أديبة روميرو…المورسكية

بسم الله الرحمن الرحيم
مؤانسة رمضانية (15)
أديبة روميرو…المورسكية
مثلما هناك خوارزميات رقمية في هذا الفضاء الاسفيري تتحكم في وسائل التواصل الاجتماعي، هناك أشياء مشابهة تحدث في عقولنا..العقل الباطني أقصد، وتتلاقى أحاسيس ومؤشرات العقل الباطني مع خوارزميات السوشيال ميديا فتخلق عوالم وتهويمات عجيبة.
حين كتبت عـن الشاعر والاديب محمد أحمد المحجوب قبل أيام أوردت قصيدته “الفردوس المفقود” التي كتبها عند زيارته للأندلس …
“نزلت شطك بعد البين ولهانا..فذقت فيك من التبريح ألوانا، وسرت فيك غريبا ضلً سامره..داراً وشوقاٍ وأحباباً واخواناً، فلا اللسان لسان العرب نعرفه..ولا الزمان كما كنا وما كانا”
تذكرت حينها أن للشاعر الكبير نزار قباني قصيدة مماثلة كتبها أيضا عند زيارته للاندلس، بحثت عنها اسفيريا، فوجدتها بصوت الشاعر السوري أنس الدغيم بالقاء شعري جميل. ولأن مدخل نزار قباني لا يمكن أن يكون إلا امرأة جميلة، فهاهو يتجول هنا مع امرأة جميلة من بنات الأندلس..
“في مدخلِ الحمراءِ كان لقاؤنا..ما أطـيب اللقـيا بلا ميعادِ، عينانِ سوداوان في حَجريهما..تتوالـد الأبعادُ مـن أبعـادِ، هل أنت إسبانيةُ؟ ساءلـتها..قالت: وفي غـرناطةَ ميلادي، غرناطةٌ؟ وصَحت قرون سبعةٌ..في تينـكَ العينينِ.. بعد رقادِ، وأمـيةٌ راياتـها مرفوعـة..وجيـادها موصـولة بجيـادِ، ما أغربَ التاريخَ كيف أعادني..لحفيـدةِ سـمراءَ من أحفادي”
ولأن نزار أيضا كثير الجراح التي يستعذبها، فقد ختم قصيدة بجراح التاريخ
” قالت: هنا “الحمراءُ” زهوُ جدودنا..فاقـرأ على جُـدرانها أمجـادي، أمجادها؟ ومسحتُ جرحاً نـازفا..ومسحتُ جرحاً ثانيـاً بفـؤادي، يا ليت وارثتي الجمـيلةُ أدركـت..أن الـذين عـنتـهُمُ أجـدادي”
كنت أتجول قبل يومين بين عشرات البودكاست علني أحظى بشئ مفيد، والمفيد كثير بالمناسبة، حين هبطت علي من حيث لا أدري في بودكاست “أثير”. صورة وصوت أديبة روميرو، باحثة أسبانية أندلسية مسلمة، أو للدقة “مورسكية” متخصصة في دراسة وقراءة المخطوطات الإسلامية. وبسبب تخلفي التقني لم استطع الحصول على حلقة كاملة من الحوار معها، وإنما عشرات المقاطع، تابعتها كلها ولا أزال.
هي إنسانة ساحرة وآسرة، خين تبدأ تتكلم فإنك تحس أنك لا تريدها أن تسكت، تقدم تجربتها الشخصية كجزء من الأسر المسلمة في أسبانيا، وهم اقلية، وبين تاريخ العرب المسلمين في اسبانيا الذي عرفوا ياسم “المورسكيون”
المورسكيون هم المسلمون في إسبانيا الذين أُجبروا على اعتناق المسيحية بعد سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس، لكن كثيرًا منهم حافظوا سرًا على دينهم وثقافتهم الإسلامية. فبعد سقوط آخر دولة إسلامية في الأندلس، وهي مملكة غرناطة سنة 1492 على يد فرديناند الثاني ملك أراغون وإيزابيلا الأولى ملكة قشتالة، بدأ الضغط على المسلمين للتحول إلى المسيحية. في البداية سُمِح للمسلمين بالبقاء على دينهم، لكن بعد سنوات فُرض عليهم التحول القسري إلى المسيحية. المسلمون الذين قَبِلوا التحول رسميًا سُمّوا المورسكيين (Moriscos).، بعد ذلك بدأت حملات طرد المسلمين لدول المغرب العربي.
تحكي أديبة جزءا من هذا التاريخ والتجربة/الاضطهاد الذي تعرض له أجدادها، قدرتهم على الحفاظ على دينهم وثقافتهم بطريقة سرية، خاصة في القرى والأطراف، حرق المكتبات والمخطوطات الإسلامية، هدم المباني والمتاحف والمساجد، وتعريضهم لمحاكم التفتيش.
دخلت أديبة الجامعة لتدرس اللغة العربية، قالت أنها كانت مصدومة بالطريقة التي تحدث بها المحاضر عن العرب المسلمين وعن ثقافتهم وحضارتهم، كان يروي التاريخ بسردية تختلف عما تعلمتها من أسرتها، ويحكي بتشفي عن كيف أن أجدادهم هزموا المسلمين الغزاة وطردوهم. ثم أمسك بالمصحف وقال فلنقرأ منه شيئا لنعرف كيف يفكروا.
قالت أديبة..”لم أرفع يدي..لكن كنت أدعو أن يقع علي الاختيار، فجأة أشار إلي وقال أنتي.. أبدأي بالقراءة، ستكون صعبة لكن لا بأس حاولي.
فتحت أديبة المصحف على سورة النور، وبدات تقرأ بالترتيل الذي تعلمته من اسرتها ” ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ صدق الله العظيم
قالت أنها حين انتهت نظرت للمحاضر فوجدت أن وجهه أبيض، وسألها بدهشة ّمن أنتي” فأجابت أنا حفيدة الذين لم يطردهم أجدادك…
تتحدث أديبة عن وصول الأسبان المسلمين إلى أمريكا قبل كولومبوس، وأن أوائل من وصلوا من المستكشفين قالوا أنهم سمعوا صوت الآذان، وتتناول جوانب كثيرة من التاريخ الذي نجهله.
الحلقات مثيرة وجاذبة وتستحق المتابعة، المشكلة الآن أنه في ظل طوفان البودكاست صار من الصعب التمييز والاختيار بين الغث والسمين، أعانكم الله.
” وجدت جزئين طويلين من المقابلة لمن يرغب ووضعت الرابط أسفل المادة”
الجزء الاول

عن فيصل محمد صالح

فيصل محمد صالح

شاهد أيضاً

المحجوب شاعرا ومثقفا

يسم الله الرحمن الرحيممؤانسة رمضانية (10)فيصل محمد صالحالمحجوب شاعرا ومثقفايبدو أننا نتعامل مع بعض القضايا …