د. عبدالرحيم عبد الحليم محمد
ليست أصعب الكلمات في الترجمة هي الكلمات التي لا نجد لها مقابلات في المعجم، بل ربما كانت أشدها مراوغة تلك الكلمات التي نجد لها مقابلات بسهولة، ثم نكتشف أن المقابل الصحيح لغويًا قد يكون خاطئًا ثقافيًا وجماليًا. فالمترجم قد ينجح في نقل الاسم، ويخفق في نقل الصورة؛ وقد ينقل الصورة نفسها، لكنه يفقد الإحساس الذي كانت الصورة تستدعيه في قارئ النص الأصلي.
وتبدو هذه المشكلة أكثر وضوحًا في ترجمة الشعر؛ فالشعر لا يسكن الكلمات وحدها، وإنما يسكن أيضًا في الذاكرة الثقافية التي تحيط بالكلمات. وقد تكون صورة ما جميلة ومألوفة في ثقافة، ثم تفقد جانبًا كبيرًا من جمالها، أو تصبح غريبة، وربما مضحكة أو جارحة، حين تنتقل حرفيًا إلى ثقافة أخرى.
من هنا يمكن الحديث عن تحويل الشفرة الثقافية (Cultural Code-Shifting) بوصفه استراتيجية تتجاوز السؤال التقليدي:
What does this word mean?
ماذا تعني هذه الكلمة؟
إلى سؤال أكثر عمقًا:
What does this image do in its original culture?
ماذا تفعل هذه الصورة في ثقافتها الأصلية؟
ثم إلى السؤال الأصعب:
How can we make it do something comparable in the receiving culture?
كيف نجعلها تؤدي وظيفة قريبة من ذلك في ثقافة المتلقي؟
وهذا تمييز جوهري؛ فالترجمة الحرفية تنقل مكوّنات الصورة، أما تحويل الشفرة الثقافية فيحاول نقل وظيفتها وأثرها.
عندما تفقد المها جمالها
لعل «المها» من أوضح الأمثلة على هذه المعضلة. فقد استقر في المخيال الشعري العربي تشبيه عيون الحسناء بعيون المها. ولم يكن الشاعر العربي حين يستدعي المها محتاجًا في كل مرة إلى شرح وجه الشبه؛ لأن الصورة أصبحت جزءًا من القاموس الجمالي المشترك بين الشاعر والمتلقي.
فإذا قال:
لها عيون كعيون المها
فإن المتلقي العربي لا يتوقف بالضرورة عند الحيوان نفسه، وإنما يستدعي من خلاله سعة العين، وصفاءها، وشدة التباين بين سوادها وبياضها، وما ارتبط بذلك من فتنة وجمال.
لكن ماذا يحدث حين نقول للقارئ الإنجليزي:
Her eyes are like the eyes of an oryx.
لقد ترجمنا المها ترجمة معجمية صحيحة: oryx.
ولكن هل نقلنا الجمال؟
هنا تبدأ المشكلة.
قد يتوقف القارئ الإنجليزي عند صورة الحيوان قبل أن يصل إلى الجمال المقصود. والأسوأ أن المترجم يستطيع أن يكون أمينًا لكل كلمة في البيت، لكنه غير أمين للتجربة الشعرية التي أحدثها البيت في قارئه العربي.
ومن هنا جاء عنوان هذا المقال:
عندما تفقد المها العربية جمالها.
فالمها لم تفقد جمالها في الصحراء العربية ولا في ذاكرة الشعر العربي، وإنما فقدت بعض قدرتها على أداء وظيفتها الجمالية عندما عبرت الحدود الثقافية دون أن تصحبها الشفرة الثقافية Cultural Code التي تمنحها معناها.
وهنا يستطيع المترجم أن يتخذ أكثر من طريق.
يمكنه المحافظة على الصورة:
Her eyes were like those of the oryx.
وهذه تحقق قدرًا مرتفعًا من الأمانة الشكلية، لكنها تترك العبء الثقافي على القارئ.
ويمكنه أن يشرح الصورة:
Her large, dark, luminous eyes had the beauty Arab poets saw in the oryx.
وهنا استعدنا كثيرًا من معناها الثقافي، لكننا دفعنا ثمن ذلك من اقتصاد الشعر وموسيقاه.
أما إذا كان المقصود ترجمة قصيدة لا شرحها، فقد يختار المترجم:
Her wide, dark, luminous eyes…
لقد اختفت المها، لكن جمال عينيها بقي.
وهنا يظهر واحد من أصعب الأسئلة في الترجمة الأدبية:
أيهما أكثر أمانة: أن نحافظ على المها ونفقد الجمال، أم نفقد المها ونحافظ على الجمال؟
من المها إلى عبقر
تتضح المشكلة نفسها بصورة أعمق في المفردات التي تحمل وراءها أسطورة ثقافية كاملة.
لننظر مثلًا إلى قول الشاعر السوداني عبدالله الشيخ البشير:
فطاف بعبقرٍ ليلًا فهرّتْ
كلابُ الجنِّ: عِرفيتُ وشيتُ
إذا ترجمنا الشطر الأول:
By night he roamed through ʿAbqar…
فإننا لم نرتكب خطأ معجميًا. بل حافظنا حتى على اسم المكان. ومع ذلك فقد يكون القارئ الإنجليزي قد فقد معظم ما في «عبقر» من إيحاء.
فـعبقر في المخيال العربي ليست مجرد اسم مكان. إنها الوادي الأسطوري الذي ارتبط بالجن، ثم اتصل في الذاكرة الأدبية بالقدرة الخارقة والإبداع الشعري، حتى نشأت من هذا المجال الدلالي كلمة عبقري.
لذلك يمكن لتحويل الشفرة أن يقدمها هكذا:
By night he roamed ʿAbqar, the fabled Valley of the Jinn…
لكن ذلك أيضًا لا يكفي تمامًا؛ لأننا نقلنا الجن ولم ننقل الإبداع.
وقد تصبح الصياغة التفسيرية:
By night he roamed ʿAbqar, the fabled Valley of the Jinn, legendary source of poetic inspiration…
هنا بدأ القارئ الإنجليزي يدخل إلى المجال التخييلي الذي دخله القارئ العربي بمجرد أن قرأ كلمة واحدة: «عبقر».
وهذه هي وظيفة Cultural Code-Shifting كما أقترح استعمال المصطلح هنا: ليست استبدال الكلمات اعتباطًا، وإنما إعادة بناء الشفرة التي تسمح للصورة بأن تؤدي في الثقافة المستقبلة وظيفة قريبة من وظيفتها في الثقافة الأصلية.
وماذا نفعل بعِرفيت وشيت؟
يزيد عبدالله الشيخ البشير الصورة غرابة حين يجعل كلاب الجن تهرّ في عبقر ويسميها:
عِرفيت وشيت
وهما اسمان تخييليان ابتدعهما الشاعر.
وهنا، على العكس من «عبقر»، ينبغي ألا يتسرع المترجم في إزالة الغرابة. فالغرابة هنا مقصودة شعريًا. ولذلك قد يكون الاحتفاظ بالاسمين صوتيًا أفضل:
where the jinns’ hounds barked—ʿIrfīt and Shīt.
فتحويل الشفرة الثقافية لا يعني دائمًا التدجين أو التفسير. أحيانًا تكون الأمانة الحقيقية هي الإبقاء على غرابة الغريب.
وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن المترجم الجيد لا ينبغي أن يحوّل النص العربي كله إلى صور مألوفة للقارئ الغربي. فإذا فعل ذلك لم يكن قد ترجم الثقافة، وإنما يكون قد محاها.
الكويت التي تغوص في السماء
ونجد في القصيدة نفسها صورة أكثر تعقيدًا:
ومجَّ لجامُهُ ألقَ الثريا
جُذىً مما تغوصُ له الكويتُ
هنا تتراكب عدة شفرات: الثريا، والضياء، والبحر، والغوص، والكويت، واللؤلؤ.
إن ترجمة «الكويت» إلى Kuwait سهلة للغاية. لكن سهولة الاسم الجغرافي تخفي صعوبة الصورة الثقافية. فالإشارة، في قراءتنا، تستدعي الكويت البحرية القديمة وعالم الغوص بحثًا عن اللؤلؤ. وكأن ألق الثريا قد تحول إلى جواهر سماوية تستحق أن يغوص الغواصون في الأعماق من أجلها.
ولذلك قد تؤدي صياغة مثل:
Its bridle scattered the Pleiades’ gleam—
glowing pearls for which Kuwait’s divers plunge into the deep.
وظيفة شعرية أقرب إلى الأصل من ترجمة حرفية لا يعرف معها القارئ لماذا «تغوص الكويت».
لكننا فعلنا شيئًا خطيرًا ومهمًا في الوقت نفسه: أضفنا كلمة pearls، وهي غير موجودة صراحة في البيت العربي.
هل هذه خيانة؟
ليس الجواب بسيطًا.
فإذا كان اللؤلؤ حاضرًا في الشفرة الثقافية التي يعتمد عليها البيت، فقد تكون إضافته إلى اللغة الهدف نوعًا من التصريح بما يستطيع قارئ الأصل استحضاره دون تصريح.
ومن هنا يمكن أن نضع قاعدة:
قد يحتاج المترجم إلى أن يقول في اللغة المستقبلة ما لم يحتج الشاعر إلى قوله في اللغة الأصلية، لأن القارئ الأصلي كان يعرفه ثقافيًا.
حين يتحول المديح إلى إهانة
لكن المشكلة تصبح أكثر إثارة حين لا تفقد الصورة جمالها فحسب، وإنما تنقلب قيمتها بعد الترجمة.
ومن أجمل الأمثلة الدالة قول الشاعر:
كالكلب في حفاظك للودِّ
وكالتيس في قراع الخطوب
إننا إذا قرأنا البيت داخل شفرته الثقافية أدركنا أن الشاعر لا يهجو، بل يمدح.
فالكلب هنا مستدعى من زاوية الوفاء وحفظ الود، والتيس مستدعى من زاوية الإقدام والنطاح ومقارعة الشدائد.
لكن ماذا يحدث إذا ترجمنا البيت ترجمة حرفية؟
Like a dog in your keeping of friendship,
and like a goat in confronting hardships.
هنا قد تحدث كارثة صغيرة في الترجمة.
لقد حافظنا على الحيوانين، لكننا لم نضمن المحافظة على المديح.
فالكلب يستطيع في الإنجليزية أن يرمز إلى الوفاء، بلا شك، لكن تشبيه الإنسان مباشرة بالكلب قد يستدعي أيضًا دلالات أخرى غير التي أرادها الشاعر. أما التيس، goat، فلا يحمل تلقائيًا في السياق الإنجليزي معنى البطولة ومقارعة الخطوب.
وقد يجد القارئ الصورة غريبة، وربما ساخرة، في الموضع الذي أرادها الشاعر فيه تعظيمًا للممدوح.
وهنا يمكن أن نقول:
قد يكون المترجم أمينًا للحيوان وخائنًا للمديح.
ولذلك قد يكون نقل الوظيفة أقرب إلى روح الأصل:
Faithful in friendship,
fearless in the face of adversity.
لقد اختفى الكلب.
واختفى التيس.
لكن بقي الوفاء، وبقيت الشجاعة.
وهنا تتجسد معضلة الترجمة الشعرية في أن المحافظة على الصورة قد تعني أحيانًا خسارة معناها، بينما يبدو التخلي عنها ظاهريًا نوعًا من عدم الأمانة، مع أنه قد يكون في الحقيقة أمانة أعمق للأثر.
ومن ثم يمكن صياغة قاعدة ثانية:
إذا تحولت صورة المديح في الثقافة المستقبلة إلى سخرية أو إهانة، فإن المحافظة الحرفية على الصورة قد تكون أقل أمانة من ترجمة الصفة التي منحت الصورة قيمتها في الأصل.
أرق من النسيم: حين تعبر الصورة بسلام
ولكن علينا أن نحذر من نتيجة معاكسة قد تكون خطيرة هي الأخرى: أن نتصور أن كل صورة شعرية عربية تحتاج إلى تعديل قبل دخولها الإنجليزية.
ليست المسألة كذلك.
فبعض الصور تستطيع عبور الحدود الثقافية محتفظة بجانب كبير من أثرها.
تأمل:
أرقُّ من النسيم إذا سرى
يمكن أن نقول:
Gentler than the breeze as it softly passes.
ولا يبدو أننا نحتاج هنا إلى شرح النسيم، أو استبداله بصورة غربية أخرى؛ لأن العلاقة بين النسيم والرقة واللطف والخفة قابلة للإدراك في الثقافتين.
فالنسيم لم يفقد رقته عندما عبر إلى الإنجليزية كما فقدت المها بعض فتنتها، ولم تنقلب دلالته كما قد يحدث للكلب والتيس.
وهذا المثال بالغ الأهمية؛ لأنه يثبت أن تحويل الشفرة الثقافية ليس دعوة إلى تغيير الصور لمجرد أنها جاءت من ثقافة أخرى.
بل هو، قبل كل شيء، أداة تشخيص.
والسؤال الأول ليس:
كيف نغير هذه الصورة؟
وإنما:
هل تحتاج هذه الصورة أصلًا إلى أن تتغير؟
طيف قابلية الصورة للعبور الثقافي
ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم يساعد المترجم على اتخاذ قراره، وهو:
طيف قابلية الصورة للعبور الثقافي
Cultural Translatability Spectrum
فالصور لا تقف جميعها في الدرجة نفسها من القابلية للانتقال من ثقافة إلى أخرى.
يمكن تصور هذا الطيف من خلال أمثلتنا السابقة:
النسيم: صورة تعبر بسهولة نسبيًا؛ فالرقة المرتبطة به قابلة للفهم في الثقافتين.
المها: تعبر معجميًا، لكن جزءًا من الشفرة الجمالية يبقى وراءها.
عبقر: يعبر الاسم، بينما لا تعبر الأسطورة الكامنة فيه إلا إذا ساعدها المترجم.
الكويت والغوص: يعبر المكان والفعل، لكن شبكة البحر والغوص واللؤلؤ والتاريخ الثقافي قد تضيع.
الكلب والتيس: قد تعبر الكلمات، لكن القيمة المقصودة قد تتغير أو تنقلب.
وهكذا لا تكون القضية مجرد ثنائية بين الترجمة الحرفية والترجمة الحرة، بل درجات متفاوتة من المقاومة الثقافية.
ليست الحمامة هي الحمامة
ويمكن تطبيق الأمر نفسه على عدد هائل من الصور العربية: الريم، والغزال، والحمامة، وغصن البان، والبدر، والثريا، والنخلة، والطلل.
فحين يوصف جمال المرأة في تقاليد شعرية معينة بالغزال أو الحمامة، لا يكفي أن نسأل:
ما ترجمة غزال؟
وما ترجمة حمامة؟
السؤال الأصح:
ما الصفات التي تستدعيها هذه الصورة في وجدان المتلقي العربي؟
ثم:
هل تستدعي الصورة المترجمة الصفات نفسها عند المتلقي الإنجليزي؟
فإذا اختلف الجواب، انتقلنا من:
Lexical Equivalence — التكافؤ المعجمي
إلى مستوى أعمق يمكن أن نسميه:
Cultural-Imaginative Equivalence (CIE)
التكافؤ الثقافي-التخييلي
أي أن نجاح الترجمة لا يقاس فقط بمقدار تطابق الكلمات، وإنما بمقدار ما تستطيع اللغة الجديدة إعادة بناء المشهد التخييلي والانفعال الجمالي اللذين ولدهما النص الأصلي.
أربع استراتيجيات أمام مترجم الصورة الشعرية
وبناءً على ذلك يمكن التمييز بين أربعة خيارات رئيسة:
أولًا: الاحتفاظ بالصورة عندما تستطيع العبور ثقافيًا دون خسارة كبيرة، كما في صورة النسيم.
ثانيًا: الاحتفاظ بالصورة مع إضاءة ثقافية موجزة عندما تكون الصورة ضرورية لهوية النص ولكنها غامضة للمتلقي، كما في «عبقر».
ثالثًا: تحويل الشفرة الثقافية عندما يكون نقل الوظيفة أهم من النقل الحرفي للمفردة.
رابعًا: نقل الأثر بدل الصورة عندما تؤدي حرفية الصورة إلى أثر مختلف جذريًا عن أثر الأصل، كما رأينا في الكلب والتيس.
وهذه الاستراتيجيات ليست قوانين ميكانيكية. فالصورة الواحدة قد تستدعي قرارًا مختلفًا باختلاف نوع النص والغرض من الترجمة والمتلقي.
فالترجمة الأكاديمية المشروحة تستطيع الاحتفاظ بـ«عبقر» و«المها» وشرح دلالاتهما في الهامش.
أما الترجمة الشعرية المعدة للقراءة والأداء فقد تحتاج إلى اقتصاد أكبر في الشرح وإلى حرية أكبر في إعادة إنتاج الأثر.
المترجم بين ذئب المعجم وحَمَل النقل الجمالي
وهنا تظهر المعضلة الكبرى.
فمن ناحية يقف ذئب المعجم مطالبًا المترجم بألا يبتعد عن الكلمات، ومن الناحية الأخرى يقف حَمَل النقل الجمالي مطالبًا إياه بألا يذبح الصورة من أجل المحافظة على جلدها.
فالأمانة ليست دائمًا في أن نترجم oryx بالمها، وdog بالكلب، وgoat بالتيس، وAbqar بعبقر.
هذه أمانة الكلمات.
أما أمانة الشعر فتطرح سؤالًا أصعب:
ماذا حدث للجمال بعد أن انتهينا من الترجمة؟
وهذا هو السؤال الذي لا يستطيع المعجم وحده الإجابة عنه.
فالمعجم يستطيع أن يخبرنا ما معنى المها، لكنه لا يستطيع وحده أن يخبرنا لماذا أحبها الشعراء.
ويستطيع أن يخبرنا أن عبقر اسم مكان أسطوري، لكنه لا يستطيع وحده إعادة بناء القرون الطويلة من الخيال الشعري التي جعلت الاسم قرينًا للعبقرية.
ويستطيع أن يخبرنا أن dog تعني كلبًا وأن goat تعني تيسًا، لكنه لا يستطيع أن يضمن أن المديح سيظل مديحًا عندما يصل إلى القارئ الجديد.
من ترجمة ما تقوله الصورة إلى ترجمة ما تفعله
ومن ثم فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه مترجم الشعر ليس فقط:
What does this image mean?
ماذا تعني هذه الصورة؟
بل:
What does this image make the original reader see, feel, remember, and imagine?
ماذا تجعل هذه الصورة قارئها الأصلي يرى ويحس ويتذكر ويتخيل؟
ثم يأتي السؤال الحاسم:
How can the translation enable its new reader to experience something comparable?
كيف تستطيع الترجمة أن تمنح قارئها الجديد تجربة قريبة من ذلك؟
وهنا ننتقل من ترجمة ما تقوله الصورة إلى ترجمة ما تفعله الصورة.
وهنا، في تقديري، تبدأ الترجمة الشعرية الحقيقية.
خاتمة: ليست المسافة بين لغتين هي المسافة بين كلمتين
تكشف المها وعبقر والكويت والكلب والتيس والنسيم عن حقيقة واحدة: أن الصورة الشعرية لا تسافر وحدها.
إنها تحمل معها تاريخًا وذاكرة وأسطورة وعادات في الرؤية وشبكة من التداعيات التي قد لا تكون مكتوبة في النص، لكنها حاضرة في ذهن قارئه الأول.
ولهذا فإن Cultural Code-Shifting، كما استُخدم في هذا المقال، لا يعني محو الخصوصية الثقافية للنص، ولا استبدال الصور العربية بصور غربية كلما واجهتنا صعوبة.
بل على العكس: إن غايته هي إنقاذ الصورة من سوء الفهم دون إنقاذ القارئ من غرابتها الجميلة.
فالغريب الذي أراده الشاعر ينبغي أن يبقى غريبًا.
أما الغرابة التي صنعتها الترجمة وحدها، فهنا ينبغي أن نتوقف.
ومن ثم يمكن تلخيص المبدأ في عبارة واحدة:
لا تحوّل الشفرة الثقافية لمجرد أن الصورة أجنبية؛ حوّلها عندما لا تعود قادرة على أداء وظيفتها بعد العبور.
فالنسيم يستطيع أن يعبر، فلندعه يعبر.
وعبقر تحتاج إلى مصباح صغير، فلنضئه.
والمها قد تحتاج إلى أن نشرح للقارئ سر عينيها.
أما الكلب والتيس، فإذا عبرا بالكلمات وتحول المديح معهما إلى سخرية، فقد يكون علينا أن نترك الحيوانين وراءنا ونحمل معنا الوفاء والشجاعة.
لأن المترجم في النهاية لا ينقل قاموسًا من ضفة إلى ضفة، وإنما ينقل تجربة إنسانية.
وهنا ربما نستطيع أن نقول إن المسافة الحقيقية في الترجمة ليست المسافة بين العربية والإنجليزية، ولا بين كلمة oryx وكلمة «المها».
إنها المسافة بين خيالين.
والمترجم المبدع هو من يعرف متى يحمل الصورة كما هي، ومتى يضيء ما وراءها، ومتى يحوّل شفرتها، ومتى يترك جسدها لينقذ روحها.
فالغاية ليست فقط أن يعرف القارئ الإنجليزي ما الذي رآه الشاعر العربي؛
بل أن نمنحه، قدر المستطاع، فرصة أن يرى به.
