محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com
تحت سماءٍ مثقلةٍ بغيومٍ لا تُمطر وفي زوايا تلك الغرفة التي تفوح منها رائحةُ “الانتظار” المرّة تتجسدُ حكايةُ إنسانٍ لم يَعُد يملكُ من نفسه إلا شظايا مبعثرة هي رحلةٌ ليست ككل الرحلات؛ مسارها ليس فوق الأرض بل في دهاليز الروح المعتمة حيثُ يتشابكُ وحشُ الانفصام ببرودةِ الاكتئاب ويقفُ العلاج كقنديلٍ ضئيلٍ وسط عاصفةٍ هوجاء بينما يبقى لمُّ شملِ العائلة هو الصلاة الأخيرة التي تُتلى في مِحراِب الأمل.
يبدأُ الأمرُ بغيابِ الحدود حينما لا يعودُ الواقعُ واقعاً بل مسرحاً تسكنه وجوهٌ غريبة وأصواتٌ لا يسمعها غيرك الانفصام ليس مجرد مرض إنه خيانةُ الحواسِ لصاحبها؛ حيثُ تغدو المرآة عدواً ويصبحُ العقلُ ساحةً لغزوِ الأشباح. في هذه المرحلة،يفقدُ المرءُ بوصلة “الأنا” ليجد نفسه عالقاً في بَين ما يراه العالم وما يفرضه عليه هذا الضجيجُ الداخليُّ المرعب.
ثم يأتي الاكتئاب كغسقٍ أبديّ ليسرقَ ما تبقى من ألوان هو ليس حزناً عابراً بل هو “الموتُ في الحياة ” ثقلٌ يربضُ على الصدر يجعلُ حتى التنفسَ عملاً شاقاً في ظلِّ الاكتئاب لا تعودُ الأصواتُ صاخبة بل تصمتُ الحياةُ تماماً ويتحولُ العالمُ إلى لوحةٍ رماديةٍ باهتة لا طعم فيها ولا معنى.
وسط هذا التيه يبرزُ العلاج كطريقٍ وعرٍ محفوفٍ بالآلام. الأدويةُ التي تحاولُ ترميمَ كيمياء الروح غالباً ما تتركُ الجسدَ خاوياً كأنها تخدرُ الوحشَ لكنها تُذبلُ الوردةَ معه. إنها رحلةُ الصبرِ المرير حيثُ يُصارعُ المريضُ آثاراً جانبيةً تنهشُ كرامته ويحاولُ استعادةَ سيطرته على عقلهِ الذي تمرّد عليه. العلاجُ هنا ليس مجرد أقراصٍ تُبلع بل هو محاولةٌ يوميةٌ ومضنية لإعادةِ تجميعِ آنيةٍ فخاريةٍ تحطمت إلى آلاف القطع.
لكنَّ الجرحَ الأعمق والوجعَ الذي لا تسكنه العقاقير هو ذلك الفراغُ الذي تركهُ الغياب. لمُّ شملِ العائلة ليس مجرد لقاءٍ عابر؛ إنه العودةُ إلى “الملاذ” خلفَ كل نوبةِ انفصام وكلِ ليلةٍ اكتئابيةٍ موحشة يقبعُ وجهُ أمٍّ حزين أو ضحكةُ طفلٍ غابت أو لمسةُ يدٍ كانت تشعرُ المريضَ بأنهُ ما زال ينتمي لهذا العالم.
إنَّ انتظارَ لمِّ الشمل في ظلِ المرض النفسي هو أقسى أنواع الانتظار؛ لأنَّ المريضَ يخشى أن يعودوا فلا يعرفوه أو أن يعودوا فيجدوا منه مجردَ جسدٍ بلا روح هو سباقٌ مع الزمن . هل ستصمدُ الروحُ حتى يكتملَ الشطرُ الآخرُ من القلب؟
إنَّ هذه المعاناة ليست قصيدةً تُقرأ بل هي واقعٌ يعيشه الآلافُ في صمتٍ مطبق إنهم يحتاجون منا أكثر من مجرد التعاطف؛ يحتاجون أن نكون “مراياهم الصادقة” حينما تخذلهم مراياهم وأن نكون “صوتهم” حينما يغرقون في لُجّة الصمت. إنَّ الشفاء الحقيقي لا يبدأُ من الصيدليات بل يبدأُ حينما تلتقي الأرواحُ المشتتةُ تحت سقفِ الحبِّ من جديد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم