كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
تضع استقالة البروفيسور علي رباح، من منصب أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، الرأي العام السوداني أمام مواجهة مباشرة مع مفهوم “الانهيار الشامل” لمؤسسات دولته. يمثل هذا المنصب العلمي والإداري المرموق في الجامعة السودانية الأكثر عراقة “البوابة الأخلاقية” والقانونية التي تحرس نزاهة الدرجات العلمية في أهم مرفق أكاديمي سوداني. حيث يمثل البروفيسور هنا حائط الصد الأخير ضد أي محاولات لتزييف الكفاءة أو العبث بهوية النخبة السودانية.
فخطاب الاستقالة فوق أنه موقف اخلاقي فإنه يشخّص حالة من العدوان الرقمي تقودها قوة وصفها البروف بـ “الطرف الثالث غير المشروع”.
ويمكن وصف ما حاولت الاستقالة التنبيه له بأنه الاختراق الناعم (Subtle Infiltration) وهو أمر أكثر خطورة وأكبر فداحة مما تعرضت له الجامعة عندما اقتحمها الجنجويد واحتلوا مبانيها. فقد دخلوها – حسب محدودية أقطار سقفهم العقلي، وضيق أطر فهمهم لما تمثله الجامعة من قيمة- في صناعة النخبة وتخريج الكفاءات. ففي حين كان الجنجويد يتحدثون عن تفكيك دولة ٥٦ كانوا يحتلون أهم مرفق ومعلم من معالم تلك الدولة، فدولة ٥٦ التي يشنون عليها الهجوم هي معامل الجامعة وردهاتها وقاعاتها ومنابرها وميادينها ومقرراتها وأساتذتها وإدارتها ومراجعها ومكتباتها، وأهم من ذلك كله ذاكرتها وسجلاتها التي تمثل “شفرتها الوراثية”.
إن من وصفهم البروف بـ “الطرف الثالث غير المشروع” بعكس الجنجويد، يعرفون أهمية هذه السجلات ويريدون بالوصول إليها منح شرعية “رسمية” لمن لا يستحقها، وهو ما يضرب صميم الأمن القومي السوداني أو ما تبقى منه في مقتل.
على عموما الأمر، قد يبدو مصطلح “السجل الأكاديمي” الذي ورد في متن الاستقالة إدارياً واختصاصياً للبعض، لكنه في الحقيقة يمثل “شهادة الميلاد المهنية” لكل خريج يحمل شهادة من الجامعة. فالتلاعب بهذا السجل من قبل جهات غير مأذونة يعني “صناعة وتزوير النخبة” فمن يملك الوصول لهذه البيانات يملك القدرة على منح لقب “طبيب” لمن لم يدرس الطب، أو “مهندس” لمن لا يفقه في الهندسة شيئاً. إنها جريمة تمس حياة الناس وأرواحهم مباشرة، حيث سنستيقظ غداً لنجد أن الدولة في يد أشخاص معدومي الكفاءة، تسلقوا المناصب عبر سجلات مخترقة، مما ينسف نزاهة التعليم العالي برمته ويهدر مجهود الطلاب الشرفاء الذين سهروا وتعبوا لنيل درجاتهم العلمية بجدارة.
إن أخطر ما كشفته الاستقالة أن ضغوطاً صريحة تهدف لتعطيل مسار التحول الرقمي وإيقاف مشروع “الشهادات الإلكترونية”. وقد يهدف هذا التوجه إلى تجريد الجامعة من “حصنها الرقمي” والعودة بها إلى الممارسات الورقية القابلة للتلاعب والاختراق. إن الإصرار على كسر هذا النظام التقني يفتح الباب واسعاً أمام “الاختراق الناعم” Subtle Infiltration لشرعنة تزوير الشهادات، وتجريد الخريج السوداني من ميزة التحقق العالمي التي توفرها النظم الحديثة، مما يضع سمعة الجامعة والدولة الأكاديمية عرضة للشك والريبة، ويجعل شهادات أبنائنا محل ريبة في كل أسواق العمل وجامعات العالم.
كما تعكس الاستقالة من جهة أخرى بوضوح حالة “اللادولة” (Statelessness) التي وصلنا إليها، حيث تُمارس الضغوط على أرفع القامات الأكاديمية للمشاركة في جريمة “الصمت” تجاه العبث بمقدرات الطلاب والخريجين. إن تحويل سجلات جامعة الخرطوم إلى ساحة للمساومة يعني سقوط آخر معاقل المؤسسية. هذا التلاعب بذاكرة الجامعة يهدد بخلق فوضى مجتمعية مستقبلاً، حيث يصبح من المستحيل التمييز بين الكفاءة الحقيقية وبين تلك المصنوعة في دهاليز “الطرف الثالث”. وهو فيما يبدو طرف أخطر من الجنجويد، فالجنجويد قوم لا يعرفون مكامن صناعة النخبة على نحو يمكنهم من مقارعتها أو تصفيتها.. ولا أين وكيف تتم صناعتها وما هي متطلبات تلك الصناعة. إنهم قوم تقعد بهم المعارف المعقدة عن التغول على السجلات الأكاديمية، فكل ما وسعهم أن يفعلوه عندما انتشرت قواتهم داخل الجامعة أن حرقوا ما حرقوا ونهبوا ما نهبوا… وأوقدوا من أثاثها وأوراقها ما يطبخون به ليقيموا أودهم… أما أن يتم اختراق البيانات فهنا تكمن الخطورة التي تفوق تلك الهمجية بمراحل، وتتخطى حيز الخطورة لتبلغ مراقي الجريمة المنظمة Organized crime.
إن أهم رسالة أوصلتها استقالة البروف أنها أنهت مرحلة “الضبابية” والتستر وكسرت حاجز الخوف والصمت وقرعت جرس الإنذار ووضعت الجميع أمام مسؤولياتهم. لقد استطاع البروف بشجاعة نادرة المثال أن يحول رحيله إلى وثيقة اتهام شاهراً سبابته في وجه كل من يحاول اختراق النظم، مؤكداً أن حماية السجل الأكاديمي قضية أخلاقية و سيادية لا تقبل المساومة.
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، تبقى هذه الاستقالة صرخة تحذير موثّقة للتاريخ، وشهادة للأجيال القادمة بأن هناك من وقف ذات يوم في وجه محاولات تزييف الكفاءة وتزوير هوية النخبة السودانية، رغم كل الضغوط. إنها دعوة للضمير الأكاديمي والوطني أن يبقى يقظاً، وأن يرفض المساومة على مستقبل التعليم العالي في السودان، مهما اشتدت المحن.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم