علاء خيراوي
في هذا السجال الممتد مع الاخ احمد القرشي إدريس، قررت أن أرد على المقالين الأخيرين، لانهما كشفا بوضوحٍ أكبر طبيعة الخطاب الذي يريده القرشي وهو الإعلامي المطبوع المدرك لخطورة الكلمة وتأثيرها في تشكيل الوعي الجمعي للشعوب. خطابٌ لم يعد يكتفي بتأجيل الأسئلة الصعبة، بل اتجه صراحةً إلى محاولة إعادة تبرير سيرة قيادةٍ عسكريةٍ بات سجلها مثقلاً بما لا يمكن القفز فوقه، وعلى رأسها عبد الفتاح البرهان. لقد أصبح واضحاً أن هذا الجهد، مهما تجمّل بلغةٍ منضبطة ومفاهيم تبدو متماسكة، ينصرف في جوهره إلى إعادة تقديم هذه القيادة بوصفها ضرورة وطنية، أو شرطاً لا غنى عنه لبقاء الدولة. غير أن هذا المسعى، في حقيقته، أقرب منالاً من المستحيل. لأن الوقائع التي تراكمت منذ ظهور هذه القيادة على المسرح السياسي لم تعد قابلة لإعادة الصياغة، بل أصبحت جزءاً من ذاكرة دامية، غرق فيها السودان، وغرقت فيها هذه القيادة نفسها حتى الأعماق.
ثم إن المفارقة التي لا يمكن تجاهلها أن هذه القيادة لا تقف اليوم أمام استحقاقات الداخل وحدها، بل أمام استحقاق آخر أكثر تعقيداً، مؤجل في الظاهر لكنه حتمي في المآل، وهو علاقتها بالحاضنة الأيديولوجية التي عادت إلى الواجهة عبر الحرب. فبعد تصنيف الحركة الإسلامية السودانية ضمن قوائم الإرهاب، لم يعد ممكناً الاستمرار في هذه المعادلة دون كلفة سياسية ودولية باهظة، ستفرض نفسها عاجلاً أم آجلاً. ومع ذلك، فإن اللافت في مقالات صديقنا القرشي الأخيرة ليس فقط ما يقال فيها، بل ما يُتجنَّب قوله. إذ يغيب هذا المصير الواضح، بكل تداعياته، عن خطابه، وكأنه خارج الحساب، بينما هو في صميمه. وهنا تحديداً يصبح الرد ضرورة، لا لمجرد الاختلاف، بل لإعادة وضع النقاش في موضعه الصحيح؛ بين واقعٍ يتشكل بكل ثقله، وخطابٍ يحاول بإصرار أن يعيد صياغته على نحوٍ أقل قسوة مما هو عليه.
ففي لحظات الانهيار الكبرى لا يكون أخطر ما يهدد الدول هو الرصاص وحده، بل ذلك الخطاب الذي يتقدم بثقة ليعيد تعريف الكارثة، فيحوّل أسبابها إلى شروط للنجاة منها، ويعيد تقديم أدوات الانهيار باعتبارها ركائز للإنقاذ. هذا النوع من الخطاب لا يأتي صاخباً، بل متماسكاً، منضبط اللغة، مغطى بمفاهيم مثل “الواقعية” و”أولوية البقاء”، لكنه في جوهره، ليس سوى إعادة إنتاج دقيقة للأزمة نفسها، بلغة أكثر تهذيباً وأناقة.
ولهذا فإن الخلاف هنا لا يتعلق بردٍّ أو سجالٍ عابر، بل يتعلق بتعريف اللحظة نفسها. هل نحن أمام دولة مهددة بميليشيا خارجة عن السيطرة فحسب؟ أم أمام بنية مختلة أنتجت هذه الحرب، ولا يمكن تجاوزها دون مواجهتها وتفكيكها؟ لأن الإجابة على هذا السؤال ليست تفصيلاً نظرياً، بل هي التي تحدد معنى كل ما يُقال بعده.
حين يُطرح شعار “الدولة تُحمى أولاً”، يبدو للوهلة الأولى طرحاً بديهياً، لكنه يخفي سؤالاً أكثر جوهرية؛ عن أي دولة نتحدث؟ هل هي دولة قائمة بذاتها، محايدة في بنيتها، يمكن إنقاذها دون مساءلة تاريخها؟ أم هي صيغة تشكلت عبر عقود من التسييس والتمكين، حتى أصبحت جزءاً من الأزمة التي يُطلب منها اليوم أن تحل نفسها؟ إن أخطر ما في هذا الطرح أنه يفترض وجود دولة منفصلة عن مسارها، بينما الحقيقة أن هذه الدولة بصورتها الحالية، ليست مجرد ضحية، بل أحد منتجات الاختلال ذاته. ومن هنا يصبح السؤال أكثر حدة؛ كيف نحمي ما لم يُفكك بعد؟ وكيف يتحول نقد البنية التي ساهمت في إنتاج الكارثة إلى “اختلال في التوقيت”، بينما يصبح التغاضي عنها حكمة سياسية؟
إن التمييز بين ما يُسمى “زمن البقاء” و”زمن الإصلاح” يبدو، في ظاهره، منطقياً، لكنه في التجربة السودانية لم يكن سوى أداة لتأجيل الأسئلة الحاسمة. فالسودان لم يصل إلى هذه الحافة لأنه أصلح مبكراً، بل لأنه أجّل الإصلاح باستمرار. في كل مرحلة قيل إن الوقت لا يحتمل المحاسبة، وإن الأولوية هي للاستقرار، وإن تفكيك البنية يمكن أن ينتظر. وكانت النتيجة دائماً واحدة؛ أزمة أعمق، ودولة أكثر هشاشة. فالبقاء الذي يُفصل عن شروطه لا ينتج استقراراً، بل يمدد عمر الاختلال.
ثم تقول؛ أن نقد المؤسسة العسكرية في هذه اللحظة يربك المعركة ويشوّش وضوحها، وكأن وضوح المعركة يتحقق بالاختزال لا بالفهم. والحقيقة أن الميليشيا نفسها ليست حادثاً طارئاً، بل نتيجة مباشرة لمسار طويل من السياسات؛ لشرعنة تعدد مراكز القوة، ولتفكيك احتكار الدولة للعنف المشروع، ولتحالفات أنتجت واقعاً لم يعد قابلاً للسيطرة. ومن دون طرح هذه الأسئلة، لا يكون النقاش ترفاً، بل شرطاً لفهم طبيعة الصراع نفسه. فوضوح المعركة لا يعني تبسيطها، بل القدرة على رؤية طبقاتها كلها. أما الحديث عن الجيش، فلا يمكن أن يُختزل في معادلة وجود أو عدم. فالسؤال ليس هل نحتاج إلى جيش، بل أي جيش هذا الذي نتحدث عنه؟ هل هو مؤسسة وطنية مهنية، أم كيان أُعيد تشكيله عبر عقود من التسييس حتى أصبح جزءاً من معادلة السلطة لا إطاراً يحميها؟ إن تحويل الجيش إلى منطقة محظورة على النقد لا يحميه، بل يجمّد أزمته، ويمنعه من التحول إلى ما يفترض أن يكون عليه. فالنقد هنا ليس عداءً، بل محاولة لفصل الوظيفة عن التاريخ الذي أثقلها. وفي هذا السياق تطرح مفهوم “الواقعية السياسية” بوصفه دعوة للتعامل مع موازين القوة كما هي، بل وقدَّمته في قلب هذه الموازين بوصفه الخيار الأكثر قابلية لإدارة المرحلة. وهنا تتكشف المفارقة؛ لأن تحويل جزء من المشكلة إلى جسر للحل ليس واقعية، بل استسلام منظم لها. فالتحولات الكبرى لا تُبنى على من هو “الأوفر حظاً” داخل ميزان مختل اخي القرشي، بل على القدرة على إعادة تعريف هذا الميزان نفسه.
أما حديثك عن الانتخابات كمدخل للحل، فهو يكتسب مشروعيته من حيث المبدأ، لكنه يفقدها حين يُطرح في سياق حرب مفتوحة، ومؤسسات مختلة، وفضاء سياسي غير متكافئ. فالديمقراطية ليست إجراءً تقنياً، بل منظومة شروط تسبق الصندوق وتحمي نتائجه. وفي غياب هذه الشروط، تتحول الانتخابات إلى آلية لإضفاء الشرعية على الواقع القائم، لا لتغييره. كذلك، فإن استدعائك لشعارات مثل الفيدرالية أو نقد “النخب” دون تفكيك البنية التي أنتجت هذا الاختلال، يجعل هذه الطروحات أقرب إلى الوعود المؤجلة منها إلى المشاريع القابلة للتحقق. فضعف النخب لم ينشأ في فراغ، بل في بيئة سياسية عطلت تطورها، واختزلت المجال العام في صراعات مغلقة، ثم عادت لتقدم هذا الضعف نفسه كحجة لإقصائها. أما المفاضلة بين ما يُسمى “الوضوح الأخلاقي” و”التحليل البارد”، فهي في جوهرها مفاضلة زائفة. لأن الأخلاق الحقيقية لا تعني الانحياز الانتقائي، بل تبدأ من تسمية الأشياء بأسمائها كاملة. والانفعال الذي يختار هدفاً واحداً ويؤجل بقية الأسئلة ليس وضوحاً، بل اختزالاً يريح الضمير أكثر مما يقترب من الحقيقة. وهنا تظهر المفارقة الأعمق؛ فالخطاب الذي يتهم غيره “ببلاغة الإنكار”، يمارس شكلاً آخر من البلاغة؛ بلاغة الإخفاء. لا ينكر تعقيد الأزمة، لكنه يعيد ترتيبها بحيث يصبح الحديث عن جذورها مؤجلاً، أو ثانوياً، أو في غير أوانه. وبذلك يُعاد إنتاج توازن زائف؛ تُدان الميليشيا دون مساءلة الشروط التي صنعتها، وتُحمى الدولة دون تفكيك بنيتها، ويُطلب الوضوح ضمن حدود لا تمس جوهر الأزمة.
“والواقعية” تقول يا اخ قرشي، ان ليست كل دعوة إلى “إنقاذ الدولة” دفاعاً عنها، ولا كل نقدٍ لها إضعافاً لها. فالسودان لم يصل إلى هذه الحافة لأنه طرح أسئلة مبكرة، بل لأنه تهرب منها طويلاً. وما يُقدَّم اليوم بوصفه واقعية قد يكون في حقيقته الصيغة الأكثر أناقة لتأجيل الانفجار القادم. السودان لا يحتاج إلى خطابٍ يعيد ترتيب الأولويات على مقاس الخوف، بل إلى وعيٍ يعيد تعريف الدولة من جذورها، ويفكك البنية التي أنتجت هذه الحرب، لا أن يعيد تدويرها تحت لافتة الإنقاذ. أما أناقة التبرير الحقيقية، فليست في نقد المؤسسة، بل في الدفاع عن فشلها… ثم تسميته واقعية.
وفي خاتمة هذا السجال، لا يعود السؤال عن البلاغة ولا عن ترتيب الأولويات، بل عن جوهر المسؤولية. لأن عبد الفتاح البرهان وقيادة الجيش لا يقفون اليوم في موقع “المنقذ” كما يحاول كل جهدك الاعلامي الكثيف ان يقول، بل في قلب المشهد الذي أوصل السودان إلى هذه الحافة. قيادةٌ تولّت السلطة باسم الضرورة، ثم أعادت إنتاج الأزمة، ثم قادت البلاد إلى حرب مفتوحة، ثم عجزت عن حسمها، وفي الطريق دفعت الدولة ثمن ذلك دماً وخراباً وانهياراً غير مسبوق. ليست المشكلة في وجود جيش، بل في قيادةٍ حوّلت هذه المؤسسة من إطار لحماية الدولة إلى طرفٍ يعيد تشكيلها وفق منطق القوة لا منطق السياسة. وحين تصل الدولة إلى مرحلة يصبح فيها بقاؤها مرهوناً بنفس الخيارات التي أضعفتها، فإن الأزمة لا تكون في غياب البدائل، بل في الإصرار على إعادة تدوير السبب ذاته باعتباره الحل.
البرهان وقيادته كما يعلم جلّ الشعب السوداني، ليسوا خارج التاريخ حتى يُعفوا من حسابه، ولا فوق الواقع حتى تُلغى مسؤوليتهم عنه. ما حدث لم يكن قدراً، بل نتيجة قرارات، ومسارات، واختيارات واضحة. والدول لا تنهض بتجميل هذه الحقائق، بل بمواجهتها. لهذا، فإن أي حديث عن مستقبل السودان لا يمكن أن يتجاوز هذه النقطة الحاسمة؛ لا بناء لدولة مستقرة دون إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية، ولا استعادة للثقة دون مساءلة القيادة التي أدارت هذه المرحلة، ولا خروج من هذه الحلقة دون كسرها من جذورها. أما محاولة تقديم هذا المسار بوصفه “واقعية”، فهي ليست سوى تأجيل جديد للحظة الحقيقة. والحقيقة، مهما طال الالتفاف حولها، تظل أبسط من كل ذلك؛ الدولة التي تُدار بالأزمة… لا تنجو منها، بل تعيش فيها.
khirawi@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم