أرض الأحلام المنسية
مجتمعات جنوب السودان: من الغابة إلى دولة لا تزال في الغابة
د. الرشيد خليفة
لو سألتَ رجلاً في شارع الخرطوم قبل عام 2011 عن جنوب السودان، لأجابك بثقة الجاهل المطمئن: “أهل رمح وطبل”، وربما أضاف بعد تفكير عميق: “وزرافة”. أما لو سألته اليوم، بعد أن صار الجنوب دولة مستقلة يتقاتل فيها الناس على كل شيء ما عدا السلام، فسيجيبك بنفس الثقة: “شوف، ما قلنا ليكم!”. وهكذا يكون الإنسان السوداني الشمالي: صادقاً في جهله، وأصدق في شماتته.
غير أن الأمانة الفكرية تقتضي أن نقف وقفة جادة أمام هذه الأرض التي تمتد بين خطَّي عرض 3.5 و12 شمالاً، وتحتضن من التنوع الإثني واللغوي والبيئي ما يُربك أشد العقول نظاماً. جنوب السودان ليس “الجنوب” كما تخيله الشماليون: قطعة أرض جنوب مدينة كوستي يسكنها أناس يرفضون الإسلام ويحبون الأبقار وبها زراف وفيل. بل هو كون كامل، بيئات متعددة، ثقافات متشابكة، وتاريخ مكتوب على الجلد والرمح قبل أن تُخترع الورقة.
الأرض التي تُربك الجيولوجيين وتُحيّر المزارعين
البيئة والمناخ والتربة
يمتد جنوب السودان على مساحة تقارب 620,000 كيلومتر مربع، وهو ما يجعله أكبر من فرنسا بارتياح، وإن كانت فرنسا تعرف أين تضع قدمها. تتوزع البيئة على ثلاث مناطق متباينة تباين الليل والنهار: المنطقة السهلية (plains) الغربية والوسطى، وهي ذلك المستنقع الضخم المعروف بـ”السُّد، The Sudd ” الذي يمتص المياه ويُخرجها متفائلة في اتجاهات غير متوقعة. أغرب خصائصها أنها تبتلع كميات هائلة من مياه النيل: يدخل إليها نحو 33 مليار متر مكعب من الماء سنوياً ولا يخرج منها إلا نحو 16 مليار — أي أن نصف المياه تتبخر أو تتسرب. هذا جعلها موضع خلاف مائي تاريخي بين مصر والسودان وجنوب السودان. ثم المرتفعات الاستوائية جنوباً وجنوباً الشرقي، حيث تتجاوز قمم جبال إيماتونج 3000 متر وتنظر بازدراء إلى بقية البلاد. وأخيراً السهول شبه الجافة في الشمال والشمال الشرقي، التي تُمثّل منطقة انتقال مناخية كأنها لم تحسم أمرها بعد [1].
المناخ استوائي في الجنوب، وموسمي في الشمال، وكلاهما مُتطرّف بطريقته. موسم الأمطار يمتد من أبريل إلى أكتوبر، ويُنزل ما بين 900 و2000 ملم من الأمطار على المناطق الاستوائية، مما يحوّل الطرق إلى أنهار والأنهار إلى مستنقعات والمستنقعات إلى فكرة فلسفية عصيّة على الفهم. أما في موسم الجفاف، فتصبح الأرض قاسية كقلب محصّل ضرائب، وتنكمش الأنهار الصغيرة إلى خيوط مائية خجولة.
التربة الزراعية في جنوب السودان تتنوع بين التربة الطينية الثقيلة في منطقة السُّد وسهول النيل، وهي غنية بالمواد العضوية لكنها تَغرق كل موسم مطري، والتربة الحمراء اللاتيريتية (حديدية) في المناطق الاستوائية التي تُناسب المحاصيل الاستوائية كالذرة والكسافا والتبغ. ومن حسن الطالع أن هذه الأرض تملك من إمكانيات الزراعة ما يكفي لإطعام قارة، ومن حسن الشقاء أن أحداً لم يجد الوقت للزراعة منذ بدأت الحروب عام 1955 [2].
القبيلة هنا وهناك، أو فلسفتان في الانتماء
مفهوم القبيلة في جنوب السودان مقارنةً بمفهومها عند العرب
لو جلستَ مع مثقف جنوب سوداني وسألته: “ما قبيلتك؟” لأجابك بسرعة وفخر. ثم لو سألته: “وما رأيك في القبيلة المجاورة؟” لتغيّر الجو كلياً، وللاحظت أن الفخر لم يمُت بل تحوّل إلى شيء أكثر تعقيداً.
القبيلة في جنوب السودان بنية سياسية-اجتماعية قائمة على النسب الأبوي في معظم الأحيان، مع استثناءات في بعض مجموعات البانتو الجنوبية. لكن الفارق الجوهري عن مفهوم القبيلة العربي يكمن في طبيعة الزعامة: فزعيم القبيلة في جنوب السودان -سواء كان “بانيَ” عند الدينكا أو “رث” عند النوير- لا يملك سلطة مطلقة، بل هو في جوهره رجل احتفال وتوسّط، صاحب كاريزما روحية أكثر منه صاحب قوة تنفيذية. يمكنه إقناع الناس لكنه لا يستطيع إجبارهم، وهذا يجعل السياسة عنده مزيجاً من الخطابة والمفاوضة ومسابقات الماشية [3].
في المقابل، جاء العرب المهاجرون إلى السودان -من جعليين وشايقية وبقارة وغيرهم- بمفهوم قبلي مختلف في جوهر بنيته: الشيخ هنا رجل له صلاحيات فعلية، معززة بالتقاليد الإسلامية لشرعية الزعامة وبمبدأ العصبية الذي أرّخ له ابن خلدون قبل أن يصير كتباً مدرسية. القبيلة العربية في السودان أقرب إلى مؤسسة سياسية بالمعنى الحديث، بينما القبيلة الجنوبية أقرب إلى رابطة روحية-اقتصادية يرعى أفرادَها زعيمٌ يُحكّم قبل أن يأمر.
الفارق الآخر يتعلق بالعلاقة مع الأرض: القبيلة الجنوبية غالباً متنقلة أو شبه متنقلة، تتبع الماء والكلأ في دورة فصلية منتظمة، مما يجعل الحدود القبلية مفاوَضاً عليها بصورة مستمرة. أما القبيلة العربية السودانية، فقد استقرت أكثر وربطت نفسها بأراضٍ محددة وبشبكات تجارية تمتد نحو الشمال، مما جعلها أكثر احتياجاً لتعريف حدود واضحة.
الفسيفساء الكبرى، من هم هؤلاء الناس؟
قبائل جنوب السودان: الأسماء والأعداد والألوان
يضم جنوب السودان ما يتراوح بين 60 و80 مجموعة إثنية مميزة، حسب معيار التصنيف المستخدم وحسب درجة الصداقة مع المُحصِّين. تتوزع هذه المجموعات على ثلاث عائلات لغوية كبرى، وإن كان التداخل اللغوي يجعل التصنيف الصارم مغامرة أكاديمية [4]:
الدينكا (جينج): أكبر مجموعة إثنية، تُقدَّر بنحو 35-40% من إجمالي السكان. واسم جينج، بمعنى ناس أو بشر، هو الاسم الذي يطلقونه على أنفسهم واسم دينكا اسم يطلقه الآخر عليهم. لهم خمس فروع كبرى هي: دينكا بحر الغزال، دينكا أعالي النيل، دينكا بادوين/الشمالية (Padang Dinka)، دينكا أبيي (النقوك)، ودينكا بور/الجنوبية ومنها جاء د. جون قرنق. داخل كل مجموعة من هذه المجموعات الخمس توجد قبائل فرعية أصغر تُحصى بالعشرات، مما يجعل “الدينكا” ليسوا كتلة متجانسة، بل فيدرالية قبلية ضخمة تجمعها اللغة والثقافة والماشية!
تتوزع قبائل الدينكا على مساحات شاسعة من سهول بحر الغزال وأعالي النيل الأبيض، وتمتلك من الأبقار ما يجعل اقتصادها ثروة حيوانية بامتياز. لغتهم من فصيلة النيلو-صحراوية، وديانتهم مزيج من المعتقدات التقليدية مع تأثيرات مسيحية متزايدة بعد عمل المبشرين. المهر عندهم يُقاس بالأبقار -وكلما ارتفع عدد الأبقار ارتفع شأن العروس- وهو نظام يجعل كل زواج مفاوضة اقتصادية متكاملة.
النوير (Nuer)، اسمهم لأنفسهم: ناث / Naath
النوير شعب نيلي يتمركز في منطقة أعالي النيل الكبرى في جنوب السودان، ويعيش أيضاً في منطقة قامبيلا الإثيوبية. يُقدَّر عددهم بنحو 3 ملايين نسمة، وهم ثاني أكبر مجموعة إثنية في جنوب السودان اشتُهروا في الأدبيات الأنثروبولوجية بفضل الدراسة الكلاسيكية لإيفانز-بريتشارد الذي أمضى بينهم أشهراً يحاول فهم كيف يعيشون بلا سلطة مركزية ويُديرون شؤونهم بالتوافق والقوة. سبرت أغوارهم أعمال إيفانز-بريتشارد التي أصبحت مرجعاً أنثروبولوجياً عالمياً [3،5]. يتوزع النوير في فيدرالية من الأقسام والعشائر في ثلاث مناطق: الغربية (بنتيو)، والوسطى (بانقاك وأكوبو)، والشرقية (ناصر).
الفروع الكبرى الموثقة هي:
١- نوير بنتيو / البول (Bul Nuer)
ينقسمون إلى ثلاثة أقسام رئيسية: القاجوك والقاقوانق والقاجاك، وتمتد أراضيهم على طول نهر السوباط والبارو في أعالي النيل وتمتد شرقا نحو إثيوبيا.
٤- نوير غاوار (Gaawar Nuer)
يسكنون شرق نهر الزراف ويمتدون عبر المناطق الحرجية الكثيفة.
٥- نوير ثيانغ (Thiang Nuer)
في منطقة جونقلي الوسطى.
٦- نوير لاك (Lak Nuer)
يقعون جنوب وشرق الثيانغ في ولاية جونقلي.
علاقة النوير بالدينكا: يُعتقد أن النوير انفصلوا في مرحلة ما عن الدينكا، ثم في تطورهم اللاحق استوعبوا كثيراً من الدينكا في طريق هجرتهم. أي أن الحدود بين الشعبين ليست صلبة تاريخياً بقدر ما هي سياسية اليوم.
يُشكّل النوير سياسياً مجموعة من المجتمعات المستقلة التي تسودها الخلافات الداخلية، وتُسوَّى حالات القتل فيها بدفع الماشية عبر وساطة الكاهن. بمعنى أنهم ليس لديهم سلطة مركزية. وهذا بالضبط ما جعل إيفانز-بريتشارد يُمضي أشهراً في محاولة فهم كيف يعيش مجتمع بلا حكومة ولا يسقط في الفوضى!
الشلك (شولو، Chollo): ويسمون أنفسهم شولو
أما اسم شلك المشتق منها فقد أطلقة عليهم العرب. يسكنون على طول النيل الأبيض ومنطقة فاشودة التاريخية. يمتلكون نظاماً ملكياً أكثر مركزية من الدينكا والنوير، إذ يقودهم “الرث” الملك ذو الطابع الروحي-السياسي. اشتُهرت فاشودة بالأزمة الدبلوماسية الفرنسية-البريطانية عام 1898 التي أطرّها المستعمران بتفاصيل لا علاقة للشلك بها. مملكة الشولو تنقسم إلى قسمين سياسيين رئيسيين: الشمال (غار) والجنوب (لواك)، وتتوزع على 15 مقاطعة يحكم كل منها رئيس أعلى مسؤول أمام الرث مباشرةً. وأُمة الشولو تضم نحو 100 مجتمع وعشيرة مختلفة، من أبرزها: السكان الأصليون، والفاتحون اللو الذين يمثلون الطبقة السياسية والاجتماعية الأكثر نفوذاً، وعشيرة كوا-جولو، وعشيرة كوا-جووك، وعشيرة كوا-أبوقو.
فشودة هي مدينة كودوك الحالية، تقع في مقاطعة فشودة بولاية أعالي النيل في جنوب السودان، على الضفة الغربية للنيل الأبيض. وهي عاصمة مملكة الشلك التاريخية، ومقر تتويج ملوكها (الرث) منذ قرون. لماذا اشتهرت فشودة؟ في الفترة بين 10 يوليو و3 نوفمبر 1898، كانت فشودة مسرح أزمة دبلوماسية حادة بين بريطانيا وفرنسا: أرسلت فرنسا حملة بقيادة الكابتن مارشان للسيطرة على حوض النيل الأعلى وإقصاء بريطانيا من السودان، فالتقت بقوة بريطانية-مصرية تفوقها عدداً بعشرة أضعاف. وتحت الضغط الشديد انسحب الفرنسيون، مما رسّخ السيطرة الأنجلو-مصرية على المنطقة. وسبب أهميتها الاستراتيجية كالتالي:
إذا رسمت خطا من كيب تاون إلى القاهرة (حلم بريطانيا) وخطاً آخر من داكار إلى الصومال الفرنسي (حلم فرنسا)، فإن الخطين يتقاطعان تحديداً عند فشودة — مما يجعلها نقطة الحسم في صراع الإمبراطوريتين على أفريقيا. في عام 1904 أُعيدت تسمية فشودة رسمياً إلى كودوك. وهو اسم شلكي أصيل، كأن المدينة استردت اسمها بعد أن انتهت المهزلة الاستعمارية! 😄
الزاندي: في الجنوب الغربي، يمثلون مجموعة بانتوية ذات منظمة سياسية مركزية نسبياً وتاريخ من التوسع التدريجي. يُعدّون من أكثر المجموعات اتصالاً بأفريقيا الوسطى ثقافياً وتجارياً. وهم مجموعة إثنية تنتمي إلى عائلة اللغات السودانية المركزية، تسكن اليوم رقعة ممتدة عبر ثلاث دول: جنوب غرب جنوب السودان (وسط وغرب الإكواتوريا وغرب بحر الغزال)، وشمال شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وجنوب جمهورية أفريقيا الوسطى. ينفرد الزاندي عن جيرانهم النيليين كالدينكا والنوير بكونهم نتاج اندماج تاريخي بين أصلين: عشيرة أفونقارا الحاكمة الناطقة بالزاندي، وعشيرة بانديا الناطقة بالنقباندي، اللتين توسعتا معاً في القرن الثامن عشر والتاسع عشر عبر الفتح والاستيعاب، فابتلعتا عشرات المجموعات الأصغر من حولهما حتى صارت “الزاندي” هوية جامعة لا قبيلة واحدة بالمعنى الضيق. تميزوا تاريخياً بنظام سياسي مركزي نسبياً قائم على إمارات يحكمها أمراء من سلالة أفونقارا، بخلاف اللامركزية التي تطبع مجتمعات الدينكا والنوير. اقتصادياً اعتمدوا على الزراعة المستقرة -الذرة والكسافا والقطن- أكثر من اعتمادهم على الرعي، وعُرفوا بحرفية متقدمة في صناعة الحديد والنحت الخشبي. دينياً مزجوا بين معتقدات تقليدية معقدة تتمحور حول السحر والعرافة -وهو ما درسه الأنثروبولوجي البريطاني إيفانز-بريتشارد في عمل كلاسيكي آخر بعد دراسته للنوير- مع تحول جزئي لاحق نحو المسيحية بفعل البعثات التبشيرية.
البارية والمادي والأشولي والموروكطوك، وعشرات المجموعات الأصغر في الإكواتوريا (الإستوائية):
تتنوع هذه القبائل بين ناطقين بإحدى ثلاث عوائل من اللغات، المصنفة حسب تصنيف اللغويين للغات أفريقيا، وهي لغات نيلية وبنتو وسودانية مركزية. اللغات النيلية (Nilotic Languages) هي فرع داخل الفرع الأكبر السوداني الشرقي (Eastern Sudanic)، الذي هو بدوره الفرع الرئيسي في العائلة النيلو-صحراوية. وتمتد اللغات النيلو-صحراوية من مالي غرباً حتى إثيوبيا شرقاً، ومن أقصى جنوب مصر شمالاً حتى تنزانيا جنوباً. وتُتكلّم في: الجزائر، وبنين، وبوركينا فاسو، وأفريقيا الوسطى، وتشاد، والكونغو، وإريتريا، وإثيوبيا، وكينيا، ومالي، والنيجر، ونيجيريا، والسودان، وجنوب السودان، وتنزانيا، وأوغندا.
واللغات البانتو مجموعة تضم نحو 500 لغة تنتمي إلى الفرع البانتوئيدي من عائلة النيجر-كونغو، وتُتكلّم في رقعة شاسعة من أفريقيا تمتد من جنوب الكاميرون غربا حتى كينيا شرقاً، وجنوباً حتى أقصى طرف القارة. اللغات السودانية المركزية (Central Sudanic Languages) عائلة تضم نحو ستين لغة تُدرج ضمن الفيلوم النيلو-صحراوي المذكور، وتُتكلم في أفريقيا الوسطى تحديداً في: جمهورية أفريقيا الوسطى، وتشاد، والسودان، وجنوب السودان، وأوغندا، والكونغو الديمقراطية. وتشمل حتى لغات الأقزام كالإيفيه والأسوا في جمهورية الكونغو الديموقراطية (متوسط طول الرجل 4 قدم و8 بوصات والمرأة اقل). وتضم عائلة النيلو-صحراوية فرعاً كبيراً هو السوداني الشرقي، بالإضافة إلى عشرة فروع أصغر هي: السودانية المركزية، والمابانية، والكولياكية، والسونغاي، والفور، والصحراوية، والقوموز، والكومان، والبيرتا، والكوناما. وعموماً، في اللغويات فاليوم (Phylum وجمعها Phyla) يعني المجموعة اللغوية الكبرى التي تجمع عائلات لغوية متعددة تحت مظلة واحدة، أي هو المستوى الأعلى في التصنيف اللغوي. ويتسلسل التصنيف من الأكبر للأصغر كالاتي:
فيلوم (Phylum) ← عائلة (Family) ← فرع (Branch) ← مجموعة (Group) ← لغة (Language) ← لهجة (Dialect).
وتتميز اللغات النيلية بنظام نبري معقد (tonal) أي أن نفس الكلمة تعني أشياء مختلفة حسب نبرة النطق، مما يجعل تعلمها عذاباً منظماً للأجانب. وتتوزع هذة القبائل على غابات الجنوب ومرتفعاته بمزيج من الصيد والزراعة والرعي. اقتصادياً، يعتمد معظمها على الزراعة للكفاف أو المعيشة وتربية الحيوانات، مع بعض التبادل التجاري المحلي. عمرانياً، القرية الجنوبية التقليدية مجموعة من الأكواخ الدائرية بسقوف قشية مخروطية، متجمعة حول ساحة مركزية، وهي بنية عمرانية تحمي من المطر وتسمح بالتهوية بطريقة تجعل المهندس المعاصر يتوقف عن الإدعاء.
تركيبة المجتمع، كيف يُنظّم الفوضى أناسٌ حكماء
المجتمع في جنوب السودان ينظم نفسه عبر بنية متعددة المستويات: الأسرة النواة، ثم مجموعة الأقارب (الخيمة الممتدة)، ثم العشيرة، ثم القبيلة. لكن التنظيم السياسي التقليدي يختلف من مجموعة لأخرى اختلافاً جوهرياً. الدينكا والنوير يعتمدان نموذج “الفوضى المنظمة”: لا توجد سلطة مركزية قوية، لكن توجد آليات فض نزاع متطورة تقوم على الدية ومجالس الشيوخ والحكماء والمبارزة الشعرية أحياناً [5].
السن والجنس يلعبان دوراً محورياً: نظام “الفئات العمرية” (age-sets) منتشر في كثير من المجموعات، بحيث يتشارك أبناء الجيل الواحد هوية اجتماعية مشتركة وواجبات جماعية، وهو نظام يخلق تضامناً أفقياً يوازن التسلسل الرأسي القبلي. المرأة في هذه المجتمعات تقليدياً حارسة البيت والمزرعة والأطفال، بينما الرجل راعٍ ومحارب ومفاوض، غير أن النساء الكبيرات في السن غالباً ما يحتللن مكانة استشارية غير رسمية لكنها فعّالة في شؤون الأسرة والمجتمع.
العلاقات بين القبائل، الحرب كلغة دبلوماسية
علاقات القبائل في جنوب السودان تقليدياً تراوحت بين التحالف المؤقت والعداء المزمن والتجاور الحذر. الصراع بين الدينكا والنوير على مراعي موسم الجفاف كان سمة دائمة للحياة، وقد وثّقه إيفانز-بريتشارد بتفاصيل تجعل الإنسان يتعجب كيف بقي الطرفان على قيد الحياة. لكن هذه الصراعات كانت مُقنَّنة: لها قواعدها وحدودها وطرق إيقافها، وكثيراً ما انتهت بتبادل المواشي وإعادة رسم حدود المرعى [3].
الاستعمار البريطاني أضاف طبقة جديدة من التعقيد: فإدارة الحكومة البريطانية القبلية في جنوب السودان رسّخت الحدود القبلية وجعلتها ورقية-رسمية، مما أضاف صلابة مؤسسية لحدود كانت سائلة. وحين جاء الاستقلال والحروب، تحولت هذه الحدود الورقية إلى خطوط قتال بالرصاص لا بالعصي، وهو ما أثبت مرة أخرى أن الإدارة الاستعمارية أجادت في خلق المشكلات بصورة أكثر مهارة مما حلّت.
هل عرف الجنوبيون الوطن قبل أن يأتي المستعمر؟
بصراحة بالغة: لا. ليس بالمعنى الحديث للوطن كدولة ذات حدود وعلم ونشيد. لم تكن هناك “مملكة جنوب السودان” أو “إمبراطورية الكنج” أو أي كيان سياسي يضم هذا التنوع الهائل تحت سقف واحد. أقرب الكيانات السياسية إلى مفهوم الدولة المنظمة كانت مملكة الشلك (النيلية) التي امتدت على طول النيل الأبيض، ومملكة الزاندي في الجنوب الغربي، وكلتاهما لم تتجاوزا حدود قبيلتيهما الكبيرة [1].
المفهوم السياسي المشترك الذي جمع هذه الشعوب وُلد في رحم المعاناة المشتركة: أولاً مع تجارة الرقيق التي استهدفتهم جميعاً، ثم مع الاستعمار التركي-المصري والبريطاني الذي عاملهم -بتفاوت- كأطراف خاضعة. وربما الفضل الوحيد للعدو المشترك أنه يصنع هويات جديدة، وقد صنع عدو الجنوب هوية “الجنوبي” التي لم تكن موجودة قبل أن يأتي الشمال ليستعبدهم ويُسلمهم ويُحكمهم.
متى التقى الشمال بالجنوب؟ كيف بدأت الكارثة المجيدة
الاتصال بين شمال السودان وجنوبه يعود بجذوره إلى ما قبل التاريخ الموثق، عبر حركة الشعوب النيلية من الشمال نحو الجنوب. لكن الاتصال المنظَّم الموثق بدأ بجدية مع الغزو التركي-المصري عام 1820-1821 تحت قيادة إسماعيل باشا ابن محمد علي. جاء هذا الغزو لأغراض ثلاثة: الذهب، والعبيد، والأراضي الجديدة، بالترتيب نفسه.
الرحالة والتجار العرب والشماليون سبقوا الجيوش بعقود، خاصةً في مناطق شمال جبال النوبة والنيل الأزرق، لكن الاختراق الممنهج لقلب الجنوب كان وليد المشروع التوسعي التركي-المصري. حين وصلت الحملات إلى المناطق الاستوائية، وجدوا أناساً يرفضون بهدوء فكرة أن يكونوا رعايا لأحد، وكان هذا الرفض مُكلفاً لأصحابه [6].
الجنوب والعالم الخارجي، مغامرة المجهول
الاتصال بالعالم الخارجي جاء عبر بوابات متعددة: البوابة الأولى تجارية من جهة الشمال السوداني والمصري منذ القرن التاسع عشر. البوابة الثانية تبشيرية أوروبية، ولا سيما الكاثوليك من خلال بعثة أفريقيا الوسطى وجمعية الآباء البيض (Pères Blancs)، والبروتستانت (Anglican Church of England ) و (The Methodist Church) عبر بعثات إنجليزية وأمريكية بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر [7].
المبشرون -وبصرف النظر عن الأهداف اللاهوتية- أحدثوا تحولات عميقة: علموا القراءة والكتابة بلغات القبائل، وأوجدوا مدارس ابتدائية، ووثّقوا اللغات والعادات. وبقدر ما كان بعضهم حاملاً لرسالة ثقافية غازية، كان كثيرون منهم يتعلمون من المجتمعات التي جاؤوها أكثر مما علّموها. البوابة الثالثة كانت الاستكشاف الأوروبي: صامويل بيكر، ادوارد شنيتزر الألماني (أمين باشا)، رومولو جيسي الإيطالي وغوردون باشا حاكم الإقليم الاستوائي الذي استكشف النيل الأبيض بمساعدة جيسي…. وغيرهم ممن جابوا المنطقة في القرن التاسع عشر ورسموا خرائطها بيد واحتلوها باليد الأخرى
تجارة الرقيق، الصناعة التي شقّت الجنوب من الداخل
متى بدأت وماذا فعلت
تجارة الرقيق في جنوب السودان تحديداً تصاعدت بشكل دراماتيكي في الفترة بين 1850 و1880، مع توسع التجار الشماليين -وكثيرون منهم أصلاً من ولاية الخرطوم وشمال السودان- نحو حوض بحر الغزال ومناطق الاستوائية. الأسبقية التاريخية موجودة قبل ذلك، كما تطرقنا لهذا الموضوع بالتفصيل الذي يستحقه في مقالات سابقة، لكن الحجم الكارثي تحقق في هذه العقود [8].
على المجتمع، كانت التأثيرات مدمرة بصورة مركّبة: تفكيك الأسر بشكل مباشر حين يُسرق الأطفال والنساء. خلق اقتصاد قائم على الغارة بدلاً من الإنتاج، إذ صار بعض زعماء القبائل يبيعون أبناء قبائل أخرى للحصول على البضائع الأوروبية والأسلحة. إضعاف المجتمعات الصغيرة التي لا تملك قدرة دفاعية، مع تضخم المجتمعات القادرة على حماية نفسها والإغارة على غيرها. ومن المفارقات المرّة أن بعض القبائل استخدمت العلاقات مع التجار الشماليين سلاحاً ضد منافسيها الداخليين [8].
رد الفعل المجتمعي تنوّع: المقاومة المسلحة كانت خياراً صعباً بسبب التفاوت في التسليح. الهجرة إلى المناطق الأكثر أماناً والأقل وصولاً كانت استراتيجية شائعة. وفي حالات موثقة، قام الأهالي بحرق قراهم والتراجع إلى الغابات الكثيفة قبل وصول غارات الرقيق، مما يُثبت أن الناس حين يُهدَّدون يصبحون أكثر إبداعاً مما يتوقع المعتدي.
الزبير رحمة منصور، الرجل الذي جعل الجنوب يرتجف
يصعب الحديث عن تجارة الرقيق في جنوب السودان دون الوقوف عند شخصية الزبير رحمة منصور (1830-1913)، ذلك التاجر-الفاتح الشمالي الذي بنى إمبراطورية تجارية وعسكرية في بحر الغزال تضاهي في قوتها ومالها وجيشها دولة أوروبية صغيرة. جاء الزبير أول ما جاء تاجراً للعاج، ثم للرقيق، ثم اكتشف أن الأسهل أن تكون دولة بنفسك بدلاً من أن تدفع ضرائب لدولة أخرى [9].
المرحلة الأولى: البداية التجارية (1856)
غادر الزبير الخرطوم عام 1856 بجيش صغير وحمولة من البضائع — الخرز الملون والنحاس والأسلحة — متجهاً نحو بحر الغزال حيث أسس شبكة من الحصون التجارية المسماة الزرائب، وبدأ بالعاج أولاً ثم انزلق سريعاً إلى تجارة الرقيق حين وجد أن أرباح العاج وحده لا تكفي.
المرحلة الثانية: بناء الإمبراطورية (1856-1873)
أسس الزبير زريبته الرئيسية في ديم الزبير على مفترق طرق تجارية إقليمية، فصارت مركز تجميع وتوزيع لكل قوافل الرقيق والعاج الخارجة والداخلة.
في عام 1865 قتل جيشه من العبيد ملكاً محلياً يُدعى أدو شوكو واستولى على إقليمه، محوّلاً التاجر إلى ملك.
بحلول عام 1867 كان يُشحن ما لا يقل عن 1800 عبد سنوياً شمالا، ويُرجَّح أن ما يصل إلى 400,000 شخص استُعبدوا في جنوب السودان خلال أربعة عشر عاماً فقط.
المرحلة الثالثة: ذروة الرعب (1871-1873)
في عام 1871 وفي أوج سلطته، زار مقر الزبير في ديم الزبير المستكشف الأوروبي غيورغ شفاينفورت، ووصف بلاط التاجر بأنه “لا يقل بهاء عن بلاط الأمراء”، وشاهد أربع فئات من العبيد يُعاملون بوحشية لا يمكن وصفها: الرجال جنوداً، والأطفال حاملي أسلحة، والنساء سلعا تتداول من يد إلى يد.
صار ديم الزبير “عاصمة صناعة الرقيق وبورصتها” في تلك المنطقة كلها.
المرحلة الرابعة: التتويج والسقوط (1873-1876)
في عام 1873 اعترف الخديوي إسماعيل بسلطة الزبير الفعلية وعيّنه والياً على بحر الغزال، وبلغ عدد زرائبه ثلاثين زريبة تغطي مساحات شاسعة تمتد إلى أجزاء من تشاد وأفريقيا الوسطى اليوم.
