أجوك عوض الله جابو: قلم أمامي …. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم


 
قامت الصحفية ب"الأحداث" أجوك عوض الله جابو بزيارة نادرة إلى طرف المدينة لتنقل لنا حديث الاستفتاء "من أسفل". وهو حديث قتله بحثاً باقان ونافع والعشرة الكرام. وأجوك صحفية تخطو بقلم رشيق للمقدمة. وتغمس هذا القلم في تجربة خلطة ثقافية شمالية جنوبية ليست محدودة فحسب بل، أنها حيث تقع، قل أن يأخذها صاحبها بإبداعية. فأجوك "ميين مونجاك" (أنا دينكاوية) ،كما تقول، ومسلمة. ولم ترتجل هذه الخلطة. فهي جنوبية العاطفة حيال مأزق أهلها. وهي مسلمة لم أر أرق من عبارتها العربية والإسلامية. وخلافاً لمن ارتجلوا حتى خلطتهم المبخوسة وحجوا بها وتجروا فهي ممن تؤتمن شهادته.
 
نقلت لنا أجوك من حي جبرونا بأم درمان مزاجاً غير مٌطَمئن بين جنوبيّ الحي الطرفي حيال وحدة السودان. سكن أهل جبرونا من نازحيّ الجنوب حي القماير أول مرة. ثم رحلوهم في 1990 بالقوة الجبرية إلى هذه الأرض البلقع التي تجفوها حتى الطير في عبارة لأحدهم. جاءوهم بعربات وحملوهم كالضان وللرصاص أزيز. ف"جبرونا" بالواضح اسم احتجاج كما أن اسم "الرياض" لحي في الخرطوم هو اسم رضا. وهنا بداية "الأمتين". ولذا قال أحدهم حين سألته أجوك عن الانفصال: " نحن مفصولين من زمان"
 
كنت أتوقع مزاجاً أدنى للوحدة في مثل حي جبرونا. وقد هيأني لهذا كتاب "في أي صورة ما شاء؟ الاسلام السياسي وعوائد البندر (1996). وكنت بشرت بالكتاب كثيراً ولكنني ما أزال من يذكره وحيداً في الملمات. ومؤلفه هو ت. سايمون. وهو مسلم أمريكي أسود لم أر أبيض منه. وقد استعانت به الجبهة الاسلامية القومية بعد الانتفاضة لينصحها ما تفعل بالنزوح الجنوبي الكبير للعاصمة. ولم تجد أفكاره قبول الإسلاميين فتفارقا بإحسان. وكتب الكتاب عن تجربته تلك منبهاً الي التحدي الوجودي العقائدي الذي تأتي به مدن العاصمة "الكرتونية" الهجينة الي ساحة السياسة والتشريع في السودان. فوصفها بأنها مواقع ل"الانبعاج" الثقافي تندلق الثقافات في بعضها البعض تأتلف وتتناغم. فهي كرنفال للعلمانية. فالدعوة بالصفاء أو الثابت الثقافي من قبل أي طائفة من سكان هذه المدن الهجين هي مجرد دعوي قل أن تتجاوز الزعم الي ماهو أكثر من ذلك. فحتى المقابر، كما نقلت الأستاذة  مزدلفة يوسف، ضمت في تلك الأحياء موتى أكثر من ديانة و"غير ديانة". وهذا انبعاج هائل في إقليم الموت الذي هو دين خالص حتى كانت أشد عقوبة الكفر عندنا ألا يدفن المرء في مقابر المسلمين.
 
  مع إعجابي بحاسة أجوك الصحفية وودت لو أنها لم تكتف بالحديث بمن صادفت من شباب غاضب. فأولئك الشباب أنفسهم يعرفون أن في حيهم وجهات نظر أخرى. فقالوا لها مثلاً حين عرفوا أنها صحفية أن تذهب للسلطان (مؤتمر وطني) لتطرب من قوله وتذيعه. وبغض النظر عن تتفيه الشباب للسلطان فالسلطان ذو نفوذ مدعوم وبوسعه التأثير على من حوله ربما بأكثر مما قد يفعله شاب ثائر.
 
يؤسفني أن الإسلاميين تأخروا كثيراً في الحضور لأحياء الانبعاج العلماني لخدمة الوحدة. شغلتهم ربما أسماء الأحياء الحسنى عنها. وكان أول من نبه الي القيمة السياسية لاطمئنان النازحين الجنوبيين للخرطوم  هو المرحوم مبارك قسم الله حين رأي تشوش الأسلامييين والعاصميين منهم. وأملت عليه هذه السعة أنه مثل أجوك "افريقي" مسلم.. وليس أدل على بطء الإسلاميين وفشلهم في المسعى من قول أحدهم لأجوك إنهم يزعجوننا بأمر إيوائنا من حر الحرب. قال: "وهل هذا مما تسميه إيواء؟" ونظر إلى أعلى لخط الكهرباء وقال إنه سائر إلى المطار المطار الجديد ولا يعبأ بنا.
 
 
 IbrahimA@missouri.edu

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً