أشقائي الوالد شيخ مجذوب ود. بابكر عبدالمحمود العربي في ذمة الله. إنا لله وإنا إليه راجعون .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي/ المملكة المتحدة
4 أبريل, 2021
د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
116 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
“يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي ” صدق الله العظيم.
إنا لله وإنا اليه راجعون. ببالغ الحزن والأسى اعزي نفسي وأهلي فى الأسرة الصغيرة والممتدة بالعاصمة القومية وفى بربر خاصة وكل عموم مدن السودان وبلاد المهجر بفقد عميد أسرتنا الذي ليس هو فقط الأخ الشقيق الأكبر عندنا بل كان لنا ولغيرنا من أناس نعرفهم وآخرين كثر لا نعرفهم المرشد الصدوق وكل شيء جميل تتمناه النفس فى الدنيا. كان الوالد الشفوف الرؤف الكريم المضياف الهاش الباش ومذلل صعاب عقبات الحياة للكثيرين وكان البلسم الشافي والطبيب النفساني والأستاذ القدوة عندما تختلط الأمور. كان الشيخ المجذوب أخو إخوان، يصدق القول ويتحرى الصدق فى الآخرين ، وإذا عاهد يوفي و لا يخون. كان لطيفاً لا تفارق الإبتسامه محياه وكان لسانه حلواً وكلامه كله عسلاً فيه شفاء للناس.هكذا كان دائما محور اللقيا الجميلة وكان منزله قبلة الذاكرين ومادحي نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم.
فى باكورة شبابه عمل موظفاً بشركة عبدالمنعم محمد وصار المدير المالي ومسؤل الحسابات بمكتبها الرئيسي بالخرطوم قبالة ميدان الأمم المتحدة ( سابقاً ) وترقى سريعاً ليكون بدلاً عن عبدالحارس عبدالمنعم مدير فرعها بالدويم حاضرة النيل الأبيض أيام كانت لمشاريع القطن شنة ورنة خاصة بمنطقة مشاريع النيل الأبيض قبل حلول ثورة مايو . رحبت به مدينة الدويم بل كل المناطق المحيطة حولها مثل الكوة وشبشة والقطنية وحتى كوستي وكون صداقات حميمة لا تزال قنواتها متصلة روابطها بالمحبة الحقيقية فقط فى الله. كان المجذوب ناجحاً فى التجارة كرجل أعمال مشاركاً لاحقاً المرحوم محمود عبدالمجيد عبدالمنعم محمد وقد أسسا شركة مونيلا التجارية مكتبها كان بالسوق الأفرنجي وكانا الأوائل الذان أدخلا مسجلات وترانززترات هيتاشي وسيرا وتلفزيون فيليبس والمرواح والثلاجات الحديثة. واستمرت علاقة الإخاء الجميل إلى يومنا هذا بأسرة عبدالمنعم محمد.بعد ذلك شارك مجذوب رجل الأعمال الفاضل الوقور محمد عبدالقادر العتباني عليه رحمة الله صاحب شركة التجارة الحديثة بشارع البلدية وسط الخرطوم. ثم انطلق المجذوب مستقلاً بنفسه تاجراً فى سوق السجانة ومؤسساً لمخازن العربي التجارية للوازم البناء. كان صاحب كاريزما وأيقونة فى كيفية إدارة الأعمال وحسن التعامل فكان إضافة حقيقية لسوق السجانة أدت إلى تطوير نمط العمل التجاري بسوق السجانة فأدخل الإستيراد المباشر متعاملاً مع شركات عالمية بدلاً من نظام المغالق التى كانت تتغذى من الأسواق المحلية فحذا حذوه آخرون. هكذا فتح الله عليه بتوفيق من عنده . إننا نشهد له بالإستقامة فى أعماله التجارية وتعامله فكان دافعا ً للضرائب كما يكون وله محاسب قانوني يقوم بمكتبه بشارع الجمهورية بذلك العمل وكان حريصاً مخرجاً الزكاة، كان بعيداً عن الساسة وفساد السياسة الهدامة . وفقه الله ببناء جامع اسماه ” مسجد الصحابة “على قطعة أرض إشتراها بمنطقة “عد حسين” جنوب الخرطوم وشارك فى تعمير مساجد عديدة حتى فى منطقة بربر.
كان محله بسوق السجانة يؤمه العلماء والفنانون والمثقفون . يلتقون يتسامرون يرتشفون القهوة السودانية من عمل ست الشاي المجاورة . أذكر منهم الراحلين بروفسور عبدالله الطيب ومجذوب رباح وشبرين وجمعان والطيب محمد الطيب وصديق شيخ مجذوب وزميل الوظيفة ايام شركة عبدالمنعم محمد عميد الفن أحمد المصطفى رحمه الله. ومن الأحياء الكابلي حفظه الله. فى مرة من المرات ذكر لي الشيخ قصة عن الفساد بأن مندوب (بنك….) إحدي البنوك الاسلامية، جاءه يطلب أن يستخدموا ما عنده من مخازن لأنهم سيشترون كميات من الذرة وسعرها رخيص إلى حين يزيد الطلب ويرتفع سعرها ويتقاسمون الأرباح. قال رفضت وقلت والله لا اتحكم فى قوت الشعوب. قال لى عندما عدت إلى المنزل بحثت عن أي فتوى تجيز ذلك فى مكتبتي ووجدت التحذير الواضح واحاديث بأن الذي يتحكم فى قوت الشعوب فاليتبوأ مقعده من النار. قال حمدت الله أنه هداني إلى الصواب
أما منزل الشيخ مجذوب فقد كان مفتوحاً للضيوف وعابري السبيل وطالبي العلاج فى الخرطوم يحضرون من كل بلاد السودان منهم أناس لا نعرفهم يأتون من الجزيرة وبحر أبيض وغرب السودان. شيخ مجذوب كان محبوباً طيلة حياته فلا أعرف له من عدو بل صداقاته تعدت فشملت الأقباط والإخوة الجنوبيين المسيحيين والمسلمين منهم.
الشيخ مجذوب كان نهما يقرأ كثيرا وذكياً يهضم كل ما يتطلع عليه فتكونت بمنزله مكتبة ضخمة تحتوي على مختلف أنواع الأدب وعلوم الفقه فكان يحفظ القرآن والشعر وقصص تاريخ الحضارات . تعلم ما يصلح أخراه فى أوقات فراغه على يد خالنا المرحوم الشيخ العالم مجذوب مدثر الحجاز وسلك على دربه وتخلق من خلقه الحسن. كان لا يغلوا فى الدين بل متسامحاً هيناً ليناً لكنه منضبطاً ولا يجامل فى حق الله. كان زاهداً لم تغره بهجة بلاد الفرنجة أو العربية وهو يزورها. كان جل عمره حاجاً ومعتمراً.
أما نحن بالنسبة له كإخوة فإننا سنفتقده بدون شك والفراغ الذي تركه سيظل شاغراً إلى أن نلقاه. والله لا نستطيع أن نرد جميله علينا مهما عملنا ومهما تحدثنا عن أفضاله فالكلمات وكل فنون التعبير تقف اليوم عاجزة. آه من فقد حبيب كم لنا معه من فيض عواطف أجاد بها حسا ومشاعر فكان المجذوب كنز العواطف وقمة المشاعر الرقيقة ا! أكرمنا كلنا إخوة من غير تفضيل، كان يحبنا من قلبه، يفرح لنجاحاتنا ولتواجدنا معه وكان ينعم علينا بالهدايا الراقية خلال المناسبات السعيدة. أذكر منها ساعات الروليكس والأوميغا ( وأنا لا أزال احتفظ إلى اليوم بساعتي أوميغا السويسريه أهدانيها وأنا طالباً بجامعة بغداد) . وبعد تخرجي أهداني سيارة إنجليزية ماركة هنتر لونها فاقع حمراء تسر الناظرين وأنا طبيب إمتياز بمستشفى الخرطوم. وللأخ مجذوب أفضال كثيرة وإنفاق بلا حدود وتصدق فى الخفاء على أمم مختلفة الأعراق والأماكن لا نعرفها ولا تمت لنا بصلة رحم أو قرابة. أذكر وأنا بالصف الثاني بالمدرسة الثانوية سافرت ضمن جمعية الفنون إلى غرب السودان ( الأبيض والدلنج ونيالا وجبل مرة). فى سوق نيالا قالوا لنا يوجد دكان جلابة جعليين من بلادكم . عندما زرناهم كانت المفاجأة أنهم يعرفون شقيقي مجذوب ففرحوا بقدومنا واكرمونا بالكراتين المعباة بالزاد خلال رحلتنا تلك ، منهم أذكر الإسم حامد الدقوني وشقيقه هاشم
شرفني وأخي د. بابكر فى العراق وانا فى نهاية الصف الخامس بكلية طب جامعة بغداد فكانت أياماً جميلة زار فيها العتبات المقدسات وبعدها زارني مرتين فى الإمارات ومرتين فى المملكة المتحدة. كانت سعادتي لا توصف عندما تجمعنا من حين لآخر رياح الصبا النجدية مواسم الحج ونلتقي هناك صحبة ممتعة تمتد حتى تنتهي بالمدينة المنورة. وستهتز مشاعري كلما قدمت تلك المواسم يا أخي المجذوب وبالتأكيد سأذكر صحبتك الكريمة اللطيفة ، وأنا أسطر الليلة هذه الكلمات جالت بي كعادتي خواطر شتى وتجوال هنا وهناك كان معك و “تذكرت يا خلي ليالي مبيننا بمسجدها والقوم باكي وذاكر
تذكرت تردادي بين روضة وساعات الوقوف تجاهه أنت كنت معي حاضر” ، رحمة الله عليك وعلى الشيخ المجذوب قمر الدين
عصر هذا اليوم الجمعة التاسع عشر من شعبان الموافق الثاني من شهر ابريل 2021 وبالعناية المكثفة فى مستشفى فضيل حوالي الساعة الرابعة والنصف تعطرت السموات بروح الشيخ الصالح العابد المتبتل مجذوب عبدالمحمود العربي لتلقى بإذن الله ربها راضية مرضية ومسبحته بيده اليمنى لا تزال بيده كان يقوم بأداء ورده اليومي ” الصلاة على النبي ولا إله إلا الله ” . كان حاضراً إبننا محمد الطاهر فقال لى والله مات وكان مبتسماً! فالرجل الصالح يرى الجنة أمامه عند الموت. هكذا كان القدر الموعود قد حكم “يا قلب كفاك ويا روح هذا موعدك”!. هكذا قد غادر الفانية شيخنا وحبيبنا ووالدنا فى يوم مبارك هو يوم الجمعة وعصر مبارك كان بالنسبة له ميعاد ذكره “عصر كل يوم حتى مغيب الشمس” لكنه اليوم قد سبق مسرعا ً مغيب شمسه للقاء ربه الذي أحبه وأطاعه و أيضا للقاء نبيه الذي هام بحبه وأدب مدحه.
اللهم نحمدك فالموت حق والحياة رحلة جداً لقصيرة فى عمر الزمان. أما الدنيا وإن تفتحت أبوابها أغراءاً لنا فإن نعيمها ما هو إلا عرض زائل . أما الحياة ما هي إلا رسالة سامية وعطاء ليفيد فى الدنيا كل الناس وزاد للآخرة يفيد ذوي الإيمان وعلينا ان نتذكر أن لهذه الرحلة نهاية عند نفق الفناء الذى يختفي فيه القطار الذي تتحكم مسرعة به كف القدر. ياربي أرفق بشقيقنا وشيخنا ووالدنا وصديقنا وحبيبنا عبدك الشيخ مجذوب عبدالمحمود و إبن زينب بنت الطاهر بن الربيع ، اللهم أغفر له وارحمه واجعل الفردوس الأعلي مسكنه والكوثر الفياض مشربه . اللهم لا تفتنا بعده ولا تحرمنا أجره. اللهم اجعل البركة فى ذريته واجمعنا جميعاً على كلمة التوحيد وخلق ونصائح الأخ المجذوب وان نسير على دربه متواصين بالحق والصبر حتى نلقاه. العين تدمع والقلب يحزن وإنا والله على فراقك يا المجذوب لمحزونون. كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. إنا لله وإنا إليه راجعون
(٢) ألا رحم الله شقيقي د. بابكر عبدالمحمود
لحكمة يعلمها الله تأخر نشر عزائي فى الشيخ مجذوب وفي خلال أقل من اربعة وعشرين ساعة يلحق به إلى الرفيق الأعلى اليوم السبت الساعة الحادية عشر صباحا شقيقي الثاني الطبيب بابكر عبدالمحمود والد دكتور ياسر وسارة ومحمد وعادة ومحمود. كانت لنا صدمة وتعجز الكلمات عن وصفها. أبوبكر تخرج من جامعة القاهرة كلية طب القصر العيني وعمل فى مجال طب العائلة بمركز صحة شرطة أبوظبي سنين عديدة . عاد نهائيا ليستقر بين الأهل وليمارس مهنة الرعاية الأولية التي تحتاجها البلاد ولكن جاءت جائحة الكوفيد لتعطل مشروعه الذي خطط له المكان والموقع المناسب. لكن ولله فى خلقه شؤون وله تقدير وحسابات فكان نصيب شقيقنا بابكر من الإصابة بالكوفيد -١٩ ما فعل فعلته وكانت الفاجعة الكبري برحيله إلى جوار ربه. ذادت المصيبة من حرننا وإذ نودعه نودع أخاً كريما طيب المعشر حسن الخلق والسلوك ذكياً وموفقاً فى عمله كطبيب يجيد التشخيص السريري والعلاج الناجع. كان ثقة كل شرطة إمارة أبوظبي وأشادوا بحسن معشره وانضباطه. علم الابناء خير تعليم وعمر لهم أجمل الدور . اليوم سافر ولكنه ترك من خلفه سمعة طيبة وترك زوجة صالحة وأبناء بررة وقفوا ساهرين حوله طيلة مرضة بالعناية المكثفة بمستشفى الرويال كير .تم دفنه بمقابر فاروق اليوم جوار شقيقنا الشيخ مجذوب
الفقد عظيم والمصاب جلل ولا نقول إلا الحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم اغفر له وارحمه واسكنه مع الشهداء والصديقين فى أعلى جنات الفردوس. اللهم اجعل البركة فى ذريته . اللهم لاتفتا بعده ولا تحرمنا أجره
أعزائي القراء الكرام النصيحة لوجه الله:
كفانا الله وإياكم شر الكورونا التي هي فيروس جداً قاتل. هكذا أخذت عزيزين من أسرتنا فى لمحة بصر . الكورونا حقيقةً علمية وخطورتها مثبتة اذا يجب إتخاذ كل تدابير الوقاية والحيطة والحذر وعلى الدولة أن تفرض سيطرتها إن كان الناس لا يهتمون ولا يلتزمون