عام 1874 فتح الزبير سلطنة دارفور بجيش من نحو 7000 مقاتل مسلح بالبنادق وهزم السلطان إبراهيم في معركة منواشي في أكتوبر، ودخل الفاشر في نوفمبر منهياً حكم أسرة الكيرا التي حكمت منذ القرن السابع عشر.
الأثر الدائم في الجنوب
في المناطق التي خضعت لسلطة الزبير، أسلم كثير من السكان وغيّروا أسماءهم إلى أسماء عربية هرباً من الاضطهاد — ولهذا السبب تحديداً تتمركز غالبية المسلمين في جنوب السودان اليوم في منطقة بحر الغزال.
منذ عام 1873 استطاع الزبير أن يقضي على سلطنة الزاندي (بقيادة عدة سلاطين محليين) ويبسط سيطرته على مساحات شاسعة من بحر الغزال. وحين اشتكت الحكومة التركية-المصرية من توسعه، ذهب إلى القاهرة عام 1876 ولم يعد، إذ احتجزه الخديوي بطريقة مهذبة لكن لا يمكن مقاومتها. خلّف وراءه ابنه سليمان الذي ثار على الحكم المصري ولكن أخمد ثورته غردون باشا بمساعدة المستكشف الإيطالي روميلو جيسي، الذي كان من أشد المناهضين لتجارة الرقيق في تلك المنطقة.
تأثير الزبير على المجتمع الجنوبي كان عميقاً ومُستدام الألم: خرّب البنى القبلية في مناطق نفوذه، أنتج جيلاً بأكمله نشأ في سياق العبودية أو المقاومة لها، وأوجد مناطق فراغ ديموغرافي في بعض المناطق التي أنهكها تجاره. ومفارقة التاريخ أن الزبير نفسه كان يعتبر نفسه مدنياً وحضارياً في مقابل “البرابرة” الجنوبيين، وهذا النوع من التناقض ليس حكراً على عصره بالطبع.
تبادل كرة التعليم بين البعثة التبشيرية والنسيان الحكومي
قبل الاستعمار، كان التعليم في جنوب السودان كان شفهياً ومجتمعياً: تُنقل المعرفة عبر الأجيال في شكل أساطير وأغان وطقوس وتدريب عملي. شيوخ القبائل والكهان (الزعماء الروحيون) كانوا حَمَلة المعرفة التقليدية، وتعليمهم لم يكن أقل قيمة بكثير مما جاء به المستعمر لاحقاً، وإن كان مختلفاً في المحتوى جذرياً.
المدارس الحديثة بدأت مع البعثات التبشيرية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين. الكاثوليك والبروتستانت أنشأوا مدارس في مناطق مختلفة، وعلّموا بلغات القبائل أحياناً وبالإنجليزية أحياناً أخرى. الحكومة البريطانية في عهد الحكم الثنائي تركت التعليم الجنوبي للمبشرين إلى حد كبير، تطبيقاً لسياسة “المناطق المغلقة” (Closed District Ordinance 1920) التي فصلت الجنوب عن الشمال وجعلته في فلك مؤثرات أفريقيا الاستوائية لا مؤثرات الشمال العربي-الإسلامي [7].
بعد استقلال السودان عام 1956، جاءت سياسات التعريب والأسلمة التي فرضها الشمال لتُخرّب ما بناه المبشرون دون أن تضع بديلاً فعّالاً. المعلمون الجنوبيون المؤهلون كانوا نادرين، والمناطق النائية تعاني من غياب شبه كامل للتعليم الرسمي. الحروب المتعاقبة (1955-1972 ثم 1983-2005) جعلت المدارس أهدافاً أو ملاجئ للنازحين لا مراكز للمعرفة، وأُغلقت مئات المدارس أو تعطلت لسنوات طويلة [10].
التنمية، سؤال الغائب المُتعمَّد
في عهد السودان الموحد (1956-2011)، كانت التنمية في الجنوب على درجة من الغياب لا يمكن وصفها بأنها إهمال فحسب، بل هي سياسة ممنهجة برزت من زمن التاريخ الاستعماري ثم استمرت في العهد الوطني. الخرطوم رأت في الجنوب مورداً (عاجاً، ثم بشراً، ثم نفطاً) لا شريكاً. الطرق المعبدة كانت شحيحة في حدود المهزلة، والكهرباء حلم لم يتحقق إلا في عواصم المقاطعات وبشكل متقطع، والخدمات الصحية تكاد لا تُذكر [10].
اكتشاف النفط في جنوب السودان في أواخر السبعينيات كان في منطقة يونيتي وهجليج. إسم يونيتي الذي يعني “الوحدة” بالغة العربية، لم يأتِ رمزاً للوحدة البترولية أو السياسية. الاسم أطلقته الشركة الأمريكية التي اكتشفت النفط هناك في أواخر السبعينات Chevron))، وكان من عادة شركات النفط الأمريكية تسمية حقولها بأسماء تحفيزية أوعشوائية، ثم لاحقاً صارت Unity اسم الولاية الإدارية بأكملها، وهي مفارقة ساخرة أن أكثر مناطق جنوب السودان نزاعاً مع الشمال تحمل اسم “الوحدة”! 😄
هذا الاكتشاف في منطقة يونيتي وهجليج، على الحدود بين البلدين، كان يمكن أن يحدث فارقاً لو وُجّهت عائداته للتنمية المتوازنة. لكن نمطاً مختلفاً جرى: عائدات النفط تدفقت نحو الخرطوم وتمويل المشاريع الشمالية بصورة مغايرة جذرياً. ولما جاءت اتفاقية السلام الشامل (Comprehensive Peace Agreement, CPA) عام 2005، نصّت على توزيع عائدات النفط 50-50 بين الشمال والجنوب، وهو ما طُبّق بتأخيرات ونزاعات مستمرة.
بعد استقلال يوليو 2011، ورث جنوب السودان دولة تُشبه في بنيتها التحتية قرية كبيرة أكثر مما تُشبه دولة حديثة: أقل من 200 كيلومتر من الطرق المعبدة في دولة تبلغ مساحتها أضعاف فرنسا. ثم انتكست الأمور أكثر حين انفجرت الحرب الأهلية عام 2013 بين قوات الرئيس سيلفا كير ونائبه السابق رياك مشار، فيما يمكن تسميته بحرب “الأخوة الأعداء” أو “خلط الديمقراطية بالدم” [11].
علاقات الشمال والجنوب عبر التاريخ، شراكة المتناقضين
العلاقة بين الشمال والجنوب تاريخياً كانت علاقة غير متكافئة من البداية: الشمال يُصدّر التجار والمبشرين وجباة الضرائب، والجنوب يُصدّر العاج والعبيد ولاحقاً النفط. بعد الاستقلال، استمر هذا النمط بأشكال جديدة: الخرطوم تفرض السياسات والقوانين، والجنوب يقاوم ويدفع الثمن.
تجارياً، اعتمد الجنوب على الشمال للحصول على السلع الأساسية والبضائع المستوردة، ومنافذه البحرية كانت عبر بورتسودان الشمالية. هذا الترابط البنيوي كان يُمكن أن يكون أساساً لشراكة مثمرة، لكنه في واقع التاريخ كان أداة للهيمنة. العلاقات السياسية المتوترة (1955-1972) ثم المدمرة (1983-2005) جعلت التبادل الاقتصادي محدوداً ومُسيَّساً.
بعد عام 2011، واجه البَلدان مشكلة وجودية: جنوب السودان يملك النفط، والشمال يملك الأنابيب وميناء التصدير. هذا الاعتماد المتبادل القسري أدى إلى أزمة عام 2012 حين أغلق الجنوب إنتاجه النفطي احتجاجاً على الرسوم التي فرضها الشمال، وهو قرار مؤلم ربما، لكنه كشف أن الانفصال الجغرافي لم يُنتج استقلالاً اقتصادياً حقيقياً [12].
ماذا استفاد الجنوب من استقلاله؟
هذا هو السؤال الذي تحرص الدبلوماسية على تجنبه، لكن الحقيقة لا تتحاشى الأسئلة المحرجة. الفوائد الرمزية والهوياتية حقيقية وعميقة: عَلم خاص، جواز سفر خاص، صوت في الأمم المتحدة، وانتهاء نظري للتهميش السياسي الممنهج. هذه مكاسب لا يُستهان بها لشعب عاش عقوداً من الإقصاء وأكثر من قرن من الاستغلال.
لكن على الصعيد العملي، المشهد أكثر قتامة: الحرب الأهلية بين 2013 و2018 أكلت ما بقي من الدولة. الاقتصاد شبه منهار بسبب الاعتماد الشبه كلي على النفط (يمثل أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية) دون تنويع. الفساد مُؤسَّس ومنظّم بكفاءة مؤسفة. اللاجئون يُقدَّرون بالملايين. ومعدلات الجوع والأمية والوفيات عند مستويات تجعل قوائم التصنيفات الدولية تضع جنوب السودان باستمرار في آخر أو شبه آخر القائمة [11].
يبقى أن الاستقلال أعطى الجنوبيين شيئاً لا يمكن قياسه بالأرقام الاقتصادية: الكرامة في صنع القرار، حتى حين كان القرار خاطئاً. وربما هذا وحده يستحق الحرب والعناء الطويل، وربما لا. هذا نقاش لم تحسمه الفلسفة بعد.
الثروات النائمة وإمكانيات المستقبل
جنوب السودان يملك رأسمال هائلاً لم يُستثمر بعد بصورة صحيحة. الثروات البشرية: سكان يُقدَّرون بنحو 11-12 مليون نسمة، غالبيتهم شباب، في أرض تحتاج إلى أيدٍ عاملة لا تشحّ. الثروة الحيوانية: قطعان الماشية الضخمة -وخاصة الدينكا يمتلكون ملايين الرؤوس- إمكانية تصدير ضخمة لم تنضج بعد. الثروة الزراعية: إمكانيات زراعية مؤهلة بتقديرات علمية قادرة على إطعام مئات الملايين لو استُخدمت التربة الخصبة والمياه الوافرة استخداماً حديثاً.
الثروة المائية: بحر الجبل ونهر السوباط وبحر الغزال مياه وفيرة في بلد يحيط به جفاف جزئي من الشمال، ومحطات توليد كهرومائية مُحتملة. الثروة المعدنية: خلاف النفط المعروف، تُشير الدراسات الجيولوجية إلى احتياطيات من الذهب وخامات أخرى لم تُستكشف بالقدر الكافي. كل هذا يجعل من جنوب السودان -نظرياً- دولة ثرية مُحتملة. لكن النظرية والواقع بينهما مسافة شاسعة تملؤها الحروب والفساد وضعف المؤسسات [13].
المستقبل القريب (5-10 سنوات): مشروط بتحقيق الاستقرار الأمني وتطبيق اتفاقية السلام المجددة. المستقبل المتوسط (10-30 سنة): يعتمد على نجاح التنويع الاقتصادي ومحاربة الفساد وبناء مؤسسات تعليمية وصحية فعلية. المستقبل البعيد: مشروط بالكفاءة في إدارة الموارد وإبداع نموذج حوكمة يناسب التعددية الإثنية الهائلة. كل ذلك مع الأيمان الواعي والصادق بمفهوم الوطنية والعمل به وحمايته.
التوحيد مرة أخرى؟ سؤال المستحيل المُربح
الجدوى الاقتصادية والسياسية لإعادة التوحيد
بعيداً عن الراحة النفسية (psychological ) لكل طرف في إثبات أنه كان مظلوماً، هل ثمة منطق اقتصادي وسياسي حقيقي لإعادة توحيد السودانين؟ الجواب النظري: نعم، هناك منطق وجيه. البلدان الشقيقان يتشاركان حوضاً نيلياً واحداً، وسوقاً مشتركاً محتملاً يضم نحو 60 مليون نسمة، وتكاملاً اقتصادياً طبيعياً: الشمال يملك البنية التحتية النسبية وميناء التصدير والخبرة الإدارية، والجنوب يملك النفط والأرض الخصبة والموارد المائية الوفيرة.
التجربة الأفريقية تُظهر أن الاتحادات الأفريقية الفيدرالية تحقق نتائج اقتصادية أفضل من الدول الصغيرة المنعزلة في المعدل العام. وإن وُجدت صيغة سياسية تضمن عدم تكرار تهميش الجنوب -كاتحاد فيدرالي فضفاض أو كونفيدرالية تحترم الخصوصية الإثنية والثقافية- فإن الحسابات الاقتصادية تُفضي إلى أن البلدين معاً أفضل من البلدين منفصلين [14].
هل يحدث ذلك؟ التاريخ كمزحة طويلة
وكأن التاريخ يقول للبلدين بعد كل هذا الدم والمعاناة: “تفضلوا، أنتم ما زلتم محتاجين لبعض!” لماذا؟ ببساطة، للأسباب المنطقية التالية:
* بلدان انفصلا بعد حروب مريرة ليكتشفا أنهما لا يستطيعان الاستغناء عن بعضهما اقتصادياً
* الجنوب يملك النفط والشمال يملك الأنبوب والميناء
* أي أن الطبيعة الجغرافية أبت أن تحترم قرار الانفصال السياسي
فها أنت تدفع ثمناً باهظاً لتصل إلى نقطة لم تبتعد فيها كثيراً عن نقطة البداية. 😄
إذا السؤال الواقعي، هل ثمة احتمالات واقعية لإعادة التوحيد في أي شكل؟ يُمليه العقل الاقتصادي: نعم. يُملي التاريخ والجراح: لا. يُملي الواقع السياسي الراهن: لا في المستقبل القريب على الإطلاق.
الموانع عميقة: الذاكرة الجمعية لجنوب السودان تحمل عقوداً من الاستعباد الفعلي الحرفي الجسدي وتلاه الاستعباد المجازي بالتهميش السياسي والإقصاء الثقافي. النخبة السياسية الجنوبية بنت شرعيتها كلها على سردية الاستقلال كانتصار تاريخي لا يُتراجع عنه. السودان الشمالي نفسه يعيش أزمة هويته ومؤسساته بعد سقوط البشير في 2019 وما أعقبه من انتقال عسير. التدخلات الإقليمية والدولية (إثيوبيا، أوغندا، كينيا، الإمارات، مصر) تجعل القرار ليس ثنائياً بحتاً [15].
ما قد يكون ممكناً على المدى المتوسط هو اتفاقيات تكامل اقتصادي انتقائية: اتفاقية جمركية، منطقة تجارة حرة مشتركة، تعاون في إدارة الموارد المائية، تسهيل حركة السكان. هذه خطوات تحقق بعض الفوائد العملية دون الحاجة إلى إحياء كيان سياسي يحمل الاسم المُرهَق “السودان الموحد”. وربما هذه هي الحكمة: بناء الجسور الاقتصادية قبل الأحلام السياسية، والاتفاق على مستقبل مشترك دون الخصام على ماضٍ لا أحد منتصر فيه.
أرض لم تنتهِ قصتها
جنوب السودان ليس فشلاً استثنائياً في تاريخ بناء الدول؛ إنه جزء من نمط أفريقي واسع يشمل دولة شمال السودان الحالية، حيث رسمت حدود الاستعمار الأوروبي خرائط لم تأخذ رأي ساكنيها فيها. لكنه أيضاً ليس قضية ميتة: بعض أكثر دول العالم ازدهاراً اليوم كانت في وضع مُقارَب من جنوب السودان قبل عقود. ما يفصل بين الدول التي نجحت والدول التي لا تزال تتعثر ليس الموارد الطبيعية -فجنوب السودان يملكها- بل الإرادة السياسية والمؤسسات الوطيدة والتعليم الذي يصنع مواطنين لا مجنّدين. في أوضاعنا الحالية في الجنوب والشمال وبدون دغمسة، هذا التحليل ينطبق على دولة شمال السودان بقدر ما ينطبق على دولة جنوب السودان.
التاريخ ليس دائما ََحكماً نهائياً؛ إنه محضر جلسة يمكن دائماً فتحه من جديد. والشعوب الجنوبية التي حافظت على هويتها عبر قرون من الغارات والاستعمار والحروب تملك من الصمود ما يجعل التفاؤل في مستقبلها ليس ساذجاً، بل متجذراً في حقيقة تاريخية.
المراجع
[1] Collins, Robert O. A History of Modern Sudan. Cambridge University Press, Cambridge, 2008.
[2] Deng, Francis Mading. War of Visions: Conflict of Identities in the Sudan. Brookings Institution Press, Washington D.C., 1995.
[3] Evans-Pritchard, E. E. The Nuer: A Description of the Modes of Livelihood and Political Institutions of a Nilotic People. Oxford University Press, Oxford, 1940.
[4] Ethnologue: Languages of South Sudan. SIL International, Dallas, 24th edition, 2021.
[5] Howell, P. P. A Manual of Nuer Law. Oxford University Press, London, 1954.
[6] Gray, Richard. A History of the Southern Sudan 1839–1889. Oxford University Press, London, 1961.
[7] Johnson, Douglas H. The Root Causes of Sudan’s Civil Wars. James Currey, Oxford, 2003.
[8] Lovejoy, Paul E. Transformations in Slavery: A History of Slavery in Africa. Cambridge University Press, Cambridge, 3rd edition, 2012.
[9] Hill, Richard. A Biographical Dictionary of the Sudan. F. Cass, London, 2nd edition, 1967.
[10] International Crisis Group. Sudan’s Comprehensive Peace Agreement: The Long Road Ahead. Africa Report No. 106, Nairobi/Brussels, 2006.
[11] de Waal, Alex. The Real Politics of the Horn of Africa: Money, War and the Business of Power. Polity Press, Cambridge, 2015.
[12] Young, John. The Fate of Sudan: The Origins and Consequences of a Flawed Peace Process. Zed Books, London, 2012.
[13] World Bank. South Sudan Economic Update: Transitioning from Stabilization to Sustained Growth. Washington D.C., 2023.
[14] Lokuji, Alfred Sebit. Making South Sudan: Politics, Economy and Society. Institute of African and Asian Studies, University of Khartoum, 2014.
[15] Rolandsen, Øystein H. and M. W. Daly. A History of South Sudan: From Slavery to Independence. Cambridge University Press, Cambridge, 2016.
rkhalifa747@gmail.com
