باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 6 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

أرضٌ متنازَعٌ عليها ووعودٌ موؤودة

اخر تحديث: 5 أكتوبر, 2026 10:10 مساءً
شارك

أرضٌ متنازَعٌ عليها ووعودٌ موؤودة: الإخفاقات البنيوية والمكاسب الحقيقية في معالجة قضايا الأراضي عبر خمسة عقود من اتفاقيات السلام السودانية (1972-2020) — نصوصٌ تتراكم ومؤسساتٌ تتعثر وعدالةٌ لم تكتمل

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن اتفاقيات السلام السودانية المتعاقبة منذ عام 1972 وحتى عام 2020 أنتجت تراكماً نصياً ملموساً في مجال الأرض يتصاعد بوتيرة أسرع مما يستطيع النظام المؤسسي استيعابه وتحويله إلى حقوق محمية ومدارة على أرض الواقع، وأن هذا الانفصام الجوهري بين النص والواقع هو المصدر الحقيقي للإحباط المتراكم لدى سكان المناطق المتضررة. وتسعى الدراسة إلى تحقيق أربعة أهداف متكاملة: تحليل جميع الاتفاقيات الرئيسية من حيث قضايا الأرض، والمقارنة بينها على محاور تحليلية أربعة تشمل عدالة توزيع الثروة والحقوق الفيدرالية غير المتماثلة وتنظيم الملكية والحيازة وحقوق وواجبات الاستخدام، وتقييم الاتفاقيات في ضوء المعايير الدولية، واستخلاص دروس قابلة للتطبيق.

قبل الخوض في التحليل تضع الدراسة ثلاثة تصحيحات توثيقية جوهرية: فاتفاقية الخرطوم وُقِّعت في أبريل 1997 لا عام 1998، وعام 1998 هو عام صدور دستور السودان الدائم الذي أدمج مبادئها. وعنوان «أبوجا» يشمل وثيقتين مستقلتين هما إعلان المبادئ الموقَّع في يوليو 2005 واتفاقية السلام الموقَّعة في مايو 2006 مع جناح مناوي وحده. واتفاقية السلام الشاملة تحمل تاريخاً نهائياً هو يناير 2005 لكن بروتوكول اقتسام الثروة المتضمن لأحكام الأرض وُقِّع في يناير 2004. وتعتمد الدراسة منهجاً توليفياً يجمع التحليل القانوني للنصوص مع التحليل السياسي للسياق والنقد المعياري بمرجعية الأطر الدولية المعتمدة.

يقرر الإطار المفاهيمي للدراسة أن قضايا الأرض في السودان تشمل خمسة أبعاد متشابكة: الملكية القانونية الرسمية، والحيازة العرفية الموروثة، وحقوق الاستخدام الثانوية كمسارات الرعاة وحقوق المياه، والتوزيع الجغرافي لعوائد الموارد الباطنية، والسلطة الإدارية على الأرض. ويستند التحليل إلى ثلاث نظريات كبرى: نظرية الوصول التي تميّز بين الملكية القانونية والقدرة الفعلية على الانتفاع وتربط الوصول بالسلطة والهوية والمال، ومقاربة كاثرين بون عن الازدواجية القانونية التي تُنشئها الدولة حين تعتمد على الزعامات المحلية في تخصيص الأرض مما يجعل الحقوق مشروطة بالولاء لا بالقانون، ومنهج إلينور أوستروم الذي يُحدد ثمانية شروط هيكلية لنجاح أنظمة حوكمة الموارد المشتركة تشمل الحدود الواضحة والقواعد المتناسبة مع السياق وآليات حل النزاع منخفضة التكلفة والاعتراف الخارجي بحق التنظيم الذاتي. وتكشف قراءة اتفاقيات السلام بهذه الأطر عن خلل بنيوي متكرر تظل فيه الحدود غير محددة والقواعد مؤجَّلة إلى تشريعات لم تصدر وآليات حل النزاع غائبة على مستوى المجتمع المحلي.

أما الجذور التشريعية فتعود إلى قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لعام 1925 الذي كان تطبيقه انتقائياً جغرافياً إذ شمل الشريط النيلي وأهمل دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، فترك نحو تسعين بالمئة من الأراضي السودانية خارج التسجيل الرسمي. ثم جاء قانون الأراضي غير المسجلة لعام 1970 ليُعلن أن الأراضي غير المسجلة ملك للدولة، مُسقطاً كل حق عرفي غير موثَّق، وهو ما حشّد لمشاريع التوسع الزراعي الآلي التي اتسعت من ستمئة ألف فدان عام 1970 إلى ستة ملايين فدان في مطلع الثمانينيات، وكان أحد أبرز محركات التمرد في المنطقتين. وفي دارفور تحديداً يختلف التاريخ الأرضي بسبب نظام السلطنة الفورية الذي منح الحاكورة وثيقةً سلطانية لفرد أو جماعة، فجاء الاستعمار البريطاني وأعاد توظيفها في نظام الدار القبلي الإداري، مما حوّل الهوية القبلية إلى مفتاح للحق في الأرض. ويُضاف إلى ذلك أن شريط الساحل الزراعي في شمال دارفور فقد ما بين أربعين وستين كيلومتراً من أراضيه بفعل التصحر بين عامَي 1930 و2007، وانخفضت حصص الأمطار بنسبة خمسة عشر إلى عشرين بالمئة بين 1960 و2000، مما دفع الجماعات الرعوية الشمالية إلى التمدد جنوباً فاصطدمت بالجماعات الفلاحية.

وقد أثبتت اتفاقية أديس أبابا 1972، التي كانت إنجازاً سياسياً-أمنياً لافتاً، أن غياب أحكام الأراضي يحمل بذرة انهيار السلام. فلم يتناول التفاوض ملكية الأرض أو توزيع الموارد أو وضع الأراضي التي نزح عنها أصحابها، ولم تُنشأ لجنة للأرض ولا آلية لفضّ نزاعاتها. وحين اكتُشف النفط عام 1978 في أراضٍ تقع داخل الإقليم الجنوبي، أصبح غياب أي نص أرضي أزمةً وجودية استغلها الشمال بتعديلات إدارية عام 1980 أخرجت مناطق نفطية من الإقليم الجنوبي، ثم بتقسيم الإقليم الموحَّد عام 1983 إلى ثلاثة أقاليم، وهو القرار المُعجِّل لتأسيس الحركة الشعبية وعودة الحرب.

وفي مسيرة التسعينيات، جاءت مبادرات كوكا دام 1986 وميرغني-قرنق 1988 وإعلان مبادئ الإيقاد 1994 بأطر سياسية دون معالجة جدية لقضايا الأرض. وجاءت اتفاقية الخرطوم 1997 بمبادئ اقتصادية عامة تُعطي الأولوية في توزيع الإيرادات للولايات الأقل نمواً، لكن دون أي أحكام أرضية مستقلة أو آليات لفضّ النزاعات أو لجان للأرض، وكان جوهرها إعادة إدماج فصائل جنوبية لا تمثل الثقل الرئيسي للتمرد.

وشكّل بروتوكول اقتسام الثروة في نيفاشا يناير 2004 أول وثيقة سودانية تتناول الأرض بأحكام مؤسسية صريحة، لكن اختيارها الأساسي كان تحييد مسألة الملكية لصالح حقوق الاستخدام بوصف تنظيم الأرض «اختصاصاً مشتركاً يُمارَس على المستويات الحكومية المناسبة» دون الفصل في سؤال المالك. وقد نصّت الاتفاقية على لجنة قومية للأراضي ولجنة لجنوب السودان ولجنتين في ولايتَي جنوب كردفان والنيل الأزرق، مع صلاحيات التحكيم والاعتراف بالحقوق العرفية وتسجيل ممارسات الاستخدام. غير أن تطبيقها كان دون المأمول إذ عجزت اللجان عن مواجهة موجة عودة أكثر من مليون نازح. وأنتجت الاتفاقية معادلة ريعية تاريخية بتخصيص خمسين بالمئة من صافي إيراد النفط للجنوب واثنين بالمئة للولاية المنتجة، لكنها أغفلت حقوق سكان مناطق الإنتاج في الأرض ذاتها إذ بقي قانون 1970 ساري المفعول. وحافظ بروتوكول أبيي على حقوق الرعي التقليدية لكن الخلاف على حدوده انتهى إلى قرار لاهاي 2009 الذي أخرج هجليج النفطية من المنطقة المتنازع عليها. وفي المنطقتين، أجّلت آلية المشورة الشعبية حسم قضايا الأرض إلى تشريعات مستقبلية لم تصدر.

وفي دارفور، أدرج إعلان مبادئ أبوجا يوليو 2005 مصطلح «الحواكير» لأول مرة في وثيقة سلام سودانية مع التأكيد على الحقوق التاريخية «ضمن حدودها التاريخية» دون تعريف تلك الحدود. ثم جاءت اتفاقية سلام دارفور مايو 2006 بأغنى نص أرضي حتى ذلك الحين، إذ نصّ على الاعتراف بالحواكير وحمايتها وعلى استعادة حقوق النازحين المسلوبة وعلى عدم جواز تجريد أي شخص أو جماعة من حق تاريخي في الأرض دون تشاور وتعويض عادل، وأقرّ بأن للحواكير أولوية قانونية على غيرها من المطالبات. وأنشأت لجنة أراضي دارفور بصلاحيات التحكيم والتسجيل والإصلاح التشريعي. لكن الاتفاقية وقّعها جناح مناوي وحده، وغابت المجموعات العربية عن التفاوض مما أشعل سخطها إثر التوقيع، وخلط المفاوضون بين مفهوم الحاكورة السلطانية الفردية والدار القبلي الاستعماري، وأُغفلت قضايا الرعي في فصل الثروة وحُصرت في الترتيبات الأمنية.

أما اتفاقية أسمرا أكتوبر 2006 مع الجبهة الشرقية فأدرجت استخدام الأرض وملكيتها ضمن فصلها الاقتصادي مع إنشاء صندوق للإعمار، لكن ثلاثمئة وثمانين مليون دولار من ميزانية الصندوق لم تُصرف، ولم يُتحقق من وجود أحكام مفصلة عن الحيازة العرفية في نص الاتفاقية الكامل. وجاءت وثيقة الدوحة يوليو 2011 لتُعزز الاعتراف بالحواكير وتضيف بناء قاعدة بيانات وخرائط استخدام الأراضي في دارفور ورفعها للمجالس التشريعية، وقد تأسست لجنة أراضي دارفور وعملت على تسجيل الأراضي في خمسين قرية، غير أن التغطية بقيت محدودة والوثيقة وقّعتها حركة واحدة ضعيفة التمثيل الميداني مع غياب الحركتين الرئيسيتين.

وتمثل اتفاقية جوبا أكتوبر 2020 ذروة التراكم النصي الأرضي في التاريخ التفاوضي السوداني، إذ أفردت لقضايا الأرض سبعة فصول في مسار دارفور وحده. فبروتوكول الأرض والحواكير اعترف بالحقوق التقليدية وأوجب تعديل التشريعات المتعارضة معها، وأقرّ حق الاسترداد الفردي والجماعي معاً باستقلالية كل منهما عن الآخر، ومنح أفراداً ومجتمعات عشر سنوات لتقديم مطالباتهم للجنة الجديدة. وفصل تقاسم السلطة أعطى إقليم دارفور اختصاصاً حصرياً في إدارة أراضيه وتخصيصها مع آلية لفضّ التنازع بين القوانين تعتمد مبدأ التبعية. وفصل تقاسم الثروة نصّ على التشاور المسبق مع السكان قبل تخصيص الأراضي أو منح امتيازات الاستخراج مع تعويض كافٍ، وخصّص أربعين بالمئة من صافي إيرادات المعادن والنفط للإقليم لعشر سنوات وثلاثة بالمئة لسكان مناطق الاستخراج، والتزمت الحكومة بسبعمئة وخمسين مليون دولار سنوياً لعشر سنوات. وفصل التعويضات أضاف حق التعويض عن تدهور الأرض والأضرار البيئية الناجمة عن النزوح. وفصل النازحين نص على إصدار سندات الملكية وفتح مسارات الرعاة وتأمينها. وخصّص فصل مستقل لتنمية الرحّل والرعاة. وفي العنوان القومي نصّت الاتفاقية على لجنة قومية للرعاة والرحّل والمزارعين ولجنة لأراضي السدود في الشمال ومعالجة الاختلال الأرضي في الخرطوم. غير أن لجنتَي الأراضي لم تعملا فعلياً بحلول 2021 لغياب التمويل، وأعلنت قوى رئيسية معارضتها للاتفاقية، ثم أجهض انقلاب أكتوبر 2021 وحرب أبريل 2023 ما تبقى من آفاق التنفيذ.

وعند المقارنة الشاملة يتضح تطور تاريخي واضح المعالم: فعدالة توزيع الثروة انتقلت من التزامات عامة دون أرقام في 1997 إلى نسب ريع نفطي صريحة في 2004 إلى صناديق إنمائية في 2006 و2011 إلى حصص من الموارد مقترنة بحق التشاور في 2020، مع استمرار الضعف الهيكلي في تدفق المخصصات المالية. والحقوق الفيدرالية تصاعدت من حكم ذاتي محدود في 1972 إلى اختصاصات حصرية في إدارة الأرض الإقليمية في 2020، مع خلق حافز هيكلي لحمل السلاح ومحدودية تمديد الحقوق لمناطق لم تشهد نزاعاً مسلحاً. ونظام الملكية والحيازة انتقل من تجاهل تام إلى تحييد الملكية لصالح الاستخدام ثم الاعتراف بالحواكير ثم نظام استرداد مع تعديل القوانين المتعارضة، مع بقاء قانون 1970 ساري المفعول في كل مرحلة. وحقوق الرعاة والمستخدمين الثانويين تطورت من إغفال تام إلى حماية مسارات في أبيي ثم إدراج في الأمن في أبوجا ثم فصل مستقل في جوبا.

والمكاسب الحقيقية موثَّقة: فالأرض انتقلت من هامش التفاوض إلى مركزه، وتطور الاعتراف بالحقوق العرفية من ذكر عابر إلى نظام استرداد مؤسسي، وأُدرج التعويض البيئي، ونُص على التشاور المسبق، واعتُرف بالرعاة تنموياً. أما الإشكالات البنيوية المتكررة فسبع: الاعتراف بلا تعريف للحواكير وحدودها، وإقصاء الجماعات غير المفاوِضة، والمؤسسات الورقية التي تعجز عن العمل، وضعف الإنفاذ لعدم تعديل القوانين المتعارضة، وتجنب الفصل في إشكاليات الملكية الجذرية، وإغفال الفئات الأضعف من نساء ورعاة ومستخدمين ثانويين، والتجزؤ الجغرافي بين مناطق ذات نصوص مفصلة وأخرى مُهمَلة.

وعلى صعيد التجارب الدولية المقارنة تُفيد التجربة الموزمبيقية في نموذج رخص الحيازة الجماعية لعام 1997 التي حمت المجتمعات الريفية دون التمييز بين المالك القانوني والمستخدم التقليدي. والتجربة الكولومبية بعد 2016 في الجمع بين لجان الأراضي والقضاء التحكيمي المستقل والتوثيق الرقمي. والتجربة البروندية في تقريب آليات حل النزاع من المجتمعات المحلية بدلاً من مركزتها. وتُحدد المبادئ الدولية المرجعية ثلاثة ركائز لأي إصلاح ناجح: الاعتراف بطيف كامل من حقوق الحيازة لا بالملكية وحدها، وآليات تشاور شفافة وشاملة قبل أي تحويل للأرض، وقضاء أرضي مستقل وفعّال. وتُقدم منهجيات رقمية مبتكرة كرسم الخرائط بالمشاركة المجتمعية ونموذج «المجال الاجتماعي للحيازة» الذي طورته موئل الأمم المتحدة أدواتٍ تقنية لتسجيل الحقوق غير الرسمية جرت تجربتها بنجاح في أوغندا ورواندا وإثيوبيا.

وتستخلص الدراسة ستة مقترحات للتصميم المؤسسي المستقبلي: التفريق بين طبقات حقوق الأراضي ثلاثياً يشمل الملكية الثابتة والحيازة التقليدية وحقوق الاستخدام الثانوي المتنقل، والحوكمة التشاركية المتعددة المستويات بإشراك المجتمعات في وضع قواعد الأرض ومراقبتها، وضمان تمثيل الغائبين عبر مؤتمرات تشاور محلية مفتوحة قبل اعتماد القوانين، والتسلسل الزمني للتنفيذ بالبدء بالإجراءات العاجلة ثم الإصلاح التشريعي الأطول أمداً، والتمويل المستقل للجان الأراضي بمعزل عن رهان الميزانية الحكومية أو الصناديق الدولية غير الملزِمة، وإدراج مؤشرات أداء قابلة للقياس وجداول زمنية واضحة لاختبار عمل اللجان ونشر تقاريرها بصورة دورية شفافة.

والخلاصة الكبرى التي يُفضي إليها البحث هي أن مسيرة الاتفاقيات السودانية في معالجة الأرض مسيرة مكاسب نصية حقيقية متراكمة في داخل إخفاقات تنفيذية مزمنة، ناجمة ليس من سوء نية المفاوضين وحده، بل من انعدام الاستثمار في المؤسسات المحلية القادرة على ترجمة النص إلى قانون وخريطة وقرار تعويض قابل للتنفيذ. وقد زادت حرب أبريل 2023 من تعقيد المشهد بإنتاج موجة نزوح تجاوزت ثمانية ملايين نازح وبتجديد ظاهرة الاحتلال المسلح للأراضي على نطاق واسع. وأي اتفاقية سلام قادمة تريد أن تكون مختلفة تحتاج إلى ثلاثة عناصر في آنٍ واحد: اعتراف تشريعي ملزِم بالحقوق العرفية في قانون وطني يعدّل قانون 1970، ومؤسسات محلية ممولة ومستقلة وقادرة على العمل الفعلي، وتمثيل حقيقي للجماعات الغائبة تاريخياً في هندسة التفاوض ذاتها لا فقط في صياغة النصوص.

النص الكامل للمقال

  1. البنية التحليلية للدراسة: المسألة البحثية والمنهج والتصحيحات الوثائقية الجوهرية

الأرض في السودان ليست موضوعاً من موضوعات الإدارة العامة يمكن تأجيل معالجته إلى ما بعد الحرب، بل هي المادة الخام التي تُصنع منها الحروب والسلامات معاً. فحين تتأمل جذور كل صراع مسلح خاضه السودان منذ استقلاله في الأول من يناير 1956، تجد الأرض حاضرةً بصورة أو بأخرى: في جنوب كردفان والنيل الأزرق، انتزع توسع الزراعة الآلية في الحقبة 1970-1985 ما يزيد على مليوني هكتار من أراضي مجتمعات النوبة والفونج والإنقسنا بعقود حكومية لم تُجرَ بشأنها مشاورة ولم يُدفع تعويض عادل (Duffield, 1990؛ Pantuliano, 2009). وفي دارفور أدى التمدد الجغرافي لجماعات رعوية شمالية ضربها الجفاف الشديد في الحقبة 1960-1985 جنوباً نحو مراعٍ خضراء، إلى صدامات مع جماعات فلاحية محلية تعدّ ذلك الجنوب امتداداً لحواكيرها التاريخية (Flint and de Waal, 2008؛ UNEP, 2007). وفي أبيي، تحولت مشاعات الرعي المشترك بين دينكا نقوك والمسيرية العرب إلى بؤرة للنزاع السياسي-المسلح حين اكتُشف النفط تحتها في أواخر السبعينيات وتحولت قيمة الأرض من قيمة رعوية-زراعية إلى قيمة سيادية-ريعية (Permanent Court of Arbitration, 2009؛ Hutchinson, 2000). وحين تعود لدراسة محاولات الحل، تجد الأرض مرةً أخرى قضيةً لا مفر منها في أي تفاوض جاد، لكن المفاوضين تعاملوا معها بتفاوت شديد عبر الاتفاقيات المتعاقبة: فاتفاقية أديس أبابا 1972 تجاهلتها تقريباً، ونيفاشا 2004 حاولت تحييدها وتحويلها إلى حق استخدام بدل حق ملكية، وأبوجا 2006 اعترفت بالحقوق العرفية لكن في غياب من يمثل أصحاب المصلحة الرئيسيين، والدوحة 2011 أضافت قاعدة بيانات الأراضي لكن بتمثيل أضعف، وجوبا 2020 قدمت أكمل نص عن قضايا الأراضي في التاريخ التفاوضي السوداني، لكنها كتبته في ظروف مؤسسية هشة حالت دون تحويله إلى حقوق محمية (Transitional Government of Sudan et al., 2020؛ United Nations in Sudan, 2021).

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الاتفاقيات السودانية أنتجت تراكماً نصياً ملموساً في مجال الأرض يتصاعد بوتيرة أسرع مما يتمكن النظام المؤسسي من استيعابه وتحويله إلى حقوق محمية ومدارة على أرض الواقع، وأن هذا الانفصام بين النص والواقع هو المصدر الحقيقي للإحباط الذي يشعر به سكان المناطق المتضررة (Pantuliano, 2009؛ United Nations in Sudan, 2021). وعلى هذا الأساس تسعى الدراسة إلى تحقيق أربعة أهداف متكاملة: أولاً تحليل جميع الاتفاقيات السودانية الرئيسية من 1972 حتى 2020 من حيث قضايا الأرض واستخراج أحكامها التفصيلية وتوثيقها. وثانياً المقارنة بين الاتفاقيات على أربعة محاور تحليلية تشمل عدالة توزيع الثروة المرتبطة بالأرض، والحقوق الفيدرالية غير المتماثلة، وتنظيم الملكية والحيازة، وحقوق وواجبات استخدام الأرض. وثالثاً تقييم الاتفاقيات في ضوء المعايير الدولية المرجعية ومقارنتها بتجارب إفريقية ودولية مماثلة. ورابعاً استخلاص دروس عملية وقابلة للتطبيق من شأنها أن تُسهم في تصميم أحكام أرضية أكثر كفاءة في أي اتفاقية سلام سودانية مستقبلية. وتعتمد الدراسة نهجاً توليفياً يجمع بين التحليل القانوني للنصوص والتحليل السياسي للسياق والنقد المعياري بمرجعية الأطر الدولية.

التصحيحات الوثائقية الضرورية: قبل المضي في التحليل يجب تثبيت تصحيحات وثائقية جوهرية تتصل بتواريخ الاتفاقيات وهوياتها، لأن الخلط في هذه التواريخ يُخلّ بفهم التسلسل السببي. التصحيح الأول: اتفاقية الخرطوم للسلام وُقِّعت في 21 أبريل 1997 وليس عام 1998، وهي اتفاقية تُرجمة لميثاق السلام السياسي الموقَّع في أبريل 1996 بين الحكومة السودانية وعدد من الفصائل الجنوبية بزعامة رياك مشار الذي قاد حركة استقلال جنوب السودان، والتجمع لأغراض الدفاع عن الاستوائية بقيادة ماتيب نوير، وبعض الجماعات الكردفانية الصغيرة. أما عام 1998 فهو عام إصدار دستور جمهورية السودان الدائم الذي أدمج مبادئ تلك الاتفاقية ضمن أُطره الدستورية (Bell and Badanjak, 2019؛ Young, 2007). والتصحيح الثاني: «أبوجا» عنوان يشمل وثيقتين مستقلتين تماماً: الأولى «إعلان مبادئ حل النزاع السوداني في دارفور» الموقَّع في أبوجا في الخامس من يوليو 2005 بين الحكومة السودانية وحركتَي تحرير السودان والعدالة والمساواة، والثانية «اتفاقية سلام دارفور» المعروفة بالأحرف الإنجليزية المختصرة (DPA) والموقَّعة في أبوجا في الخامس من مايو 2006، ووقّعتها الحكومة وجناح حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي وحده، بينما رفضها جناح عبد الواحد نور وحركة العدالة والمساواة بقيادة خليل إبراهيم (de Waal, 2008؛ Government of the Sudan et al., 2005). والتصحيح الثالث: اتفاقية السلام الشاملة تاريخها النهائي الرسمي التاسع من يناير 2005 في نيروبي بكينيا، لكنها حزمة بروتوكولات متعاقبة تمّ التفاوض عليها في نيفاشا بكينيا على مدى عامين. فبروتوكول اقتسام الثروة الذي يحمل أهم أحكام الأرض وُقِّع بالذات في السابع من يناير 2004 (Government of the Sudan and SPLM/A, 2004a). وبروتوكول أبيي وُقِّع في السادس والعشرين من مايو 2004، وبروتوكولا جنوب كردفان والنيل الأزرق وُقِّعا في السادس والعشرين من مايو 2004 أيضاً، وبروتوكول اقتسام السلطة وُقِّع في السادس والعشرين من مايو 2004 (Government of the Sudan and SPLM/A, 2004b). وإغفال هذه التواريخ الدقيقة يُخلّ بفهم التسلسل السببي وبنسب الأحكام إلى السياقات التفاوضية الصحيحة.

المنهج المعتمد: اعتمدت هذه الدراسة على النصوص الرسمية للاتفاقيات حيثما أمكن الوصول إليها مباشرةً، وعلى قاعدة بيانات اتفاقيات السلام الصادرة عن جامعة إدنبرة (Bell and Badanjak, 2019) بوصفها مستودعاً موثَّقاً للنصوص والتحليلات المقارنة تضم أكثر من 1800 اتفاقية سلام عالمية. كذلك اعتمدت على مراجعة منهجية للأدبيات الأكاديمية من مجلات علمية محكَّمة متعددة، وعلى تقارير مراكز الفكر والسياسات الأمريكية والأوروبية والبريطانية والأفريقية، وعلى تقارير هيئات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة ولا سيما موئل الأمم المتحدة التي أصدرت عام 2020 تقييماً ميدانياً شاملاً لإدارة الأراضي في دارفور (UN-Habitat, 2020)، ومفوضية اللاجئين التي تتابع أوضاع النازحين ومطالبات الأرض في السودان باستمرار. ويُطبّق البحث نهجاً تحليلياً مقارناً يأخذ بالاعتبار التطور الزمني للنصوص ويقيسها على معايير دولية معترف بها كمبادئ بينيرو للاسترداد (United Nations, 2005) والمبادئ التوجيهية الطوعية لمنظمة الفاو للحوكمة المسؤولة للأراضي (FAO, 2012) والإطار والمبادئ التوجيهية للاتحاد الأفريقي بشأن سياسة الأراضي (African Union, 2010). وتُغطي الدراسة، علاوة على الاتفاقيات الكبرى، سلسلةً من الاتفاقات والإعلانات الأقل أهمية نسبياً لقضايا الأرض، وهي: إعلان كوكا دام لمارس 1986، ومبادرة ميرغني-قرنق لنوفمبر 1988، وإعلان مبادئ الإيقاد لمايو 1994، وميثاق السلام السياسي لأبريل 1996، ومفاوضات القاهرة 2005 مع التجمع الوطني الديمقراطي، وإعلان المبادئ بين الحكومة الانتقالية السودانية والحركة الشعبية-الشمال بقيادة عبد العزيز الحلو عام 2021، غير أن تناول هذه الاتفاقات يبقى إجمالياً في حدود ما تيسّر من وثائق ونصوص.

منهجية ترتيب الفصول: تتبع هذه الدراسة تسلسلاً سردياً تاريخياً-تحليلياً ينتقل من التأسيس المفاهيمي والتشريعي إلى تحليل الاتفاقيات بترتيب زمني مع ربط كل اتفاقية بسابقتها وتالياتها، ثم ينتهي بالمقارنة الشاملة والنقد المتوازن واستخلاص الدروس. وهذا التسلسل هو الأنسب للمقال الأكاديمي الذي يهدف إلى بناء استدلال تراكمي يُظهر التطور والتراجع والأنماط المتكررة عبر الزمن، وفق ما أوصت به مبادئ هيكلة الأبحاث التاريخية-المقارنة (Bell, 2008).

  1. لماذا تحتاج اتفاقيات السلام إلى نصوص أرضية؟ الجذور المفاهيمية والتشريعية والتاريخية لأزمة الأرض السودانية

الأرض في السودان ليست موضوعاً بسيطاً قابلاً للحسم بسياسة زراعية أو قانون تسجيل، بل هي نظام معقد تتشابك فيه خمسة أبعاد متمايزة لا يجوز اختزاله في أي واحد منها. البعد الأول هو الملكية القانونية الرسمية القائمة على التسجيل في سجلات الدولة وفق نظام الشهر العقاري. والبعد الثاني هو الحيازة العرفية القائمة على الموروث القبلي والتاريخي والأعراف المتوارثة في الحيازة والتوارث والانتفاع. والبعد الثالث هو حقوق الاستخدام الثانوية كمسارات الرعاة الموسمية والوصول إلى مصادر المياه ومواضع الصيد وحق الحصاد في موسم معين. والبعد الرابع هو التوزيع الجغرافي للعوائد المستخرجة من باطن الأرض من نفط ومعادن وثروات طبيعية أخرى. والبعد الخامس هو السلطة الإدارية على الأرض، وتعني في السياق السوداني: من يمنح حق التصرف في الأرض، ومن يفصل في النزاعات القائمة بشأنها، ومن يخطط لاستخدامها ويُقرّ تحويلها من زراعي إلى صناعي أو استثماري (Ribot and Peluso, 2003؛ Boone, 2014؛ Pantuliano, 2009). وتتشابك هذه الأبعاد الخمسة بصورة تجعل الحل في واحدة منها قد يُفاقم الأزمة في الأخرى، كما أثبتت تجربة دارفور بعد اتفاقية أبوجا 2006 التي اعترفت بالحواكير دون أن تُحدد حدودها، فخلقت نزاعات تفسيرية جديدة فوق النزاعات القديمة (de Waal, 2008).

تُقدم نظرية «الوصول» التي طورها جيمس ريبوت ونانسي بيلوسو (Ribot and Peluso, 2003) أداةً تحليلية قوية للتمييز بين الملكية القانونية والقدرة الفعلية على الانتفاع. فالوصول إلى الأرض في السياق السوداني يتوسطه المال والسلطة السياسية والانتماء القبلي والهوية الإثنية والجنس. وهذا التمييز ذو أهمية خاصة، حيث يملك كثيرون سنداً قانونياً لا يستطيعون الانتفاع به لكون الأرض محتلةً فعلياً من طرف مسلح أو ممنوح استثمارها لشركة خاصة، ويملك آخرون أرضاً عرفياً بلا وثيقة رسمية. وتُبيّن كاثرين بون في دراستها المقارنة أن الدولة الأفريقية حين تعتمد على الزعامات المحلية في تخصيص الأرض تُنشئ ازدواجيةً قانونية تُستغل سياسياً، وتجعل الحقوق مشروطةً بالولاء لا بالقانون (Boone, 2014). وفي السودان يُضيف محمود ممداني بُعداً تاريخياً، إذ يُبيّن كيف أن الإدارة الاستعمارية البريطانية حين جعلت القبيلة وحدةً إدارية ذات حيز جغرافي معرَّف في نظام الإدارة غير المباشرة، حوّلت الحق في الأرض إلى ما يشبه الامتياز القبلي الحصري بدلاً من أن يبقى حقاً مدنياً مرتبطاً بالمواطنة (Mamdani, 2009). وعلى مستوى الحوكمة، تُقدم إلينور أوستروم نموذجاً لكيفية نجاح أنظمة الموارد المشتركة حين تتوفر ثمانية شروط هيكلية: حدود واضحة للمجموعة والموارد، وقواعد متناسبة مع السياق المحلي، وترتيبات اختيار جماعية، ورقابة فعالة، وعقوبات متدرجة، وآليات حل نزاع منخفضة التكلفة، واعتراف خارجي بحق التنظيم الذاتي، وبنى حوكمة متعددة المستويات (Ostrom, 1990). وعند قراءة أحكام الأرض في اتفاقيات السلام السودانية بهذا الإطار يتضح الخلل البنيوي: فالحدود غير محددة، والقواعد مؤجَّلة إلى تشريع لم يصدر بعد، والرقابة غائبة، وآليات حل النزاع لم تُبنَ على مستوى المجتمع المحلي.

المنظومة التشريعية الاستعمارية وآثارها: لا يمكن فهم نصوص السلام السودانية بمعزل عن التشريعات التي رسمت النظام القانوني القائم منذ ما قبل الاستقلال. فقانون تسوية الأراضي وتسجيلها الصادر عام 1925 أسس لنظام التسجيل الفردي، وقد جاء خدمةً لأهداف الإدارة الاستعمارية في إخضاع الأرض للتوثيق ومنح الدولة السيطرة على التخصيص. غير أن تطبيقه كان انتقائياً جغرافياً بصورة حادة: شمل الشمال النيلي وبعض المناطق الزراعية المروية والمناطق الحضرية الرئيسية، وأهمل دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وغالبية المناطق الهامشية والريفية. وهذا ما اضطرت وثيقة الدوحة للسلام في دارفور عام 2011 إلى الإقرار به صراحةً بقولها إن «أهل دارفور لم يستفيدوا من قانون تسوية وتسجيل الأراضي لعام 1925»، واعتبرت هذا الإقصاء التاريخي مسوّغاً لمنح الأولوية لتعديل القوانين لإدراج حقوق الأرض الموروثة (Government of Sudan and LJM, 2011). وقد ترك هذا القانون نحو تسعين بالمئة من الأراضي السودانية خارج دائرة التسجيل الرسمي، واقتصرت عمليات المسح والتسوية في الحقبة الاستعمارية على الأرض المروية في الشريط النيلي الشمالي ونزر من المناطق الزراعية الأخرى (Pantuliano, 2009؛ UN-Habitat, 2020). ثم عمّق قانون الأراضي غير المسجلة لعام 1970 الأزمة في عصر الاستقلال، إذ قرّر أن «الأراضي غير المسجلة ملك للدولة»، مُسقطاً عملياً أي حق عرفي غير موثَّق في السجلات الرسمية. وقد جاء هذا القانون في ذروة حكم الرئيس نميري في المرحلة اليسارية ثم الاشتراكية (1969-1976)، وحُشِّد لخدمة مشاريع التوسع الزراعي الآلي التي اتسعت رقعتها بصورة مثيرة من نحو 600,000 فدان عام 1970 إلى ما يزيد على ستة ملايين فدان في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات (Duffield, 1990). وقد وثّق مارك دوفيلد هذه العملية في كتاباته عن الصراع الزراعي في السودان، مبيّناً أن توسع الزراعة الآلية في جنوب كردفان والنيل الأزرق في حقبتَي السبعينيات والثمانينيات كان أحد أهم المحركات البنيوية للتمرد الذي قادته الحركة الشعبية لتحرير السودان في تلك المناطق، إذ تعامل سكان المنطقتين مع هذا التوسع الممنهج بوصفه انتزاعاً للأرض لا سياسةً زراعية (Duffield, 1990). وجاء قانون المعاملات المدنية لعام 1984 ليُعمّق الأزمة دون أن يُدخل أي اعتراف بالحقوق العرفية في المنظومة التشريعية.

نظام الحواكير في دارفور: تاريخ موروث ومفهوم مُعاد تشكيله: يختلف الوضع في دارفور اختلافاً جوهرياً بسبب تاريخ السلطنة الفورية التي امتدت من عام 1603 حتى السقوط أمام الاستعمار البريطاني عام 1916. فقد منحت هذه السلطنة «الحاكورة»، وهي منحة الأراضي التي يمنحها السلطان لفرد أو لجماعة بموجب وثيقة رسمية تُسمى «الكوبان» أو «سند السلطان»، وتنتقل بالميراث وقد تُباع أو تُؤجَّر. وجاء الحكم البريطاني فاحتفظ باسم الحاكورة وأعاد توظيفها في خدمة نظام الإدارة غير المباشرة القائم على «الدار»، وهي الوطن القبلي الإداري الذي جُعلت فيه القبيلة وحدةً إدارية ذات حيز جغرافي معرَّف، مما حوّل نظاماً كان في أصله يُعطي سلطاناً فردياً أو عائلياً أو أسرياً أو قبلياً، إلى نظام يُعطي قبيلة كياناً إقليمياً. وقد أوضح محمود ممداني أن هذا التحول الاستعماري حوّل الهوية القبلية من هوية ثقافية اجتماعية متحركة إلى هوية إدارية إقليمية صارمة، وجعل الحق في الأرض والحق في الحكم مرتبطَين بالانتماء الإثني بصورة غير قابلة للتفاوض (Mamdani, 2009). وعلى هذا الأساس يُحلل جوليان فلينت وآلكس دي وال كيف أن النزاع في دارفور لا يرتبط بالتصنيفات العرقية الجامدة بل بالتحولات الاجتماعية-البيئية وبتسييس الانتماء القبلي الذي يُجعل وسيلةً للوصول إلى الأرض والحكم معاً (Flint and de Waal, 2008). وعلى هذه الخلفية المركّبة، ينبغي قراءة استخدام «الحواكير» في الاتفاقيات: فهو استدعاء لمفهوم تاريخي أُعيد تفسيره واختُلط فيه مفهوم الحاكورة (المنحة الفردية) بمفهوم الدار (الوطن القبلي الاستعماري)، وهو ما أشار إليه دي وال تحديداً بقوله إن المفاوضين في أبوجا «كانوا في الواقع يخترعون تاريخاً للأرض الدارفورية» (de Waal, 2008). وفي البيئة الرعوية، كشفت الأبحاث المناخية أن شريط الساحل الزراعي في الجزء الشمالي من دارفور فقد ما بين أربعين وستين كيلومتراً من أراضيه الزراعية بفعل التصحر في الفترة الممتدة بين عامَي 1930 و2007، وهو ما دفع جماعات الشمال الرعوية إلى التمدد جنوباً باحثةً عن مراعٍ ومياه، فصدمت بمجتمعات فلاحية محلية تعدّ ذلك الجنوب امتداداً تاريخياً لحواكيرها (UNEP, 2007). ويُضاف إلى ذلك أن حصص الأمطار في شمال دارفور انخفضت بنسبة تتراوح بين خمسة عشر وعشرين بالمئة في المتوسط خلال الفترة 1960-2000 وفق بيانات الأرصاد الجوية التي وثّقها تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP, 2007)، مما يعني أن أزمة الأرض في دارفور تراكبت فيها العوامل البيئية والديموغرافية والسياسية في منظومة تغذية دائرية أصعب كثيراً مما توحي به أي من اتفاقيات السلام المتعاقبة.

  1. الصمت التأسيسي وبدايات التفاوض: من أديس أبابا 1972 إلى اتفاقية الخرطوم 1997

3.1 أديس أبابا 1972: سلام ينجح أمنياً ويُفشل اقتصادياً

وُقِّعت اتفاقية أديس أبابا في السابع والعشرين من فبراير 1972 بين حكومة السودان برئاسة جعفر نميري وحركة تحرير جنوب السودان برئاسة جوزيف لاغو، وصادق عليها الجانبان رسمياً في الخرطوم في الثاني من مارس 1972، ثم أُدمجت في قانون الحكم الذاتي الإقليمي للمديريات الجنوبية الصادر في الثالث من مارس 1972، ثم في الدستور الدائم عام 1973 (Johnson, 2011؛ Alier, 1990). وقد أنشأت جمعيةً إقليميةً مُنتخبة ومجلساً تنفيذياً عالياً يرأسه أبيل ألير، يُغطيان الإقليم الجنوبي المكوَّن من مديريات بحر الغزال والاستوائية وأعالي النيل، مع حصر الصلاحيات الوطنية من دفاع وجمارك وتجارة خارجية وتخطيط اقتصادي في الحكومة المركزية بالخرطوم (Kasfir, 1979؛ Lesch, 1998). وتضمنت الاتفاقية بنوداً للمصالحة الوطنية وتكامل قوات جيش الرابطة الجنوبية في القوات المسلحة الوطنية، وهو العنصر الأمني والعسكري الذي استغرق الجزء الأكبر من المفاوضات والاهتمام.

أبرز ما يميز هذه الاتفاقية في موضوع الأرض هو الغياب التام تقريباً لأي حكم أرضي. فقد أوضح دوغلاس جونسون في دراسته التاريخية الشاملة لجذور الحروب السودانية أن التفاوض انقسم إلى لجان سياسية وأمنية واقتصادية، وانتهت السياسية والأمنية إلى اتفاق سريع، إلا أنه «لم تكن هناك مناقشة منفصلة للصلاحيات الاقتصادية للحكومة الإقليمية الجديدة، ولا لسياسة التنمية القومية بمقدار ما تنطبق على الجنوب» (Johnson, 2011). ويرى ألير أن الطرفين توافقا ضمنياً على أن استعادة السلام أولوية تسبق أي جدال اقتصادي معمّق، غير أن هذا التأجيل خلق فراغاً خطيراً لم تُملأ خانته في أي وقت لاحق (Alier, 1990). وفي غياب أي حكم أرضي صريح، لم يرد في الاتفاقية ما يُحدد من يملك الأرض والموارد في الإقليم الجنوبي، ولا كيف تُقسَّم عوائد الموارد الطبيعية إذا اكتُشفت، ولا ما هو الوضع القانوني للأراضي التي استولى عليها الشمال أو التي نزح عنها أصحابها خلال سنوات الحرب الأولى (1955-1972)، ولا كيف يُعاد توطين المشردين داخلياً على أراضيهم.

وقد أدّى هذا الفراغ دوراً سببياً محورياً في انهيار السلام. فحين أعلنت شركة شيفرون الأمريكية عام 1978 عن اكتشاف احتياطيات نفطية ضخمة في منطقة بنتيو في جنوب كردفان وما يليها من أراضٍ تقع داخل الإقليم الجنوبي، تحوّل غياب أي نص أرضي في الاتفاقية إلى أزمة وجودية: فقانون الأراضي غير المسجلة لعام 1970 كان يُعطي الدولة السيطرة القانونية على أي موارد باطنية، بينما رأى الجنوبيون أن جغرافية الأرض تُرتّب حقوقاً لمن يسكنها ويحرثها. ولتجاوز هذا الخلاف وضمان السيطرة على النفط بحجج إدارية، أجرت الخرطوم في عام 1980 تعديلاً إدارياً نقل منطقتَي بنتيو وأبيي من إقليم الاستوائية إلى كردفان ضمن إعادة تنظيم المحافظات. ثم قسّمت في عام 1983 الإقليم الجنوبي الموحَّد إلى ثلاثة أقاليم منفصلة بما أبطل عملياً جوهر الاتفاقية وسلب الإقليم جنوباً قوته التفاوضية كبنية موحَّدة، وهو القرار المُعجِّل الذي دفع الرائد جون قرنق إلى الانتفاض في مايو 1983 وتأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان التي أعلن فيها صراحةً أن الأرض والموارد والحكم قضية واحدة لا يمكن الفصل بين أجزائها (Garang, 1987؛ Alier, 1990؛ Johnson, 2011). ودرس أديس أبابا الأكبر هو أن سلاماً سياسياً-أمنياً لا يعالج الاقتصاد السياسي للأرض والموارد يحمل في داخله بذرة انهياره، وأن استراتيجية التأجيل تُضخّم الصراع لاحقاً بدلاً من أن تدعه يهدأ.

3.2 مبادرات الثمانينيات والتسعينيات: وقفات في درب ملتوٍ

بعد انهيار اتفاقية أديس أبابا واندلاع الحرب الثانية في يونيو 1983، جاءت محاولات عدة للحل قبل أن تنضج اتفاقية السلام الشاملة. في مارس 1986، أسفر اجتماع كوكا دام الذي رعته الكنيسة الإنجيلية السودانية عن إعلان يُرسي مبادئ التفاوض ويُقرر وقف إطلاق النار بين الحكومة الانتقالية التي يقودها الصادق المهدي والحركة الشعبية بقيادة جون قرنق، غير أن الإعلان لم يتطرق إلى قضايا الأرض أو تقاسم الموارد بأي تفصيل يُذكر، وظل في حدود الإطار السياسي العام (Sidahmed and Sidahmed, 2005). وفي نوفمبر 1988، توصّل رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي محمد عثمان الميرغني والأمين العام للحركة الشعبية جون قرنق إلى وثيقة تُرسي وقف إطلاق النار وتضع إطاراً للتفاوض الجاد، إلا أن الحكومة السودانية رفضت التوقيع عليها، وجاء انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 الذي قاده الجنرال عمر البشير ليُجهض هذه المحاولة كلياً ويُغير مسار التفاوض للعقود التالية (Sidahmed and Sidahmed, 2005). وفي مايو 1994 أصدرت الإيقاد إعلاناً للمبادئ حدّد أجندة التفاوض حول: تقرير المصير للجنوب، وطبيعة الدولة السودانية، وعلاقة الدين بالسياسة، وهيكل الحكم الفيدرالي. وقد بقيت قضايا الأرض على هامش هذه الأجندة مؤجَّلةً ضمنياً إلى مرحلة ترتيبات اقتسام الثروة التي نوقشت فيما بعد في نيفاشا (Young, 2007).

وجاء ميثاق السلام السياسي في أبريل 1996 ثم اتفاقية الخرطوم في الحادي والعشرين من أبريل 1997 في هذا المناخ المحتقن. فقد وقّعت الحكومة مع فصائل جنوبية مسلحة انشقت عن الحركة الشعبية وهي أقل وزناً ميدانياً من الحركة الرئيسية، وأنشأت مجلساً تنسيقياً للولايات الجنوبية العشر برئاسة رياك مشار الذي أصبح نائباً أول للرئيس ورئيساً للمجلس التنسيقي للفترة الانتقالية المقررة بأربع سنوات (CSVR, n.d.؛ Reliefweb, 1997). وفي موضوع الثروة والأرض، نصّت الاتفاقية على التزام الحكومة الاتحادية بخطة اقتصادية واجتماعية شاملة تهدف إلى سدّ الفجوة التنموية بين الولايات وتحقيق تكافؤ في الاحتياجات الأساسية من أمن وتوظيف ومياه وغذاء وتعليم وصحة وإسكان. كما نصّت على إعطاء الأولوية في توزيع الإيرادات الاتحادية للولايات الأقل نمواً وفق معايير الحرمان، واعتبار المشروعات الاتحادية الكبرى ومشروعات التعدين والنفط ثروةً قومية، مع منح المجلس التنسيقي صلاحيات تنسيق ومراقبة وتخطيط اقتصادي واجتماعي إلى جانب بعض الاختصاصات المتزامنة مع الحكومة الاتحادية (CSVR, n.d.؛ Reliefweb, 1997). وفي حدود ما أتاحه التحقق من ملخصات هذه الاتفاقية ومن النصوص الجزئية المتاحة عبر قواعد البيانات الأرشيفية، لم تُفرَد قضايا الأرض بأحكام مستقلة تتناول الحيازة العرفية أو آليات فض النزاعات حول الأراضي أو مسائل التعويض أو حقوق المجتمعات في الموارد الباطنية. وهذا يتسق مع أن الاتفاقية كانت في جوهرها إعادة إدماج سياسي لفصائل لا تمثل الثقل الرئيسي للتمرد الجنوبي، وليست تسوية شاملة مع الفاعل المحوري وهو الحركة الشعبية بقيادة قرنق (Young, 2007). والمحصلة أن التسعينيات استمرت في تضخيم الفراغ الأرضي التأسيسي الموروث من أديس أبابا، وبقي قانون 1970 وحده حاكماً للأرض في غياب أي تصحيح سلمي.

  1. نيفاشا والسلام الشاملة 2004-2005: التحييد المقصود لمعضلة الملكية وأول هيكل مؤسسي للأرض

شكّل بروتوكول اقتسام الثروة الموقَّع في نيفاشا بكينيا في السابع من يناير 2004، في إطار مسيرة التفاوض الشاملة التي امتدت من يونيو 2002 حتى يناير 2005، أول وثيقة سلام سودانية تتناول قضايا الأرض بأحكام مؤسسية صريحة وبهيكل تنظيمي متعدد المستويات. بيد أن الاختيار الأساسي الذي أسّس هذا البروتوكول كان اختياراً للتحييد الاستراتيجي لا للحسم: فقد سجّل الطرفان، وهما الحكومة السودانية والحركة الشعبية، أن «تنظيم حيازة الأرض واستخدامها وممارسة الحقوق فيها» اختصاص «مشترك يُمارَس على المستويات الحكومية المناسبة» (“concurrent competency exercised at the appropriate levels of government”)، وأن الحقوق في الأراضي المملوكة للحكومة تُمارَس عبر المستويات المعنية، دون أن يُجيب النص عن السؤال الأساسي: مَن يملك الأرض قانونياً؟ (Government of the Sudan and SPLM/A, 2004a). ويُفسّر دارسو الاقتصاد السياسي لعمليات السلام هذا الاختيار بأنه كان مقصوداً: فملكية الأرض تعني ضمنياً ملكية النفط تحتها، وهو ما لم يكن الطرفان مستعدَّين لحسمه نهائياً وهما لا يزالان في مرحلة التفاوض قبل اليوم الأول من تطبيق الاتفاقية. فركّز البروتوكول على حقوق الاستخدام بدلاً من الملكية، وهو موقف براغماتي يجنّب الانهيار الفوري لكنه يُحيل الأسئلة الأصعب إلى مرحلة الدستور الدائم الذي لم يُكتب أبداً (Pantuliano, 2009؛ CCDP Working Paper 1, 2010). ويرى باحثو المعهد الإنمائي فيما وراء البحار أن هذا التحييد نقل مسألة الملكية من ملف التفاوض إلى ملف المرحلة الدستورية اللاحقة التي لم تُحسمها الفترة الانتقالية ولا استفتاء 2011 ولا ما تلاه (Pantuliano, 2009).

لجان الأراضي: الابتكار المؤسسي وعثرات التطبيق: نصّ بروتوكول اقتسام الثروة على إنشاء منظومة متعددة المستويات: لجنة قومية للأراضي تُعنى بالمستوى الوطني ويُعيَّن رئيسها من مجلس الرئاسة المشتركة، ولجنة لأراضي جنوب السودان يترأسها رئيس حكومة جنوب السودان، ولجنتان على مستوى ولايتَي جنوب كردفان والنيل الأزرق في المنطقتين. واشترط البروتوكول أن تكون اللجنة القومية «ممثِّلةً ومستقلة»، وأن يُحدَّد تكوينها وأسلوب تعيين أعضائها بتشريع خاص، وأن يُقرَّ لها ميزانية مستقلة، وأن تملك صلاحية عقد جلسات وصياغة إجراءاتها الداخلية (Government of the Sudan and SPLM/A, 2004a). ومن وظائف هذه اللجان: التحكيم في دعاوى الأرض بصورة تقديرية أي وفق تقدير اللجنة لا وفق ولاية قضائية إجبارية، وتقديم توصيات بشأن إصلاح قانون الأراضي بما يشمل الاعتراف بالحقوق العرفية إذ نصّ أحد بنود المسرد على «الاعتراف بالحقوق والقانون العرفي للأراضي»، وتسجيل ممارسات استخدام الأرض الحالية والتاريخية، وتقييم التعويضات عند النزاع. وتطبق لجنة جنوب السودان القانون المحلي في موقع الأرض أو ما يتفق عليه الأطراف بما في ذلك مبادئ الإنصاف، وتتعاون مع اللجنة القومية وتنسق معها في استخدام الموارد البشرية والمادية وتبادل البيانات. وفي حال تعارض التوصيات بين اللجنتين ولم يحصل اتفاق، وجب أن تتوافق اللجنتان على صيغة مشتركة (Government of the Sudan and SPLM/A, 2004a). غير أن تطبيق هذه اللجان جاء دون المأمول بفارق كبير. فقد وثّقت مراجعة المعهد الإنمائي فيما وراء البحار عام 2009 أن اللجنة القومية ولجان الولايات لم تكن قادرة على مواجهة موجة عودة نحو 1.3 مليون نازح إلى جنوب كردفان والنيل الأزرق وأجزاء من الجنوب، وأن نزاعات أرضية حادة في مناطق العودة لم تتوفر لها آلية فضّ فعلية (Pantuliano, 2009). وعلى مستوى القانون رُسّخت اللجان في الدستور الانتقالي لعام 2005، وأنشأت حكومة جنوب السودان لجنة أراضيها بموجب قانون الأراضي الصادر عام 2009 الذي عرّف «المحتل غير المشروع» وأقرّ في مادته الثانية والخمسين اختصاصات اللجنة وفق الدستور الانتقالي الجنوبي (Government of Southern Sudan, 2009). إلا أن هذه اللجنة اصطدمت بمشكلات حادة في جوبا والمناطق الحضرية حيث ضعف التوثيق وتشابكت الحيازات وتأخّر التسجيل الرسمي.

ريع النفط دون عدالة الحيازة: ابتكر بروتوكول اقتسام الثروة معادلة توزيع ريعي غير مسبوقة في تاريخ الاتفاقيات السودانية: خمسون بالمئة من صافي إيراد النفط المستخرج من آبار جنوب السودان لحكومة الجنوب، واثنان بالمئة للولاية المنتجة، وثمانية وأربعون بالمئة للحكومة القومية (Government of the Sudan and SPLM/A, 2005). وهذا يمثل تحولاً جذرياً في التحديد العددي للحصص بدلاً من الالتزامات العامة التي سادت الاتفاقيات السابقة. غير أن عدالة الريع اقترنت بإغفال واضح لحقوق سكان مناطق الإنتاج في الأرض ذاتها: فقانون 1970 بقي ساري المفعول، وأرض حقول النفط ظلت ملكاً للدولة قانوناً دون مساس، والمجتمعات التي يمر فوقها أنبوب النفط ويقوم حولها الحقل والمعمل لم تُمنح حقوقاً أرضية مستقلة تتجاوز حصة اثنين بالمئة الضئيلة للولاية المنتجة (Pantuliano, 2009؛ CCDP Working Paper 1, 2010). وقد أفضى هذا الخلل الهيكلي إلى مظالم متراكمة في المناطق الإنتاجية بأبيي وهجليج وحقلَي الوحدة وتالي رغم الأرقام الكبيرة للريع. ويُقدّر بعض الباحثين أن الإيرادات النفطية التي بلغت نحو ستة مليارات دولار في ذروتها بين عامَي 2007 و2010 لم تُحدث التحوّل التنموي المأمول في جنوب السودان جزئياً لأن حقوق الأرض لم تُؤمَّن بصورة موازية، مما أضعف قدرة الحكومة الجنوبية على إقناع مجتمعاتها بجدوى التنمية النفطية على حساب أراضيها (CCDP Working Paper 1, 2010).

بروتوكول أبيي والمنطقتان: الخصوصية الجغرافية لأزمات الحدود الأرضية: يُمثّل بروتوكول أبيي الموقَّع في السادس والعشرين من مايو 2004 أول نص سلام سوداني يتناول مشكلة حدودية-أرضية بهذا القدر من التفصيل التاريخي. فقد عرّف المنطقة بأنها «مشايخ دينكا نقوك التسع التي حُوّلت إلى كردفان في 1905» (Government of the Sudan and SPLM/A, 2004b)، وأنشأ لجنة حدود أبيي تتضمن خمسة خبراء دوليين اختارهم الطرفان بالتراضي للتحقيق التاريخي والجغرافي وتحديد الحدود. وقد انتهت اللجنة في يوليو 2005 إلى خريطة بعينها، اختلف عليها الطرفان، وانتهى الخلاف إلى قرار هيئة التحكيم الدائمة في لاهاي الصادر في الثاني والعشرين من يوليو 2009، الذي أعاد رسم الحدود وأخرج منطقة هجليج الغنية بالنفط من المنطقة المتنازع عليها، وهو قرار أثار موجة سخط جنوبية لأنه حرم الجنوب من إيرادات كبيرة (Permanent Court of Arbitration, 2009). وحافظ البروتوكول صراحةً على حقوق الرعي والتنقل التقليدية لبادية المسيرية وسائر الرعاة في أبيي وما يحيط بها، وهو من أوائل النصوص السودانية التي ربطت الحقوق الأرض بحرية حركة الرعاة وفق قواعد مدوَّنة. أما المنطقتان فارتبطت أزمتهما حول الأراضي بثلاثة محاور متشابكة: التوسع الزراعي الآلي الذي بلغت مساحاته في منطقة النيل الأزرق وحدها نحو ستمئة ألف هكتار بعقود حكومية أُبرمت دون تشاور مع المجتمعات المحلية خلال الحقبة 1970-2000 (Pantuliano, 2009)، والتمييز في الخدمات الذي فاقم فقر المجتمعات الريفية وقلّص موارد معيشتها، والإقصاء السياسي للقيادات التقليدية من دوائر صنع القرار المتعلق بالأرض. وقد اختارت بروتوكولات المنطقتين آلية «المشورة الشعبية» إجراءً سياسياً لا حكماً قانونياً، مما جعل مسألة الأرض تبقى معلّقة دون حسم تشريعي إلى ما بعد الاتفاقية.

  1. دارفور (1): إعلان مبادئ أبوجا 2005 واتفاقية أبوجا 2006 — الحواكير تُدرج في التفاوض وسط خلافاتها التاريخية

أقرّ إعلان المبادئ الموقَّع في أبوجا في الخامس من يوليو 2005 بين الحكومة السودانية وحركتَي تحرير السودان والعدالة والمساواة أن «جذور النزاع في دارفور سياسية واقتصادية وأن معالجة تدهور البيئة وإدارة الموارد المائية واستخدام الأرض ضرورة لتحقيق تنمية مستدامة»، وأن «حقوق ملكية القبائل للأرض (الحواكير) وسائر الحقوق التاريخية تُؤكَّد ضمن حدودها التاريخية» (“Tribal Land ownership rights (hawakeer) and other historical rights shall be affirmed within their historical borders”) (Government of the Sudan et al., 2005). وتلك الصياغة هي المادة الأولى في تاريخ التفاوض السوداني التي تُدرج مصطلح «الحواكير» صراحةً في وثيقة سلام. غير أن ربط الحقوق بـ«الحدود التاريخية» دون تعريف تلك الحدود أو تحديد الجهة المنوطة برسمها أو الجهة التي تُرجَّح روايتها في حالات التنازع، فتح باباً واسعاً للتأويل المتناقض. ومن يملك وثيقة قد لا تتطابق مع الحيازة الفعلية؟ ومن يقرر الأصالة التاريخية لحدود لم تُرسَم إلا بصورة تقريبية في أوراق عهد السلطنة أو في السجلات الاستعمارية التي أُنتجت لأغراض إدارية لا قانونية؟ هذه الأسئلة الجوهرية ظلت بلا إجابة وانتقلت إلى الاتفاقية التالية. ثم جاءت اتفاقية سلام دارفور الموقَّعة في الخامس من مايو 2006 في أبوجا، بين الحكومة وجناح مناوي وحده، لتُقدّم أغنى نص أرضي رسمي في تاريخ الاتفاقيات السودانية حتى صدور جوبا 2020، وذلك في فصل اقتسام الثروة وفصل الترتيبات الأمنية ووثيقة الحقوق المرفقة.

وتضمنت وثيقة الحقوق أن «لكل شخص الحق في اكتساب الملكية أو امتلاكها كما ينظمها القانون، ولا يجوز نزع ملكية الخاصة إلا بقانون لأغراض المصلحة العامة مع تعويض عادل وفوري، ولا تُصادر أي ملكية خاصة إلا بأمر من محكمة قضائية» (Government of Sudan et al., 2006؛ de Waal, 2008). وتنص المادة 158 من فصل اقتسام الثروة على أن «حقوق ملكية القبائل للأرض (الحواكير) والحقوق التاريخية في الأرض ومسارات الماشية التقليدية والوصول إلى المياه تُعترَف بها وتُحمى، وتبادر جميع مستويات الحكم إلى عملية تطوير تدريجي وتعديل للقوانين ذات الصلة لتستوعب القوانين والممارسات العرفية والاتجاهات والممارسات الدولية وتحمي التراث الثقافي» (“Tribal land ownership rights (hawakeer), historical rights to land, traditional or customary livestock routes, and access to water, shall be recognised and protected. All levels of government shall institute a process to progressively develop and amend the relevant laws to incorporate customary laws, practices, international trends and practices and protect cultural heritage”) (de Waal, 2008). والمادة 159 تستكمل هذا بأن «كل النازحين وغيرهم ممن حُرموا بصورة تعسفية أو غير قانونية من حقوقهم في الأرض تُستعاد تلك الحقوق، ولا يُجرَّد أي شخص أو مجموعة من أي حق تقليدي أو تاريخي في الأرض أو الوصول إلى المياه دون تشاور وتعويض بشروط عادلة» (“All displaced persons and other persons arbitrarily or unlawfully deprived of rights to land shall have those rights restored to them. No person or group of persons shall be deprived of any traditional or historical right in respect of land or access to water without consultation and compensation on just terms”) (de Waal, 2008). فضلاً عن ذلك تُقرّ المادة 110 بأن «للحواكير مكانة قانونية وأولوية على غيرها من المطالبات بالأرض» (de Waal, 2008). وأسست الاتفاقية لجنة أراضي دارفور لتتولى الإشراف على مسائل الحيازة كافة، بوظائف التحكيم في نزاعات الأرض، وإنشاء سجلات الاستخدام الحالي والتاريخي، وتطبيق قوانين الأراضي وإصلاحها، والتوصية بتخطيط الاستخدام مع صون حقوق الأرض العرفية للنساء (de Waal, 2008). وتضمنت الاتفاقية كذلك صندوقاً لإعمار دارفور برأسمال أولي ثلاثمئة مليون دولار أمريكي فور التوقيع، ثم مئتَي مليون دولار سنوياً للعامَين 2007 و2008 (Conciliation Resources, n.d.).

غير أن آلكس دي وال، الذي شهد عن قرب مسار التفاوض في أبوجا، يكشف عن ما سماه «اتفاقاً زائفاً» تتحول فيه صياغة الإجماع النصي إلى مصدر للنزاع لا الحل، ويُعدد أربعة أسباب لذلك (de Waal, 2008): الأول أن الجماعات العربية في دارفور، وهي التي لها مصلحة حقيقية في إعادة النظر في نظام الحواكير لأن بعضها استقر في مناطق خارج دارها التاريخي، غابت عن مفاوضات الأرض كلياً. والجانب الحكومي الذي يُفترض أنه يمثل مصالحها فشل عملياً في تمثيلها في بنود الأرض، إذ كان المفاوضون الحكوميون يُعاملون بقية دارفور بوصفهم حلفاء لكن في الوقت نفسه يُنظرون إليهم بنظرة دونية. والسبب الثاني أن المفاوضين خلطوا تاريخياً بين «الحاكورة» التي هي منحة سلطانية لفرد وتنتقل بالميراث، وبين «الدار» التي هي وحدة إدارية قبلية أسسها الاستعمار البريطاني مستنداً إلى خطاب التقاليد. والسبب الثالث أن الرعي ومسارات الماشية وردت في الأساس في فصل الترتيبات الأمنية لا في فصل الثروة، لأن الضباط العسكريين في الوفود كانوا يهتمون بأمن المسارات عملياً أكثر من اهتمام المفاوضين الاقتصاديين بالبُعد المعيشي للرعي. والسبب الرابع أن الجانب الحكومي لم يكن مستعداً للتطبيق الحرفي. والدرس الذي تُقدمه هذه التجربة بوضوح هو أن الإجماع بين المفاوضين الحاضرين لا يعني بالضرورة أن النص عادل أو قابل للتطبيق، إذ قد يكون إجماعاً تكتيكياً بين أطراف أهملت الجماعات الأكثر تأثراً. بيد أن دي وال يرى أن المادة 158 فتحت نافذة حقيقية حين نصّت على عملية تشريعية تدريجية تُشرك المجتمعات في تطوير قوانين الأرض، وهي فكرة انتقلت إلى الاتفاقيات اللاحقة وأُضيف إليها محتوى مؤسسي (de Waal, 2008).

  1. الشرق والدوحة: تكرار صيغة الاعتراف في ظل فجوات التمثيل والتنفيذ (2006-2011)

وُقِّعت اتفاقية أسمرا في الرابع عشر من أكتوبر 2006 بعد مفاوضات بدأت في يونيو 2006 برعاية الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بين الحكومة السودانية والجبهة الشرقية التي يقودها مؤتمر البجا والأسود الحرة. وتُشير قاعدة اتفاقيات السلام (Bell and Badanjak, 2019) إلى أن الفصل الثاني يتناول الاقتصاد والقضايا الاجتماعية والثقافية بما يشمل «استخدام الأرض وملكيتها»، وتضمنت الاتفاقية مبدأ اقتسام الثروة والإدارة المشتركة للموارد الطبيعية، وصندوقاً للإعمار والتنمية في شرق السودان، وخطة إعادة إعمار لتحديد أولويات الخدمات والبنية التحتية (Conciliation Resources, n.d.؛ USIP, 2007). غير أن مشكلة الأراضي الرئيسية في شرق السودان تختلف عن دارفور والجنوب اختلافاً نوعياً: فهي تتصل بالتفاوت في استخدام أراضي الري والزراعة المطرية، وبحرمان مجتمعات البجا وسائر سكان الشرق من العوائد الاقتصادية للبنية التحتية والموانئ التي تمر عبر أراضيهم، وبإقصاء قيادات الشرق من دوائر صنع القرار المتعلق بالأرض والموارد (Young, 2007). وقد أشار مشاركون في ورشة تقييم تنفيذ الاتفاقية عام 2008 برعاية معهد السلام الأمريكي إلى أن أحكام اقتسام الثروة لم تصل إلى مستوى الحكم المحلي، مما أبقى الموارد مركزيةً في الخرطوم دون أن تتدفق إلى المجتمعات الشرقية (USIP, 2007). وصرّح رئيس مؤتمر البجا موسى محمد أحمد في مرحلة لاحقة بأن نحو ثلاثمئة وثمانين مليون دولار مخصصة لصندوق إعمار الشرق لم تُدفع بعد (Dabanga, n.d.). وهذا نمط مألوف: مخصصات مالية تُحدَّد على الورق ولا تُنفَّذ على أرض الواقع. وفي حدود ما أتاحه التحقق، لم أستطع الجزم بوجود أحكام مفصلة عن الحيازة العرفية أو حقوق البجا في الأراضي التقليدية في النص الكامل للاتفاقية، مما يجعل هذا ملفاً مفتوحاً يستدعي مزيداً من البحث في الوثائق الأصلية.

ثم جاءت وثيقة الدوحة للسلام في دارفور التي اعتُمدت في مؤتمر أصحاب المصلحة في مايو 2011، ووقّعت الحكومة السودانية وحركة التحرير والعدالة بروتوكول اعتمادها في الرابع عشر من يوليو 2011 (Government of Sudan and LJM, 2011). وتعرّف الوثيقة «الحواكير» بأنها «حقوق ملكية القبائل للأرض» (“Hawakeer means tribal land ownership rights”) (Government of Sudan and LJM, 2011). وتتناول قضايا الأرض في سياق متعدد المستويات يوازي نص أبوجا ويُطوّره في نواحٍ جوهرية عدة. فمن حيث الاعتراف بالحقوق تُقرّ الوثيقة بأن «الاعتراف بالحقوق التقليدية والعرفية بما فيها الحواكير ومصادر الرزق في دارفور أمر بالغ الأهمية»، وتشترط إنشاء آلية لضمان تشاور جميع المواطنين المتأثرين بتنمية الأرض أو استغلال الموارد الطبيعية. ومن حيث إصلاح القانون تقرّ الوثيقة بأن «أهالي دارفور لم يستفيدوا من قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لعام 1925» وتعطي الأولوية لتعديل القوانين لإدراج حقوق الأرض (الحواكير) وأسلوب استخدامها وفق الأعراف والتقاليد والموروث المتعلق بالحيازة في دارفور. وتُؤكد كذلك أن «تنظيم ملكية الأرض واستخدامها وممارسة الحقوق المتعلقة بها اختصاصات متزامنة» تُمارَس على المستوى الحكومي المناسب، وتُعيد النص على حماية الحقوق القبلية التقليدية (الحواكير) والحقوق التاريخية في الأرض ومسارات الماشية العرفية والوصول إلى مصادر المياه (Government of Sudan and LJM, 2011). ومن أبرز إضافات الدوحة على أبوجا: تكليف «لجنة أراضي دارفور» ببناء «قاعدة بيانات وخرائط استخدام الأراضي في ولايات دارفور» ورفعها للمجالس التشريعية للولايات ثم إلى السلطة الإقليمية لاعتمادها رسمياً (Government of Sudan and LJM, 2011). وبحسب التقييم الميداني لموئل الأمم المتحدة فقد تأسست لجنة أراضي دارفور في يوليو 2011 وعملت على مشاريع لتسجيل الأراضي في بعض قرى العودة وإصدار شهادات حيازة عرفية في خمسين قرية، وإن ظلت التغطية الجغرافية محدودة جداً (UN-Habitat, 2020). والنقد السياسي الجوهري أن الوثيقة وقّعتها حركة واحدة ضعيفة التمثيل الميداني، ولم تنضم إليها الحركتان الكبريان تحرير السودان بجناحَيه والعدالة والمساواة، مما أبقى أوسع شرائح المتضررين الفعليين خارج دائرة الالتزام بأحكام التعويض والاسترداد (ICG, 2011؛ United Nations in Sudan, 2021).

  1. جوبا 2020: أكمل وثيقة أرضية في تاريخ التفاوض السوداني وعواصف التنفيذ الغائب

وُقِّعت اتفاقية جوبا للسلام بين الحكومة الانتقالية السودانية وأطراف العملية السلمية في الثالث من أكتوبر 2020 في جوبا عاصمة دولة جنوب السودان الراعية للمفاوضات، بعد مسار تفاوضي بدأ بإعلان جوبا لبناء الثقة في الحادي عشر من سبتمبر 2019، ثم الإعلان السياسي في أكتوبر 2019 الذي أقرّ لجنةً لمعالجة نزاعات الأرض مع التركيز على أراضي السدود في الولاية الشمالية، ارتباطاً بالتهجير الذي خلّفه سد مروي لأكثر من خمسين ألف شخص في الفترة 2006-2009 (PeaceRep, 2026). وهي في حقيقتها ليست اتفاقية واحدة بل حزمة من ست اتفاقيات مترابطة تغطي مسارات: دارفور والمنطقتين والشرق والشمال والوسط، بالإضافة إلى عنوان قومي شامل وترتيبات أمنية نهائية (Transitional Government of Sudan et al., 2020). وقد جاءت بعد ثورة ديسمبر 2018 التي أسقطت نظام البشير في أبريل 2019، وفي ظل حكومة انتقالية يديرها المجلس السيادي المشترك بين المدنيين والعسكريين، وهو ما أضفى على الاتفاقية طابعاً إصلاحياً أوسع وإن كان هشاً.

بروتوكول الأرض والحواكير: النص الأكثر تفصيلاً في تاريخ التفاوض السوداني: يبدأ بروتوكول الأرض والحواكير، الفصل السابع من اتفاق دارفور، بالاعتراف «بالحقوق التقليدية في ملكية الأراضي القبلية المعروفة بالحواكير» (“Recognizing the traditional rights to the ownership of tribal lands (known as Hawakeer)”) وينص على أن التشريعات السودانية تُعدَّل إذا تعارضت مع نظام الحواكير في دارفور بما يُدرج حقوق الأرض واستخدامها وفق الأعراف والتقاليد وممارسات الحيازة الموروثة (Transitional Government of Sudan et al., 2020). ويُقرّ بأن جميع النازحين واللاجئين وغيرهم تُستعاد حقوقهم في الأراضي التي أُخذت منهم بصورة تعسفية أو غير مشروعة منذ عام 2002، وأن حق الاسترداد فردي وجماعي معاً، وللمجتمعات المحلية حق مستقل في المطالبة باسترداد الممتلكات الجماعية من قرى ومزارع وحواكير، ولا يمنع الادعاء الفردي الادعاءَ الجماعي أو العكس. وأن لأي فرد تقديم مطالباته إلى «لجنة أراضي وحواكير دارفور» خلال عشر سنوات من بدء عملها. وتتولى الجهة المختصة بالتعاون مع الإدارة الأهلية إخلاءَ من يقيمون بصورة غير مشروعة في أراضي الغير منذ 2002 بعد صدور قرار تأسيس اللجنة (PeaceRep, 2026؛ Transitional Government of Sudan et al., 2020). وأشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن اتفاقية جوبا تنص على إنشاء لجنة قومية للأراضي إلى جانب لجنة دارفور، بما يُكوّن منظومة مزدوجة المستوى للتحكيم الأرضي (United Nations in Sudan, 2021).

الفيدرالية غير المتماثلة وسلطة الأرض الإقليمية: يمنح فصل تقاسم السلطة إقليمَ دارفور اختصاصات حصرية تشمل «إدارة أراضي الإقليم وتخصيصها واستخدامها» (“To manage, allocate, and utilize lands of the Region”) إلى جانب سائر الاختصاصات الإقليمية. كما يُدرج ضمن الاختصاصات المتزامنة «تنظيم حيازة الأرض واستخدامها وممارسة الحقوق ذات الصلة» و«الموارد الطبيعية» و«المراعي والخدمات البيطرية ومكافحة أمراض الماشية» (Transitional Government of Sudan et al., 2020). وبينما كانت اتفاقيات سابقة تُجمل هذه الصلاحيات في عبارات فضفاضة، جاءت جوبا بآلية لفضّ التنازع بين القوانين الإقليمية والاتحادية تقرر أن القانون السائد هو الأكثر فعالية في معالجة موضوع النزاع، مع مراعاة: السيادة الوطنية واستقلالية الإقليم، والحاجة إلى معايير وطنية، ومبدأ التبعية، وصون حقوق الإنسان والحريات الأساسية (Transitional Government of Sudan et al., 2020). وهذا المعيار أشمل وأدق مما جاءت به أي اتفاقية سابقة. وتقرر الاتفاقية كذلك توزيع السلطة في إقليم دارفور: أربعون بالمئة لمكونات مسار دارفور وثلاثون بالمئة لمكونات الحكومة الانتقالية وعشرة بالمئة للحركات الأخرى الموقِّعة وعشرون بالمئة لأصحاب المصلحة.

تقاسم الثروة والأرض والتشاور المسبق: يُقرّ فصل تقاسم الثروة بأن «جميع الأراضي والموارد الطبيعية في الأقاليم والولايات موارد لخير جميع أهل السودان»، لكنه يستدرك بالتأكيد على أن «الشعب السوداني يملك الموارد على سطح الأرض وتحتها، ولأهالي الأقاليم التي تُوجد فيها الموارد حقوق خاصة يجب الوفاء بها». وتنص الاتفاقية على مبدأ «شراكة حقيقية للأقاليم مع الحكومة الاتحادية في إدارة الموارد في جميع مراحل التخصيص والترسية والتعاقد والإنتاج والتسويق»، وحق الإقليم في مراجعة عقود الموارد القائمة وتعديلها. والأبرز تشغيلاً هو النص على أنه «عند تخصيص الأراضي العامة في دارفور أو منح امتيازات لاستخراج الموارد الطبيعية، يجب التشاور مع سكان الأرض قبل استخدامها وتعويضهم تعويضاً كافياً» (“When allotting public lands in Darfur or granting utilization concessions for the extraction of natural resources, the inhabitants of the land shall be consulted before land utilization and they shall be adequately compensated”) (Transitional Government of Sudan et al., 2020). وهذه الصياغة تتقاطع مع مبدأ الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة المعترف به في المعايير الدولية للسكان الأصليين والمجتمعات المتضررة من المشاريع الاستخراجية (FAO, 2012). وتخصص الاتفاقية أربعين بالمئة من صافي إيرادات المعادن والنفط في دارفور للإقليم لمدة عشر سنوات، وثلاثة بالمئة لسكان مناطق استخراج الموارد، وتلتزم الحكومة بدفع سبعمئة وخمسين مليون دولار أمريكي سنوياً لعشر سنوات لصندوق دعم السلام والتنمية المستدامة في دارفور، مع تسديد مئة مليون دولار خلال شهر واحد من توقيع الاتفاقية (Transitional Government of Sudan et al., 2020).

التعويض والنازحون والرحّل: يُقرّ فصل التعويضات أن «للمجتمعات حقاً جماعياً في استرداد الممتلكات الجماعية أو التعويض عنها بما يشمل القرى والمزارع والحواكير»، وأن «للأفراد والمجتمعات الحق في التعويض عن الأضرار البيئية وتدهور الأراضي الناجم عن النزاع، بما فيها الأضرار البيئية الناتجة عن النزوح والإهمال» (Transitional Government of Sudan et al., 2020). وإضافة التعويض عن تدهور الأرض والبيئة بند جديد يُمثّل تقدماً نوعياً في أدبيات جبر الضرر السودانية. وتقبل الاتفاقية لإثبات الاستحقاق شهاداتِ القيادات التقليدية والشهود والمستندات، مما يُيسر الإثبات للعائدين الذين فقدوا وثائقهم خلال النزوح. كما يُقرّ فصل النازحين واللاجئين الحق في العودة الطوعية مع التعويض العادل عن الأراضي والممتلكات، وإصدار وثائق بما فيها سندات الملكية، وفتح مسارات الرعل وتأمينها. وخصصت اتفاقية جوبا لأول مرة فصلاً مستقلاً لتنمية قطاع الرحل والرعاة في دارفور، وتضمن الالتزام بمسارات آمنة لحركة الماشية وتطوير الزراعة المختلطة في شمال الإقليم لاستقرار الرعاة. وفي العنوان القومي تنص الاتفاقية على تشكيل «لجنة قومية للرعاة والرحل والمزارعين» خلال ثلاثة أشهر من التوقيع (Transitional Government of Sudan et al., 2020).

تقييم التنفيذ ومآلاته: رصدت تقارير الأمم المتحدة ما بعد توقيع الاتفاقية أن لجنتَي الأراضي القومية ودارفور لم تكونا قادرتين على أداء دورهما الفعلي بحلول مطلع عام 2021، بسبب غياب التمويل وضعف البنية المؤسسية وتأخر إصدار اللوائح المنظِّمة لعملهما (United Nations in Sudan, 2021). وقد رصد تقرير الأمم المتحدة ثلاثة مخاوف هيكلية رئيسية: أولها أن نموذج التسجيل الفردي الذي يهيمن على الممارسة الميدانية لا يتلاءم مع النظام العرفي القائم على حقوق غير حصرية ومتداخلة يمكن منحها لمستخدمين مختلفين. وثانيها أن حقوق الأرض الزراعية للنساء لا تحظى بحماية كافية في الإطار العرفي الدارفوري، مما يستدعي إجراءات تمييزية إيجابية خاصة لم تشترطها الاتفاقية. وثالثها أن فقرات «الاحتلال غير المشروع منذ 2002» قد تُفسَّر بصورة إثنية انتقائية تُحرّك العنف بدلاً من إطفائه (United Nations in Sudan, 2021). وأعلنت قوى مهمة كحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور ومجموعات من النازحين أنفسهم معارضتها للاتفاقية بوصفها ناقصة (UNSC, 2020). ثم جاء انقلاب أكتوبر 2021 ليُعطّل العملية الانتقالية برمتها، وأعاقت حرب أبريل 2023 كل أوجه التنفيذ وخلقت موجة نزوح جديدة تجاوزت ثمانية ملايين نازح داخلياً بحلول مطلع 2024 (IDMC, 2023).

  1. المقارنة الشاملة: أنماط التطور والتراجع عبر خمسة عقود ومحاور أربعة

يُمثّل تتبع التطور التاريخي لمعالجة الأرض في اتفاقيات السلام السودانية من 1972 حتى 2020 رحلةً من الصمت التام إلى الاعتراف المُفصَّل، لكنها رحلة شاقة تُخفي وراء مكاسبها النصية إخفاقات تنفيذية متكررة. ففي محور عدالة توزيع الثروة يُمكن رصد انتقال عبر خمسة أنماط متعاقبة: فاتفاقية الخرطوم 1997 اكتفت بالتزام عام بالأولوية للأقل نمواً دون أرقام ولا آليات. واتفاقية نيفاشا 2004 حققت تقدماً نوعياً في نسب اقتسام الريع النفطي (خمسون بالمئة للجنوب واثنان بالمئة للولاية المنتجة وثمانية وأربعون للمركز) لكنها أغفلت حقوق حيازة الأرض. وأبوجا 2006 أضافت صندوقاً إنمائياً بثلاثمئة مليون دولار مع الاعتراف بالحواكير. والدوحة 2011 واصلت النهج ذاته. وجوبا 2020 جمعت بين حصص من صافي إيرادات المعادن والنفط (أربعون بالمئة لعشر سنوات) وبين التشاور المسبق مع السكان، وهو ما يربط الثروة بالحق في الأرض لا بمجرد الحق في عوائدها (Transitional Government of Sudan et al., 2020). والضعف الهيكلي المشترك عبر كل هذه الأنماط هو اعتماد التنفيذ على تدفقات مالية متعثرة: فالثلاثمئة مليون دولار المخصصة لصندوق دارفور في أبوجا لم تُصرف بالكامل في مددها (Conciliation Resources, n.d.)، والثلاثمئة وثمانون مليون دولار لصندوق الشرق لم تُصرف (Dabanga, n.d.)، وسبعمئة وخمسون مليون دولار سنوياً لجوبا واجهت تعثراً قبل انقلاب 2021. وفي محور الحقوق الفيدرالية غير المتماثلة يُلاحَظ تصاعد واضح من «حكم ذاتي محدود» في 1972 إلى «مجلس تنسيقي خاضع للرئيس» في 1997 إلى «حكومة جنوب كامل الصلاحيات» في 2005 إلى «إقليم دارفور باختصاصات حصرية» في جوبا 2020. بيد أن هذا التمايز الفيدرالي مُنح للمناطق التي خاضت حروباً مسلحة، فخلق حافزاً لحمل السلاح من أجل انتزاع الصلاحيات، وبقيت مناطق سلمية بحقوق أقل تفصيلاً. وفي محور تنظيم الملكية والحيازة انتقلت الاتفاقيات من تجاهل تام عام 1972، إلى تحييد الملكية لصالح الاستخدام في نيفاشا، إلى الاعتراف بالحواكير مع وعد بإصلاح القوانين في أبوجا، إلى تقديم قاعدة بيانات الأراضي في الدوحة، إلى الاعتراف مع تعديل القوانين المتعارضة وإنشاء نظام استرداد في جوبا. غير أن قانون الأراضي غير المسجلة 1970 يبقى ساري المفعول ويهيمن التسجيل الفردي على الممارسة. وفي محور حقوق وواجبات استخدام الأرض تدرجت الاتفاقيات من إغفال تام للرعاة في 1972 و1997، إلى حماية مسارات الرعي في أبيي 2004، إلى إدراج مسارات الماشية في الأمن لا الثروة في أبوجا 2006، إلى فصل مستقل للرعاة في جوبا 2020 مع مسارات آمنة واستراتيجية زراعة مختلطة.

  1. النظريات والممارسات الدولية المبتكرة ودروسها للسودان

ثمة تجارب دولية في تصميم أحكام الأرض في اتفاقيات السلام تستحق دراسةً معمّقة. في موزمبيق أُدرج في قانون الأراضي لعام 1997 نظام «رخص حيازة الأرض» التي تُمنح لمجتمعات بأكملها دون تسجيل فردي، مما أتاح حماية فعلية للمجتمعات الريفية دون التمييز بين المالك القانوني والمستخدم التقليدي، وقد اعتُمد هذا النموذج مرجعاً في عدة دول أفريقية لاحقاً (Peters, 2004؛ FAO, 2012). وفي كولومبيا بعد اتفاق سلام 2016 مع مجموعة فارك، وُضعت لجنة أراضٍ متخصصة بأجندة إعادة توزيع ثلاثة ملايين هكتار من الأرض المهجورة، مع حماية صريحة لحقوق مجتمعات السكان الأصليين والمجتمعات الأفريقية في الإطار التشريعي للاتفاق. وأجرت منظمة الفاو تقييماً لهذا النموذج يُبيّن أن الجمع بين لجان الأراضي والقضاء التحكيمي المستقل والتوثيق الرقمي يُمثّل ممارسة ممتازة يمكن الاستلهام منها (FAO, 2012). وفي بروندي أوجد بروتوكول أروشا 2000 آليات حل نزاعات الأراضي بالقرب من المجتمعات المحلية بدلاً من مركزة الفصل في هيئات بعيدة، وهو نموذج يتوافق مع نظرية الحوكمة متعددة المراكز عند أوستروم (Ostrom, 1990). وتُنبّه الأطر الدولية المرجعية إلى ضرورة الاعتراف بطيف كامل من حقوق الحيازة يشمل الملكية والإيجار طويل الأمد والاستخدام التقليدي والحقوق الثانوية الموسمية، وفق ما تقرره المبادئ التوجيهية للفاو (FAO, 2012) والإطار الأفريقي للأراضي (African Union, 2010). وتُفيد المنهجية الجغرافية التشاركية في رسم الخرائط، المعروفة بالمشاركة الجغرافية في نظم المعلومات المكانية، في توثيق الحدود العرفية بمشاركة المجتمعات ذاتها، وهي أداة طوّرها مركز دراسات بورنيو الدولي وجرت تجربتها في عدة دول أفريقية (UN-Habitat, 2020). ويُقدم نموذج «المجال الاجتماعي للحيازة» الذي طورته موئل الأمم المتحدة أداةً لتسجيل الحقوق غير الرسمية جرت تجربتها في أوغندا ورواندا وإثيوبيا، وهي قابلة للتطبيق في السودان بعد توطينها (UN-Habitat, 2020).

وتُقدم مبادئ بينيرو الصادرة عام 2005 معياراً مرجعياً دولياً أساسياً لأحكام الاسترداد تنص على: الحق في استرداد الأرض مستقلاً عن قرار العودة أو التوطين في مكان آخر، وعدم جواز تنازل الدولة عن هذا الحق بالتقادم، ووجوب آليات بسيطة ومُيسَّرة لإثبات الاستحقاق بمستندات غير رسمية (United Nations, 2005). وجوبا جاءت أقرب نسبياً إلى هذه المبادئ من سابقاتها بقبولها شهادات القيادات التقليدية وبفتح المطالبة لمدة عشر سنوات. وتُحدد المبادئ التوجيهية للفاو (FAO, 2012) ثلاثة ركائز لأي إصلاح أرضي ناجح: الاعتراف بطيف كامل من حقوق الحيازة، ووجود آليات تشاور شفافة وشاملة قبل أي تحويل للأرض، ووجود قضاء أرضي مستقل وفعّال. ويضيف الإطار والمبادئ التوجيهية للاتحاد الأفريقي بشأن سياسة الأراضي (African Union, 2010) ضرورة معالجة حقوق المرأة في الأرض وحقوق الرعاة ومستخدمي الأراضي المتنقلين ومجتمعات السكان الأصليين معالجةً خاصة.

  1. خلاصة نقدية وآفاق: ما الذي تحقق وما الذي يجب أن يتغير؟

أمكن من خلال هذا البحث رصد مكاسب نصية حقيقية في مسيرة الاتفاقيات السودانية لمعالجة قضايا الأرض. فقد انتقلت هذه القضايا من الغياب التام في أديس أبابا 1972 إلى سبعة فصول مستقلة في مسار دارفور وحده بجوبا 2020. وطوّر مفهوم الاعتراف بالحقوق العرفية من ذكر أوليّ في إعلان المبادئ 2005 إلى حق استرداد فردي وجماعي مدعوم بنظام مؤسسي مزدوج المستوى في جوبا 2020. وأُدرج التعويض عن تدهور الأرض والبيئة بنداً جديداً متوافقاً مع تطور معايير جبر الضرر الدولية. وربطت جوبا حقوق الأرض بمبدأ التشاور المسبق مع السكان متوافقةً مع المعايير الدولية. واعتُرف بالرعاة بوصفهم فئة تنموية لا أمنية. وبُنيت منظومة مؤسسية من اللجان المتخصصة بدلاً من الإعلانات العامة. وهذه مكاسب حقيقية قياساً بالصمت في 1972.

وفي المقابل تتكرر سبع إشكالات بنيوية عبر هذا المسار كله: الاعتراف بلا تعريف للحواكير وحدودها وآلية إثباتها؛ وإقصاء الجماعات غير المفاوِضة من فوائد الاتفاقيات؛ والمؤسسات الورقية التي تُنشأ نصياً وتعجز عن العمل لنقص التمويل والإرادة السياسية؛ وضعف الإنفاذ لعدم تعديل القوانين المتعارضة كقانون 1970؛ والتجنب المتكرر للفصل في إشكاليات الملكية الجذرية؛ وإغفال الفئات الأضعف من نساء ورعاة ومستخدمين ثانويين؛ والتجزؤ الجغرافي بين مناطق ذات نصوص مفصلة وأخرى مُهمَلة (Pantuliano, 2009؛ de Waal, 2008؛ United Nations in Sudan, 2021).

وتستخلص الدراسة ستة مقترحات للتصميم المؤسسي المستقبلي: التفريق الواضح بين طبقات حقوق الأراضي وإدراج نظام ثلاثي يعترف بالملكية الثابتة والحيازة التقليدية وحقوق الاستخدام الثانوي المتنقل (Ribot and Peluso, 2003)؛ والحوكمة التشاركية المتعددة المستويات بإشراك المجتمعات ذاتها في وضع قواعد الأرض ومراقبتها وفق أطر أوستروم (Ostrom, 1990)؛ وضمان تمثيل الغائبين عن المفاوضات عبر مؤتمرات تشاور محلية مفتوحة قبل اعتماد القوانين؛ والتسلسل الزمني للتنفيذ بالبدء بالإجراءات العاجلة كتجميد التصرفات المشبوهة في أراضي مناطق النزوح، ثم الانتقال إلى الإصلاح التشريعي والمساحي الأطول أمداً؛ والتمويل المستقل للجان الأراضي بعيداً عن التمويل الحكومي الأحادي أو الصناديق الدولية غير الملزِمة؛ وإدراج مؤشرات أداء قابلة للقياس وجداول زمنية واضحة لاختبار عمل اللجان ونشر تقاريرها بصورة دورية شفافة.

وحرب أبريل 2023 أضافت طبقة جديدة من التعقيد: فقد تجاوز عدد النازحين داخلياً ثمانية ملايين بحلول مطلع 2024 (IDMC, 2023)، وعادت ظاهرة الاحتلال المسلح للأراضي التي نصّت جوبا على معالجتها لتتكرر على نطاق أوسع، وتتشكّل مظالم أرضية جديدة تعتمل فوق مظالم لم تُعالَج بعد. وأي اتفاقية سلام قادمة ستحمل ثقل إرث خمسة عقود من النصوص غير المُنفَّذة وتحديات حرب 2023 معاً. والخلاصة الكبرى هي أن مسيرة الاتفاقيات السودانية في معالجة الأرض مسيرة مكاسب نصية حقيقية متراكمة في داخل إخفاقات تنفيذية مزمنة، وأن أي تسوية مستقبلية ناجعة تحتاج إلى أن تجمع بين ثلاثة عناصر في آنٍ واحد: اعتراف تشريعي ملزِم بالحقوق العرفية في قانون وطني يعدّل قانون 1970 ويُلغي تعارضاته، ومؤسسات محلية ممولة ومستقلة وقادرة على العمل الفعلي قبل التوقيع على الاتفاقية لا بعدها، وتمثيل حقيقي للجماعات غير الممثَّلة تاريخياً في هندسة التفاوض ذاتها لا فقط في صياغة النصوص.

قائمة المراجع

  1. African Union. Framework and Guidelines on Land Policy in Africa. Addis Ababa: African Union, African Development Bank, Economic Commission for Africa; 2010.
  2. Alier A. Southern Sudan: Too Many Agreements Dishonoured. Exeter: Ithaca Press; 1990.
  3. Bell C. On the Law of Peace: Peace Agreements and the Lex Pacificatoria. Oxford: Oxford University Press; 2008.
  4. Bell C, Badanjak S. Introducing PA-X: a new peace agreement database and dataset. J Peace Res. 2019;56(3):452-66.
  5. Boone C. Property and Political Order in Africa: Land Rights and the Structure of Politics. Cambridge: Cambridge University Press; 2014.
  6. CCDP Working Paper 1. Economic Issues in Peace Processes: Wealth Sharing Beyond 2011. Geneva: Graduate Institute of International and Development Studies; 2010.
  7. Centre for the Study of Violence and Reconciliation (CSVR). Peace Agreements: Addis Ababa Agreement on the Problem of South Sudan 1972; Sudan Peace Agreement 1997 [Internet]. Johannesburg: CSVR; [date unknown] [cited 2026 Oct 2]. Available from: https://atjhub.csvr.org.za
  8. Conciliation Resources. Summary: Darfur Peace Agreement and Eastern Sudan Peace Agreement. Accord [Internet]. London: Conciliation Resources; [date unknown] [cited 2026 Oct 2]. Available from: https://c-r.org
  9. Dabanga. Beja head: some items of Eastern Sudan Peace Agreement not yet implemented [Internet]. Amsterdam: Dabanga; [date unknown] [cited 2026 Oct 2]. Available from: https://www.dabangasudan.org
  10. de Waal A. Land in the DPA: a false agreement? African Arguments [Internet]. 2008 Mar 7 [cited 2026 Oct 2]. Available from: https://africanarguments.org
  11. Duffield M. Sudan at the crossroads: from emergency preparedness to social security. Brighton: Institute of Development Studies; 1990.
  12. Flint J, de Waal A. Darfur: A New History of a Long War. Rev ed. London: Zed Books; 2008.
  13. Food and Agriculture Organization of the United Nations. Voluntary Guidelines on the Responsible Governance of Tenure of Land, Fisheries and Forests in the Context of National Food Security. Rome: FAO; 2012.
  14. Garang JM. John Garang Speaks. London: Kegan Paul International; 1987.
  15. Government of Southern Sudan. The Land Act, 2009. Juba: Government of Southern Sudan; 2009.
  16. Government of Sudan, Liberation and Justice Movement. Doha Document for Peace in Darfur. UN Doc S/2011/449. Doha; 2011.
  17. Government of the Sudan, Sudan People’s Liberation Movement/Army. Agreement on Wealth Sharing during the Pre-Interim and Interim Periods. Naivasha; 2004 Jan 7.
  18. Government of the Sudan, Sudan People’s Liberation Movement/Army. Protocol on the Resolution of the Abyei Conflict. Naivasha; 2004 May 26.
  19. Government of the Sudan, Sudan People’s Liberation Movement/Army. Comprehensive Peace Agreement between the Government of the Republic of the Sudan and the Sudan People’s Liberation Movement/Sudan People’s Liberation Army. Nairobi; 2005 Jan 9.
  20. Government of the Sudan, Sudan Liberation Movement/Army, Justice and Equality Movement. Declaration of Principles for the Resolution of the Sudanese Conflict in Darfur. Abuja; 2005 Jul 5.
  21. Government of Sudan, Sudan Liberation Movement/Army-Minni Minnawi. Darfur Peace Agreement. Abuja; 2006 May 5.
  22. Hutchinson SE. Nuer Dilemmas: Coping with Money, War, and the State. Berkeley: University of California Press; 2000.
  23. Internal Displacement Monitoring Centre (IDMC). Global Report on Internal Displacement 2023. Geneva: IDMC; 2023.
  24. International Crisis Group (ICG). Darfur’s New Security Reality. ICG Africa Report No 134. Nairobi/Brussels: ICG; 2011.
  25. Johnson DH. The Root Causes of Sudan’s Civil Wars: Peace or Truce. Updated ed. Woodbridge: James Currey; 2011.
  26. Kasfir N. Explaining ethnic political participation. World Polit. 1979;31(3):365-88.
  27. Lesch AM. The Sudan: Contested National Identities. Bloomington: Indiana University Press; 1998.
  28. Mamdani M. Saviors and Survivors: Darfur, Politics, and the War on Terror. New York: Pantheon Books; 2009.
  29. Ostrom E. Governing the Commons: The Evolution of Institutions for Collective Action. Cambridge: Cambridge University Press; 1990.
  30. Pantuliano S, editor. Uncharted Territory: Land, Conflict and Humanitarian Action. Rugby: Practical Action Publishing; 2009.
  31. PeaceRep. Peace Agreement Access Tool (PA-X) [Internet]. Edinburgh: University of Edinburgh; [cited 2026 Oct 2]. Available from: https://pax.peaceagreements.org
  32. Permanent Court of Arbitration. Final Award: Government of Sudan v Sudan People’s Liberation Movement/Army (Abyei Arbitration). The Hague: PCA; 2009 Jul 22.
  33. Peters PE. Inequality and social conflict over land in Africa. J Agrar Change. 2004;4(3):269-314.
  34. Reliefweb. Sudan Peace Agreement, Khartoum, April 1997 [Internet]. New York: OCHA; 1997 [cited 2026 Oct 2]. Available from: https://reliefweb.int
  35. Ribot JC, Peluso NL. A theory of access. Rural Sociol. 2003;68(2):153-81.
  36. Sharkey HJ. Living with Colonialism: Nationalism and Culture in the Anglo-Egyptian Sudan. Berkeley: University of California Press; 2003.
  37. Sidahmed AS, Sidahmed A. Sudan. London: RoutledgeCurzon; 2005.
  38. Stepan A. Federalism and democracy: beyond the U.S. model. J Democracy. 1999;10(4):19-34.
  39. Sudan Tribune. Sudan, SPLM-N Agar sign peace framework agreement [Internet]. 2020 [cited 2026 Oct 2]. Available from: https://sudantribune.com
  40. Transitional Government of Sudan, Parties to the Peace Process. Juba Agreement for Peace in Sudan: official English version. Juba; 2020 Oct 3.
  41. Tubiana J. Darfur: a war for land? In: de Waal A, editor. War in Darfur and the Search for Peace. Cambridge MA: Global Equity Initiative, Harvard University; 2007. p. 68-91.
  42. UN-Habitat. Darfur Land Administration Assessment: Analysis and Recommendations. Nairobi: UN-Habitat; 2020 [cited 2026 Oct 2]. Available from: https://new.unhabitat.org
  43. United Nations. Principles on Housing and Property Restitution for Refugees and Displaced Persons (Pinheiro Principles). UN Doc E/CN.4/Sub.2/2005/17. Geneva: United Nations; 2005.
  44. United Nations Environment Programme. Sudan: Post-Conflict Environmental Assessment. Nairobi: UNEP; 2007.
  45. United Nations in Sudan. Land Tenure: Thematic Brief 5, Peacebuilding Fund 2021. Khartoum: United Nations in Sudan; 2021 [cited 2026 Oct 2]. Available from: https://sudan.un.org
  46. United Nations Security Council. Special report of the Chairperson of the African Union Commission and the Secretary-General of the United Nations on Darfur. UN Doc S/2020/1115. New York: United Nations; 2020 Nov 13.
  47. USIP. Peacemaking and Peacebuilding in Eastern Sudan [Internet]. Washington DC: United States Institute of Peace; 2007 [cited 2026 Oct 2]. Available from: https://www.usip.org
  48. Young J. Eastern Sudan: Background to a Neglected Region. Geneva: Small Arms Survey; 2007.
  49. Young J. The Fate of Sudan: The Origins and Consequences of a Flawed Peace Process. London: Zed Books; 2012.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
تأثير اليهود في أمريكا والعالم .. والسودان ليس استثناء! منطق الأرقام والمال بعيداً عن الشعارات الجوفاء!! .. بقلم: أبوهريرة عبدالرحمن
منشورات غير مصنفة
حلايب مرة اخرى .. بقلم: حسن ابوزينب – الرياض
منبر الرأي
دولة 56 تلفظ أنفاسها الأخيرة
منبر الرأي
جائحة الكورونا والطقس: فرضيات لا تغير استراتيجيات منع الانتشار .. بقلم: د. عمرو محمد عباس محجوب
منبر الرأي
إرث علي محمود حسنين..! .. بقلم: مجاهد بشير

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الطفولة بين (الرصاص. العقارب. الفقر) .. بقلم: امل أحمد تبيدي

طارق الجزولي
منبر الرأي

نحو فهم صحيح للمقولات الصوفية .. بقلم: د. صبري محمد خليل

د. صبري محمد خليل
منبر الرأي

في ذكرى العميدة عزّة الريح العيدروس .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى

د. محمد بدوي مصطفى
منبر الرأي

بماذا تؤمن انت يا عبدالحي؟! .. بقلم: د. عمر القراي

د. عمر القراي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss