في الاستفتاء. ومن هنا بدأت واحدة من أكثر مراحل النزاع تعقيداً وخطورة. إذ لم يعد السؤال يدور حول مكان إجراء الاستفتاء أو موعده، بل حول هوية الناخبين أنفسهم. تمسكت الحركة الشعبية بالنصوص التي تتحدث عن السكان الدائمين للمنطقة، بينما أصر المؤتمر الوطني على توسيع دائرة الناخبين لتشمل المجموعات الرعوية الموسمية التي ترتاد المنطقة خلال مواسم الرعي. وبدا واضحاً منذ البداية أن الخلاف لم يكن قانونياً بقدر ما كان سياسياً، لأن نتيجة الاستفتاء كانت مرتبطة بصورة مباشرة بمن يملك حق التصويت. وهنا ظهرت للمرة الأولى ملامح السياسة التي سترافق قضية أبيي حتى يومنا هذا، وهي سياسة الإبقاء على مبدأ الاستفتاء نظرياً مع تعطيل شروط تنفيذه عملياً. فلم يعلن أي طرف رفضه للاستفتاء بشكل صريح، لكن العراقيل السياسية والإجرائية كانت كافية لمنع قيامه. ومع اقتراب موعد استفتاء جنوب السودان في يناير 2011، أصبحت الأزمة أكثر تعقيداً. فقد نصت اتفاقية السلام الشامل على إجراء الاستفتاءين في الفترة نفسها، لكن استمرار الخلافات جعل ذلك مستحيلاً. ووجدت الحركة الشعبية نفسها أمام خيارين صعبين: إما تأجيل استفتاء جنوب السودان إلى حين حل قضية أبيي، أو المضي في استفتاء الجنوب وترك قضية أبيي لمفاوضات لاحقة. وفي النهاية انتصر خيار استقلال جنوب السودان، بينما تُركت قضية أبيي معلقة. وبذلك حصل شعب جنوب السودان على حقه في تقرير المصير، في حين بقي سكان أبيي ينتظرون ممارسة الحق نفسه الذي نصت عليه الاتفاقية ذاتها. ولم تمض سوى أشهر قليلة حتى دخلت القضية مرحلة أكثر خطورة. ففي مايو 2011 اجتاح الجيش السوداني مدينة أبيي، وأُحرقت المدينة وعدد من القرى المحيطة بها، ونزح عشرات الآلاف من المدنيين إلى جنوب السودان ومناطق أخرى جنوب نهر كير بحثاً عن الأمان. وقد مثّل ذلك الاجتياح أكبر انتكاسة تتعرض لها القضية منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل. وفي ظل تلك الظروف، ومع اقتراب موعد استقلال جنوب السودان، تدخل الوسطاء الإقليميون والدوليون بصورة عاجلة لمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع بين الشمال والجنوب. وأسفرت تلك الجهود عن توقيع اتفاقية 20 يونيو 2011، التي نصت على جعل المنطقة منزوعة السلاح، ونشر قوات حفظ سلام إثيوبية، وعودة النازحين، وتشكيل إدارة انتقالية مشتركة، وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء استفتاء تقرير المصير. لكن مرور خمسة عشر عاماً على الاتفاقية يفرض سؤالاً مشروعاً: إذا كانت كل هذه الاتفاقيات والقرارات الدولية قد وُجدت من أجل الوصول إلى الاستفتاء، فلماذا ما زال الاستفتاء غائباً حتى اليوم؟ لقد أثبتت التجربة أن أزمة أبيي لم تكن أزمة نصوص أو اتفاقيات، بل أزمة إرادة سياسية. فمن لجنة الخبراء إلى محكمة لاهاي، ومن بروتوكول أبيي إلى اتفاقية 20 يونيو، ظل المبدأ واحداً: الاعتراف بحق سكان المنطقة في تقرير مصيرهم. غير أن الطريق إلى تنفيذ ذلك الحق ظل محفوفاً بالعراقيل والتأجيلات والصراعات التي جعلت القضية تراوح مكانها لأكثر من عقدين. وفي الحلقة القادمة سننتقل إلى المرحلة التالية من القصة، حيث لم يعد السؤال متعلقاً بوجود الاستفتاء من عدمه، بل بكيفية تعطيله، وكيف تحولت قضية تعريف الناخبين إلى الأداة الرئيسية التي أُجهض بها حق تقرير المصير في أبيي، ولماذا يرى كثير من أبناء المنطقة أن استفتاءهم قد تم اغتياله سياسياً قبل أن يرى النور. يتبع…
lualdengchol72@gmail.com
