أحمد محمد سعد: الوسيم القلبي رادو! .. بقلم: د. مرتضى الغالي
8 مايو, 2018
د. مرتضى الغالي, منبر الرأي
88 زيارة
إنسانٌ نادرعلى طريقته، وئيد الخُطى سريع الأفكار، حيثما سار نفع؛ هو معلمٌ تربوي بكل ما في هذه الكلمة من حق؛ وهو من المعلمين الكبار والتلاميذ الخلّص لمعهد بخت الرضا، إلتصق بكل مراحل تطوّره وما مرّ به من طفرات وعثرات وحكاوي و(شقاوات)، وكان قريباً من الذين استوحشوا من إنضباط بخت الرضا وبيئتها الصعبة! وكان حاضراً مع الذين ذمّوها (تحبّباً) وهم بعض عُشاقها وتلامذتها الأوفياء! (بخت الرضا ما البختُ في واديكِ.. والنحس بادٍ في وجوه بنيكِ) ولعلهم قاموا بتعديلها لاحقاً: (بخت الرضا والبختُ في واديكِ.. والبُشرُ بادٍ في وجوه بنيكِ)! ولكن التشنيعات – كالعادة- أثبت في الأذهان من الشكر والمديح.. فتأمل!
في بعض أوان رحيله من بخت الرضا؛ ولعله أوان التأهب لبعثة إنجلترا (بخت الرضا هي قنطرة .. للمجد أو.. لانجلترا) كان في بيته (طقم كراسي) عاش معه دهراً، وكان يأمل أن يشتريه منه الرفاق، حيث كان الطقم لا يزال محتفظاً بعنفوانه؛ فلم يتقدّم أحد لشرائه، ولعله قال إذا لم يشتروا الكراسي فلعلهم كالعادة يفصّلون له بدلة جديدة هدية كما جرى العُرف مع المُغادرين.. ولكنهم لم يفعلوا.. فقال فيهم بروحة الفكهة الحلوة المُعابِثة:((أي قوم أي ناسِ… مثل صلفات النحاسِ …ليتهم إذ ودّعوني… أشتروا مني الكراسي)! ثم عندما تملّكه اليأس من الثانية قال:(ليتهم إذ ودّعوني… أخذوا مني مقاسي)!!
طبعاً هذ الرجل الذي يحمل على خديه في وسامة (شلوخ الشايقية الأفقية) هو صاحب الترجمة والصياغة العربية الأولى لانشودة الوداع التي ترددها كل الدنيا: (لن ننس أياماً مضت.. لن ننس ذكراها) وقد كتبها بأناقة وشحنها بشجن لا نظن أنه تيّسر لشاعرها الاسكتلندي ذائع الصيت روبرت بيرنز (1759-1796م) ..لقد تخطّت أنشودته حدود السودان وكان هو صاحب السبق فيها، فأضحت (تميمة) كل لحظات الوداع؛ من مرحلة إلى مرحلة، ومن دار إلى ديار، أو من حال إلى حال، لاستعادة ذكرى الأمكنة والشخوص واللحظات!
وقد كان أستاذ أحمد أيضاً (وهو عازف كمان ماهر) من شهود المقدمة الموسيقية الرائعة واللحن الجميل التي لم يمر به شاب في الأجيال السابقة وما بعدها، إلا وعالجه بالصفارة والزمبارة أو (الشفاه) أو العود والكمان، دع عنك ما حققه هذا اللحن من ذيوع وانتشار! وهو لحن أغنية (الوسيم القلبي رادو) للعميد أحمد المصطفى، من تآليف (طه حمدتو) المعلّق الرياضي الرائد والشاعر الغنائي الفخيم! كان أستاذ أحمد برفقة الماحي اسماعيل وابراهيم الصلحي وشفيق شوقي وأحمد المصطفى وآخرين يستمعون إلى لحن من إسطوانة إنجليزية بعنوان (فرنزي) فحفظ أحمد المصطفى مقدمتها واستهل بها أغنية (الوسيم) وقيل أن أستاذ أحمد شارك في دندنة صياغة لحنها!
كان المعلم أحمد محمد سعد بجانب علمه الغزير وبروزه الطاغي في العلوم الطبيعية والرياضيات، وهو المعلم المربّي، والمفكر الموسوعي، والفيلسوف العالم، والفنان الشاعر، والمؤلف والمترجم، والموسيقى والدبلوماسي، ورائد أدب الاطفال، والوطني الغيور.. كان أيضاً مثقفًاً عضوياً ملتصقاُ بتراب الأرض، وكانت (قضية البيئة) هي رسالة حياته، وهبها عقله ويده وسعي فيها بأقدامه.. وتلك قصة أخرى..!
murtadamore@yahoo.com