نزار عثمان السمندل
تبلغ الحرب ذروة وحشيتها حين تستقر داخل الجسد.
الرصاصة تعبر في لحظة، والقذيفة تهدم بيتاً ثم تخلف وراءها الركام. أما الاغتصاب الذي ينتهي بحملٍ قسري، فإنه يبتكر حرباً جديدة، حرباً لا تعرف هدنة ولا توقيعاً ولا نهاية. تبدأ في الرحم، وتمتد مع نبض الجنين، ثم تكبر مع الطفل، وتظل تقيم في ذاكرة المرأة ما بقي لها من عمر.
الحرب السودانية، تجاوزت حدود السيطرة على الأرض. مضت تبحث عن انتصار أكثر قسوة، يتعالى على رؤية النساء مجرد ضحايا جانبيات لقتال يتبادل فيه الجنرالات الخرائط والنفوذ. أصبحت أجسادهن ساحة القتال نفسها. المكان الذي تُكتب عليه رسائل الانتقام، وتُنفذ فوقه مشاريع الإذلال، وتُمارس عبره أكثر أشكال السلطة وحشية: سلطة تحويل الإنسان إلى أثر دائم للجريمة.
صار الرحم، الذي خُلق ليكون أول بيت للحياة، ميداناً للحرب، وأصبحت المرأة تحمل في جسدها آثار معركة لم تخترها، ولا تستطيع الإفلات منها.
الإحصاءات تلتقط طرفاً صغيراً من المأساة. أما حقيقتها الكاملة فتقيم في الصمت؛ في آلاف النساء اللواتي دفنَّ قصصهن خوفاً من مجتمع يطارد الضحية أكثر مما يطارد الجاني، وفي فتيات يخشين الاعتراف بما حدث لهن لأن الوصمة تسبقهن إلى كل باب، وتنتظرهن في كل نظرة.
الحمل القسري لا ينتهي عند لحظة الاغتصاب. إنه يتجدد كل صباح.
يتجدد حين تضع المرأة يدها على بطنها، فتجد نفسها معلقة بين الرحمة والوجع. ويتجدد حين تنظر إلى طفل لم يختر الطريق الذي جاء منه إلى الدنيا، بينما يطارده سؤال الهوية قبل أن يتعلم نطق اسمه. ويتجدد كلما شعرت أن المجتمع يطالبها بحمل الجريمة وحدها، فيما يمضي مرتكبها محاطاً بالسلاح أو بالحماية أو بالنسيان.
هنا يصبح الألم أكثر تعقيداً من أن يُروى.
فالمرأة لا تواجه جرحاً في جسدها فقط، وإنما تدخل في مواجهة يومية مع ذاكرتها، ومع أسرتها، ومع المجتمع، ومع قانون يعجز عن الوصول إليها ساعة تحتاجه، ثم يتقن مساءلتها حين تحاول النجاة بنفسها.
تحولت الأرحام في هذه الحرب الدنيئة إلى ميادين أخرى للصراع. ميادين لا ترسمها الجيوش فوق الرمال، وإنما تتركها محفورة في الأجساد، وفي النفوس، وفي مستقبل أطفال جاءوا إلى العالم وهم يحملون، منذ لحظة الميلاد، إرث جريمة لم يرتكبوها.
أي مستقبل ينتظر مجتمعاً تبدأ فيه الطفولة من قلب المأساة؟
وأي سلام يمكن أن يستقيم فوق ذاكرة بقيت أجساد النساء تحملها وحدها؟
الخسارة هنا لا تقف عند امرأة اغتُصبت، ولا عند طفل وُلد من رحم العنف. الخسارة تمتد إلى المجتمع كله، حين يعتاد رؤية الناجيات وهن يختبئن خلف الخوف، ويمنح الجريمة وقتاً أطول من ذاكرته، وشفقة أقل من حاجته إلى الصمت.
القوانين موجودة، والاتفاقيات الدولية واضحة، والتوصيفات القانونية لا تترك مجالاً للالتباس. غير أن البنادق كثيراً ما سبقت العدالة، والإفلات من العقاب تحول إلى جزء من المشهد، فواصل الجناة ارتكاب الفعل نفسه وهم يدركون أن الطريق إلى المحاسبة أبعد كثيراً من الطريق إلى الضحية.
بعدها يأتي الاعتياد، وهو الوجه الأخير لكل المآسي الكبرى.
تتكرر الأخبار، وتتوالى التقارير، ويخفت الذهول شيئاً فشيئاً، حتى يصبح الحمل القسري خبراً بين أخبار الحرب، وفقرة في تقرير حقوقي، ورقماً جديداً في نشرة دولية. عند تلك اللحظة يبلغ المجرم انتصاره الأعمق؛ حين ينجح في تحويل الفاجعة إلى عادة، والصرخة إلى ضجيج مألوف.
ويبقى السؤال معلقاً فوق السودان، حتى بعد أن تصمت البنادق يوماً: ماذا نفعل بكل هذا الألم الذي استقر في أجساد النساء؟
فالمدن يمكن أن تُبنى من جديد، والطرق يمكن أن تُعبّد، والجسور يمكن أن تعود كما كانت. أما المرأة التي حُوِّل رحمها إلى ميدان حرب، والطفل الذي فُتحت عيناه على العالم وهو يحمل في ميلاده آثار جريمة، والذاكرة التي امتلأت بما يفوق قدرة الإنسان على الاحتمال… فكل أولئك سيواصلون حمل الحرب، حتى بعد أن يتوقف العالم عن سماع صوتها.
