أطفال السودان في رمضان.. طفولة سرقتها الحرب

منتدى الإعلام السوداني: بورتسودان، مدني، 18 مارس 2026 (سودان تربيون)- لم تكن آمنة محمد تتخيل أن يأتي رمضان يومًا وهي تحاول إقناع أطفالها بأن القليل من الطعام يكفي للإفطار. نزحت آمنة مع أطفالها الثلاثة من منزلهم في الخرطوم قبل ثلاث سنوات، بعد اشتداد القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، لتجد نفسها في أحد مراكز الإيواء بمدينة بورتسودان، حيث تغيرت ملامح الشهر الكريم تمامًا بالنسبة لأطفالها.
تقول آمنة بصوت يختلط فيه الحزن بالصبر: “كان أطفالي ينتظرون رمضان كل عام لشراء الفوانيس والملابس الجديدة، لكن هذا العام لا نفكر إلا في توفير الطعام. أحيانًا لا نجد ما يكفي للإفطار.

وتضيف أن أطفالها يقضون معظم وقتهم داخل مركز الإيواء، في ظل غياب أماكن آمنة للعب أو الدراسة، بينما تحاول التخفيف عنهم قدر الإمكان رغم قسوة الظروف.
تُجسد قصة آمنة جانبًا من واقع آلاف الأسر السودانية التي تغيرت حياتها بسبب الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، والتي دفعت ملايين الأشخاص إلى النزوح داخل السودان أو اللجوء إلى دول الجوار.

ويُعد الأطفال والنساء أكثر الفئات تضررًا من النزاع، حيث تعرض الأطفال للعنف والحرمان من التعليم والرعاية الصحية والتجنيد في الجماعات المسلحة، فيما ارتُكبت جرائم عنف جنسي على نطاق واسع بحق النساء.

وتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إلى أن ملايين الأطفال في السودان تأثروا بشكل مباشر بالحرب، سواء عبر النزوح أو فقدان الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية. وتحذر المنظمة من أن استمرار النزاع وتدهور الأوضاع الإنسانية يهددان مستقبل جيل كامل من الأطفال.

في الظروف الطبيعية، يرتبط رمضان في السودان بعادات ينتظرها الأطفال بشغف، مثل المشاركة في إعداد موائد الإفطار، واللعب في الأحياء بعد صلاة التراويح، وتبادل الزيارات بين الأسر والجيران. لكن هذه الأجواء تلاشت بالنسبة لكثير من الأطفال الذين يعيشون اليوم في مراكز النزوح أو مناطق تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات.

في ولاية الجزيرة، التي استقبلت أعدادًا كبيرة من النازحين خلال الحرب، تقول فاطمة عبد الله لسودان تربيون، وهي أم لطفلين، إن أطفالها يواجهون صعوبة في التكيف مع حياتهم الجديدة.
وتوضح: “قبل الحرب كانوا يذهبون إلى المدرسة ويلعبون مع أصدقائهم في رمضان بعد التراويح، لكن الآن يقضون اليوم في مركز الإيواء دون دراسة أو أنشطة.”

وتتفاقم معاناة الأطفال مع تدهور الأوضاع الغذائية في البلاد، حيث تحذر تقارير برنامج الأغذية العالمي من أن ملايين السودانيين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، ما يجعل الأطفال أكثر عرضة لسوء التغذية، خاصة في مناطق النزوح التي تعاني نقص الإمدادات الغذائية.
وفي إحدى مناطق النزوح في دارفور، يقول محمد آدم، وهو أب لأربعة أطفال، إن توفير الطعام خلال رمضان أصبح تحديًا يوميًا.
ويضيف: “أطفالي يسألونني أحيانًا لماذا لا يوجد طعام كافٍ مثل السابق. نحاول أن نصبرهم، لكن الظروف صعبة.”

