zuhair.osman@aol.com
أشباح الـ 1901- حين ارتدت الماسونية ثوب السرية.. لماذا بقي شبح المحفل يطارد الخطاب السياسي السوداني؟-
أشباح تحت الكتمان هذا هو التاريخ السري للماسونية في السودان وتشابك النفوذ ظلت الماسونية في السودان قصة مُهمَلة، تقع في المنطقة المعتمة بين التاريخ الاستعماري الرصين ونظريات المؤامرة المتفجرة.
إنها ليست مجرد ظاهرة تاريخية مضت، بل هي نافذة لفهم كيفية تشكيل شبكات النخبة، وكيف تواءمت أدوات الهيمنة الأجنبية مع طموحات النخبة المحلية.
إن تتبع أثرها يروي حكاية منظمة عبرت ثلاث مراحل مفصلية- التأسيس الاستعماري، التكيف الوطني، والحظر والانحسار.
التأسيس- كتشنر والمحفل الأول (1901)لم تكن المحافل الماسونية في السودان مجرد “نادٍ اجتماعي”، بل كانت أحد أركان الهيمنة الناعمة للاحتلال الإنجليزي-المصري. فمع دخول القوات، تأسس “محفل الخرطوم” (Khartoum Lodge) حوالي عام 1901، ويشير البحث إلى أن اللورد كتشنر كان وراء هذا التأسيس.
كانت هذه المحافل تخدم وظيفة استعمارية مزدوجة:شبكة النفوذ كانت مركزًا لبناء التحالفات بين الضباط البريطانيين والإداريين المصريين، بعيداً عن أعين الرقابة العامة،
مما مدَّ شبكة النفاء الإنجليزي ما وراء القوة العسكرية.التوسع الاستراتيجي- امتد النشاط إلى مدن حيوية مثل بورتسودان (الميناء الرئيسي) و عطبرة (مركز السكك الحديدية)، مما سهل التواصل مع المحافل الكبرى في القاهرة ولندن، وأتاح تجنيدًا أوسع ضمن دائرة النخبة غير الأفريقية.
لقد كانت تلك المحافل بمثابة “غرف تعويض” تُسوّى فيها الخلافات وتُرتب المصالح الاستعمارية تحت غطاء السرية والطقوس
التكيّف:- من التبعية إلى المشاركة المُقيَّدةبعد جلاء الاستعمار ونيل السودان استقلاله، دخلت الماسونية مرحلة التكيف، بحثًا عن شرعية محلية للبقاء.التمكين المحلي- كان تولّي أول سوداني، وهو محمد صالح الشنقيطي، لرئاسة محفل بمثابة محاولة لصبغ المنظمة بصبغة محلية، وجذب النخب السودانية الطامحة للترقي الوظيفي أو الاقتصادي عبر الشبكات المغلقة.رأس المال الاجتماعي.
في بيئة متقلبة سياسياً، أصبحت هذه الشبكات توفر “رأس مال اجتماعي” ثميناً، وسيلة للوصول للترقي، وإبرام الصفقات، أو تأمين حماية سياسية، فـ السرية والطقوس وفرت الثقة اللازمة لتلك الصفقات.الواجهات الثقافية
مع تصاعد التيارات القومية والعروبية، اضطرت الماسونية إلى التخلي عن بريقها العلني، والتحول لاستخدام واجهات ثقافية واجتماعية مثل أندية الروتاري والليونز كغطاء لأنشطتها.
الحظر والجدل الصدام مع المشروع الأيديولوجيك ان عام 1970 نقطة فاصلة، حيث أصدر نظام جعفر النميري قراراً بحظر الماسونية، ضمن سياق أيديولوجي يهدف إلى ترسيخ هوية إسلامية عروبية و”تطهير” المجتمع من التأثيرات الغربية.لكن الحظر لم ينهِ القصة، بل فجرَّ الجدل حولها:استمرار السرية- استمر النشاط في الخفاء، خاصة في أوساط رجال الأعمال والنخب، حيث تحوّل النشاط إلى مجرد شبكات تواصل اقتصادية واجتماعية (من 1970 وحتى الآن).
سلاح التشهير- تحولت الماسونية إلى اتهام جاهز، يُستخدم كأداة سياسية لتصفية الحسابات أو تشويه السمعة داخل النخبة الحاكمة.جدل الإخوان: أضاف ربط الماسونية في التحليلات الصحفية بجماعة الإخوان المسلمين بعداً جديداً من التعقيد، حيث أصبحت المنظمة رمزاً يستخدم لتشوية مصداقية الخصوم الأيديولوجيين من خلال الإيحاء بتطابق آليات السرية والتغلغل.
تحليل نقدي- بين الوظيفة ونظرية الهيمنة يبقى التحليل النقدي للماسونية في السودان صعباً بسبب ندرة المصادر الأولية وهيمنة خطاب المؤامرة. ولكن يمكن تلخيص الأهداف والنفوذ المتصورين في مستويين:المستوى الوظيفي المباشرالمستوى
الاستراتيجي (الهيمنة)شبكة النخبة- نادٍ حصري لكبار الموظفين ورجال الأعمال.النفوذ الاقتصادي: الوصول لصفقات وامتيازات بناءً على الولاء والثقة.النشاط الخيري- غطاء اجتماعي عبر دعم الأعمال الخيرية والمحاضرات الثقافية.
الهيمنة الفكرية- تمرير قيم مثل العلمانية المفرطة ونسبية الأخلاق للنخب.تجاوز الهوية- منح الأعضاء هوية “عالمية” جذابة للنخب الطامحة للارتقاء.التغلغل- بناء ولاءات محلية لخدمة مصالح عابرة للحدود الوطنية.إن قيمة الماسونية في السودان لم تعد في نفوذها المباشر الحالي، بل في قيمتها الرمزية كـ “آلية سرية” يتم استدعاؤها في الخطاب السياسي لتفسير التغلغل الغامض في مفاصل الدولة.
إنها تذكرة دائمة بأهمية الأبحاث الميدانية والمحكمة، والعودة إلى الأرشيف البريطاني، لتفريق الحقيقة عن الأسطورة في سجل النفوذ السوداني المعقد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم