أساس الفوضى (1) .. بقلم: د. عبدالمنعم عبدالباقى على
26 أبريل, 2016
منشورات غير مصنفة
45 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
abdelmoniem2@hotmail.com
هذه سياحة فكريّة، لا تخلو من فائدة وأرجو أن تشمل متعة أيضاً، جذبتنى إليها حالة الفوضى التّى تعمّ حياة البشر فى هذه الأيام، فانتشر الظلام، واستشرى اليأس حتى كاد الأمل فى يومٍ مشرق يعمّه النّظام والسلام أن يذوى، فرأيت أن أبحث فى أساسها وأتفكّر فى ماهيّتها.
لكلّ إنسان مرجعيّة يزن بها الأشياء ويفسّرها ويفهمها ومرجعيّتى هى الإسلام كدين يُعلى من قيمة الفكر ويدعو للتّفكّر وللتأمّل وللتّدبّر واقتناص الحكمة أينما كانت، لا أبغى عنه حِوَلا ً.
انتقل مفهوم الفوضى من الطرف الخلفى للوعى العام إلى بؤرة شعور العالم فى عام ٢٠٠٦ عندما أعلنت كوندوليسا رايس، وزيرة خارجيّة الولايات الأمريكيّة المتّحدة حينها، فى إسرائيل مفهوم “الشرق الأوسط الجديد”، وشرحت العوامل التى ينبغى أن تسود من أجل إنشاء هذا الشرق الأوسط الجديد وأهمّها ما أسمته بالفوضى البنّاءة، وليس بالفوضى الخلاقة كما شاع، فهى عمدت إلى هدم الشرق القديم بخلق قوس من الانفلات الأمنى والفوضوى والعنفى يبدأ من لبنان وفلسطين وسوريا والعراق والخليج العربى حتى اليمن جنوباً وإيران وأفغانستان حتى حدود دول الناتو شمالاً.
هذه الخطّة، كما أعلنت الإدارة الأمريكية، نتاج تفكير وتخطيط بطىء شاركت فيه إسرائيل وبريطانيا ولذلك تعمّدت الإدارة الأمريكية إعلانه فى إسرائيل تحت رعاية المحافظين الجدد الذين صاغوا مفهوم “محور الشّر” بعد تدمير الأبراج الأمريكيّة فى ٢٠٠١.
وكما عهدنا من دهاليز السياسة الأمريكيّة المُهيمنة منذ الحرب العالميّة الثانية فقد اندفعت إلى تدمير، وليس إلى هدم الشرق الأوسط، وبين المفهومين أميال ضوئيّة عديدة، بنفس رعونة راعى البقر فى الغرب الأمريكى، ثمّ عندما انفَلَتَ الأمر من يدها وانتشر الإرهاب والشّر لامت أهل الشرق الأوسط.
وقد كان تبرير كوندوليسا رايس هو:”إنّ الوضع الحالى ليس مُستقرّاً، وإنّ الفوضى التى تفرزها عملية التّحوّل الدّيمقراطى فى البداية هى فوضى بنّاءة، ربما تُنتج فى النّهاية وضعاً أفضل ممّا تعيشه المنطقة حاليّاً”. بمعنى آخر لم تكن متأكّدة من النتائج ولا تفكّرت فى احتماليّة وضع أسوأ أو لم يهمّها ذلك كثيراً وهو ما اتّضح عندما أطاحت الولايات الأمريكيّة المتّحدة بنظام صدّام حسين ولم تتحسّب لنتائج عملية التّغيير ولا اهتمّت بحالة الفوضى التى عمّت بعد ذلك وتداعت أمواجها إلى اليوم.
جورج بوش الإبن لم يُنكر مصدر سياسته الخارجيّة وقال: “إذا أردتم الاطلاع على مفهومى للسياسة الخارجيّة فاقرأوا كتاب ناتان شارانسكى، فإنّه سيساعدكم على فهم الكثير من القرارات التى اتُّخذت والتى قد تُتَّخذ”. هذا الناتان شارانسكى هو الذى ألّف كتاب: “قضيّة الدّيمقراطية”، وهو يهودى سوفيتى مُنشق ووزير شؤون يهود الشتات الذى استقال من حكومة إرييل شارون عام ٢٠٠٥ احتجاجاً على الخروج من غزّة.
هنا درسٌ للذين يُنكرون نظريّة المؤامرة تماماً وذلك فى وضوح القيادة الأمريكيّة عن سياستها ومصدرها وهو دليل على انتفاء التفكير العلمى وغلبة التفكير الانفعالى الشعبوى وانعدام الإحساس بالآخر كأنّه قطعة شطرنج لا إحساس لها ولا حياة ولا حرّية ولا حقوق.
نظريّة ناتان شارانسكى فطيرة وساذجة لاقت إعجاباً من جورج بوش الإبن لأنّ طريقة تفكيرهما بسيطة ولا تحتمل اللون الرّمادى وكلّنا يذكر تصريح جورج بوش الإبن: “من ليس معنا فهو ضدّنا”، وقد ظهر ذلك جليّاً فى تقسيمه للعالم لمجتمعين: “مجتمع حر” و “مجتمع خوف” وكان معياره أنّ الشخص الذى يستطيع أن يقف فى “ساحة المدينة” ويُعبّر عن آرائه دون خوف فهو فى مجتمع ديمقراطىٍّ حر.
ومن بعد ذلك حدّد “مجتمعات الخوف” التى يمكن أن تُصدِّر الإرهاب للمجتمعات الحرّة وتهدّد أمنها بالدّول العربيّة وإيران وأفغانستان، ثمَّ طالب بنشر الديمقراطيّة والحريّة فى هذه المجتمعات وجعل ذلك ضرورة أخلاقية تفرضها مبادىء إنسانيّة. ولكن ناتان شارانسكى لا يؤمن بقدرة هذه المجتمعات التى يسود فيها الخوف فى إقامة ديمقراطيّة حقيقيّة ولذلك طالب بتدخّل المجتمع الدّولى مباشرة للاستيلاء على الحكم وإقامة مجتمع الدّيمقراطيّة والحرّيّة وهو تبريره لوقوفه مع قرار استخدام القوّة فى العراق. ناتان شارانسكى لا يؤمن بأىّ نوع مختلف للديموقراطيّة لا ينطبق على النموذج الأمريكى ولا يهم إذا تراضى شعب ما على انتهاج نظام حكم يضمن لهم الحريّة إلا إذا كان هذا النّموذج فى مبادئه وقيمه أمريكىّ النسخة.
قد يبدو من السطح أنّ الولايات المتّحدة الأمريكية تريد أن تفكّك أنظمة ما لتُعيد تركيبها كما تفعل بلعبة طفل من دون قراءة الواقع والتنبّه للمآلات واتّخاذ استراتيجيّات مناسبة وخطط مدروسة وبالتّالى نتج عن تدخّلها نوع من الفوضى المدمّرة شاءت أم لم تشأ خرجت من نطاق تحكّمها كالجنّى الذى لن تستطيع أن تعيده إلى قارورته حتى باستخدام الحيلة والمُغريات.
إنّ العيب الرئيس هو هذا التّفكير النّمطى الساذج وفلسفة القوّة المهيمنة التى تعامل الآخرين كأسراب البعوض المزعجة التى لا يترّدد أحد برشّها بالمبيدات لأنّه لا خير يرتجى منها ولن تنقل إلا المرض والدّمار. هذه حالة من الجمود الشعورى وانعدام المقدرة على تقمّص الحالة الشعوريّة والفكريّة والرّوحيّة والسلوكيّة للآخر وهو دليل على الحالة السايكوبتيّة أو الطّاغوتيّة لهذه الأنظمة المهيمنة التى تقيم الدّنيا ولا تقعدها إذا خُدش مواطن لها ولكنّها لا تكترث إذا مات الآلاف ممّن تظنّهم من محور الشّر.
هذا النّهج من التّفكير الآحادىّ صار الغالب لدى علماء المفسّرين المسلمين الذين نسخوا الكثير من آيات الذكر الحكيم عند تفسير سورة التّوبة وقسّموا العالم إلى “دار إسلام” و”دار حرب” وهى تعنى “دار كفر”، بدعوى قوّة المسلمين بعد ضعفهم وعُلوّ آية السيف، وهو تفكير اختزالىّ لا يتماشى مع الواقع ولا مع مبادىء الإسلام، فأفرز فكراً هدّاماً بل ومُدمِّراً يسود دولة الخلافة الإسلاميّة هذه الأيّام.
إنّ الخطر فى انتهاج نوعٍ ما من التّفكير هو ما يؤدّى إليه من قرارات وسلوك قد تكون لبنات للبناء وقد تكون معاول للهدم.
والتّفكير الذى يُغلق نفسه ويؤمن بأزليّة حقيقته وصحّة قضيّته، ويخلط فهم المبدأ بأصالة المبدأ ويسعى فى الأرض مُكبّاً على وجهه لا يرى إلا جزءاً من الحقائق ويختزل الواقع لا يؤدّى مثل هذا التّفكير إلا إلى كارثة مهما صحّت قضيّة حامليها أو صدقت نواياهم. هذا التّفكير، الذى يبدو واضحاً، هو فى حقيقة الأمر مشوّشٌ ومُسيّسٌ يُبسّط المفاهيم لتتلاءم مع التركيبة النّفسيّة للشخص سعياً وراء نوع من اليقين فى أمور الدّنيا لا توفّره إلا التّجارب، ظانّاً أنّ أمور العقيدة تماثل أمور الواقع أو يجب أن توافقه ضارباً بعرض الحائط الطّبيعة البشريّة التى هى الأساس.
ولولا توقُّع المصطفى صلّى الله عليه وسلّم للخلط فى مفاهيم الدّين وتطبيقه وما يؤدّى ذلك إلى الفوضى والاحتراب العقائدى والفتنة والتفرّق، كما أرادت كوندوليسا رايس بإثارة النعرات القبليّة والطّائفيّة فى الشرق الأوسط، لما قال: “يبعث الله على رأس كلِّ مائةٍ من يجدّد لهذه الأمّة أمر دينها”، وهو قد حدّد التّجديد فى “أمر” الدّين وليس الدّين كما يفهم الكثير من النّاس وكما ورد فى أحاديث أُخر. فالله سبحانه وتعالى أعلن إكمال بناء الدّين وإتمام النّعمة ولكن
الإهمال مع طول الفترة قد يؤدّى للنسيان والجهل قد يؤدّى للخطأ.
ونواصل إن أذن الله ودمتم لأبى سلمى