تدهور أوضاع الأطفال
قال الأمين العام لـ المجلس القومي لرعاية الطفولة عبدالقادر أبو إن الأطفال في السودان يواجهون أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة على صعيد الغذاء والصحة، خاصة في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، نتيجة تعطل وصول الإمدادات الطبية والغذائية إليها.

وأوضح عبدالقادر أبو في تصريح خاص لـ”سودان تربيون” أن إغلاق الطرق وتعطل حركة الإمدادات بين الولايات أدى إلى نقص حاد في الخدمات الصحية والغذائية، ما انعكس بصورة مباشرة على أوضاع الأطفال.

وأشار إلى أن آثار الحرب المستمرة منذ نحو ثلاثة سنوات أدت إلى تفاقم معاناة الأطفال، مبينًا أن نسبة المتأثرين بالأزمة الصحية والغذائية والتعليمية تصل إلى نحو 85% في عدد من الولايات، سواء في المناطق الآمنة أو تلك المتأثرة بالنزاع.

وأضاف أن الحرب ألقت بظلالها الثقيلة على قطاع التعليم، حيث رصد المجلس ارتفاعًا كبيرًا في معدلات الانقطاع عن الدراسة، إذ أن أكثر من 85% من الأطفال يعانون من توقف العملية التعليمية لفترات طويلة، فيما بلغ حجم الفاقد التربوي نحو 3 ملايين طفل.

وكشف عبدالقادر أبو عن أرقام رصدها المجلس بشأن أوضاع الأطفال خلال الحرب، مشيرًا إلى تسجيل أكثر من مليون و13 ألف حالة وفاة بين الأطفال بسبب سوء التغذية، إضافة إلى نحو ألف حالة وفاة نتيجة الجوع، بينما بلغ عدد الأطفال المفقودين 700 طفل.
كما أشار إلى أن نحو مليون طفل قُتلوا نتيجة المشاركة في القتال، فيما بلغ عدد الجرحى 315 طفلًا، بينما رصد المجلس تجنيد نحو مليون و160 ألف طفل في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.

وأضاف أن الحرب أدت إلى نزوح أعداد كبيرة من الأطفال، حيث بلغ عدد الأطفال النازحين نحو مليوني طفل، فيما وصل عدد الأطفال اللاجئين في دول الجوار إلى مليون و115 ألف طفل.

وأوضح أن المجلس رصد كذلك 825 طفلًا مشرّدًا، و313 طفلًا تائهين عن أسرهم خلال النزوح.
رعاية الأطفال المتأثرين بالحرب
وأشار أبو إلى أن المجلس يعمل بالتنسيق مع شركائه على معالجة أوضاع الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية، موضحًا دمج 101 طفل في أسر كافلة بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف).

وأضاف أن عدد الأطفال فاقدي الرعاية الأبوية الذين تم رصدهم بلغ 198 طفلًا، بينما جرى نقل 313 طفلًا من الخرطوم إلى مدني ثم إلى كسلا، حيث دمج 302 طفلا منهم في أسر كافلة تحت إشراف الحكومة.

وأوضح أن المجلس نفذ تدخلات إضافية بالتعاون مع شركائه، شملت دمج مجموعة أولى تضم 101 طفل في ولايتي كسلا ونهر النيل، إلى جانب دمج 51 طفلًا في منطقة حطاب بالتنسيق مع القوات المسلحة وإدارة حماية الأسرة والطفل وعدد من المنظمات المدنية.

وأشار إلى أن المجلس يواصل رصد أوضاع الأطفال في المناطق التي تم استعادتها مؤخرًا وأصبحت تحت سيطرة القوات المسلحة.
برامج دعم صحي

وأوضح أبو أن المجلس يعمل على تنفيذ برامج دعم صحي للأطفال فاقدي الرعاية، بالتعاون مع ديوان الزكاة ووزارة الموارد البشرية وهيئة التأمين الصحي.

وأضاف أن هذه البرامج تشمل توفير بطاقات تأمين صحي مستدامة للأسر الكافلة للأطفال، بواقع ثلاث بطاقات صحية لكل أسرة، تتحمل الحكومة بموجبها كافة تكاليف الرعاية الصحية للأطفال المكفولين.

ويحذر باحثون في مجال علم الاجتماع من أن استمرار الحرب والنزوح لفترات طويلة قد يترك آثارًا عميقة على الأطفال نفسيًا واجتماعيًا.

الآثار النفسية للحرب.
من جانبها، حذرت الخبيرة في الشأن الاجتماعي د. نجلاء عبد المحمود أحمد من أن الحرب والنزوح خلال شهر رمضان يتركان آثارًا نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال.

وأوضحت نجلاء عبد المحمود في حديثه لسودان تربيون أن رمضان في المجتمع السوداني يرتبط عادة بعادات اجتماعية وأنشطة جماعية تمنح الأطفال شعورًا بالانتماء والفرح، مثل التجمعات العائلية واللعب مع الأصدقاء بعد صلاة التراويح، غير أن الحرب والنزوح حرما كثيرًا من الأطفال من هذه التجربة.

وقالت إن فقدان المنزل والمدرسة والبيئة الاجتماعية المألوفة قد يخلق شعورًا بالعزلة وعدم الاستقرار لدى الأطفال، كما قد يؤثر على نموهم النفسي والاجتماعي على المدى الطويل.
وأضافت أن دور الأسرة والمجتمع يظل أساسيًا في التخفيف من هذه التأثيرات، من خلال الحفاظ على بعض الطقوس الرمضانية البسيطة وخلق بيئة آمنة للأطفال قدر الإمكان، حتى في ظل ظروف النزوح والحرب.

لكن بالنسبة لكثير من الأطفال، يبقى رمضان هذا العام مختلفًا تمامًا عما عرفوه في السابق، إذ اختفت مظاهر الفرح البسيطة التي كانت تملأ أيامهم، لتحل محلها حياة قاسية فرضتها الحرب والنزوح.

وبينما يواصل السودانيون صيامهم في ظروف استثنائية، يبقى الأمل معقودًا على أن تتوقف الحرب يومًا، ليعود الأطفال إلى مدارسهم وأحيائهم، ويستعيد رمضان معناه الحقيقي في حياتهم.

ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد (سودان تربيون) لتعكس الواقع المأسوي للأطفال السودانيين في ظل الحرب المندلعة لثلاث سنوات. وترصد المادة أرقاما صادمة عن حياة الأطفال، إذ وصلت نسبة الأطفال المتأثرين بالأزمة الصحية والغذائية والتعليمية إلى نحو 85% في عدد من الولايات، سواء في المناطق الآمنة أو تلك المتأثرة بالنزاع. فضلا عن نسبة مماثلة في معدلات الانقطاع عن الدراسة، ما أوصل الفاقد التربوي إلى 3 ملايين طفل.

في السياق نفسه تكشف المادة عن تسجيل أكثر من مليون و13 ألف حالة وفاة بين الأطفال بسبب سوء التغذية، إضافة إلى نحو 1000 حالة وفاة نتيجة الجوع، بينما بلغ عدد الأطفال المفقودين 700 طفل. أيضا، هناك نحو مليون طفل قُتلوا نتيجة المشاركة في القتال، فيما بلغ عدد الجرحى 315 طفلًا، بينما رصد مجلس مختص تجنيد نحو مليون و160 ألف طفل في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.

تقول المادة إن الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع أدت إلى نزوح ما يصل إلى مليوني طفل، فيما وصل عدد الأطفال اللاجئين في دول الجوار إلى مليون و115 ألف طفل. فضلا عن تشرد 825 طفلًا و313 طفلًا تائهين عن أسرهم خلال النزوح.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

في اليوم العالمي للمرأة.. 643 امرأة محتجزات في سجن (كوريا) بمدينة نيالا.. ما مصيرهن؟

منتدى الإعلام السوداني: صباح محمد آدم : الخرطوم، 7 مارس 2026، (مركز الألق للخدمات الصحفية)- …