أغاني وأغاني… الغناء فوق الجرح

وربما لا نطلب من الغناء أن يُنقذ وطنًا،
يكفينا أن يُنقذ معنى الوطن فينا. فحين تُغنّي الذاكرة لا تموت البلاد، بل تنتظر

د, احمد التيجاني سيد احمد ٢٢ فبراير ٢٠٢٦ روما ايطاليا

في زمنٍ صارت فيه الحرب بلا معنى،
حربٍ جاءت استجابةً لفتوى اخوانية كيزانبة فجّة: يا نحكمكم… يا نقتلكم،
يطلّ برنامج «أغاني وأغاني» لا بوصفه ترفيهًا رمضانيًا،
بل كفعل بقاءٍ ثقافي،
ومحاولة واعية لإنقاذ ما تبقّى من الذاكرة السودانية
من تحت ركام الخراب.

لم يعد البرنامج مجرّد احتفاء بالأغنية،
بل صار نافذةً مفتوحة على جرحٍ جماعي،
وجلسة استماع صادقة أمام الذات،
في بلدٍ تتفتّت أيامه
كما يتفتّت الخبز في يد الجائع.

في هذا السياق،
ويجيء حضور الصديق البارع، المثقّف الحنون، مصعب الصاوي.
لا يتقدّم كمؤرّخٍ أو مقدّم برامج يبحث عن الضوء،
بل كوسيطٍ هادئ
بين الغناء والمغنّين،
وبين الغناء نفسه.
يتهادى بحذر من يعرف
أن الصوت العالي لا يداوي الألم،
وأن الطرب الحقيقي
لا يحتاج إلى استعراض.

الأغنيات في «أغاني وأغاني» اليوم
ليست كما كانت.
كلّها جراح.
كلّها قروح مفتوحة.
لكن المفارقة — على نحوٍ مدهش —
أنها سريعة الرتق.
لا لأنها تنكر الألم،
بل لأنها تعترف به،
وتضعه أمامنا بلا رتوش.

نحن، السامعين،
لا نخرج من الحلقات منتشين،
بل متذكّرين.
نمضي سائلين،
ونجلس كأننا أمام
نوافذ اعترافٍ جماعي.
نحن السامعين، لا يغيب عن أعيننا ولا عن مسامعنا
ما أحاق بشباب وشابّات السودان من قتلٍ وإبادة،
ولا ما خلّفته الحرب من فجيعةٍ مفتوحة
في الذاكرة والوجدان.

نستعيد عبر الأغنية
ما تفرّق مثل دقيق الحلاّج.
وليس بعيدًا عن هذا المعنى قول الشاعر أبي العلاء المعرّي:
«إنَّ حظّي كدقيقٍ فوقَ شوكٍ
بعثروهُ… ثم قالوا لحفاةٍ يومَ ريحٍ: اجمعوه»؛
صورةٌ قديمة لاستحالة الجمع بعد التبعثر،
تستعاد اليوم لا بوصفها بيت شعر،
بل وصفًا دقيقًا لما فعلته الحرب بالناس والذاكرة.

ولا تقف الذاكرة الغنائية عند مقامٍ واحد،
بل تتعدّد إيقاعاتها كما تتعدّد الجغرافيا:
إيقاعات الحصاد حول التمور في مروي،
وأنغام السهول في طوكر حين يلتقي العمل بالغناء،
ونغمات الوازا في النيل الأزرق
حين يتحوّل النفخ في القرون إلى نداءٍ جماعي للحياة.
إيقاعاتٌ نسمّيها بأسمائها،
لا لتصنيف الناس،
بل للاعتراف بثراء المكان
ووحدة الوجدان.

وينك يا طرب؟
السؤال حاضر،
لكن الإجابة تأتي بهدوء:
الطرب هنا…
ليس ضحكًا ولا صخبًا،
بل قدرة الغناء
على أن يبقى حيًّا
وهو واقف فوق الجرح،
لا هاربًا منه.

ومن بين هذه العتمة الثقيلة،
يتسلّل أملٌ خجول،
يأتي على استحياء،
لا يعد بانتصارٍ قريب،
لكنه يذكّرنا فقط
بأن هناك أيامًا قادمات؛

أيامٌ
يتعانق فيها الدليب مع المردوم،
وتنبسط سهول كردفان
ليرقص فوق رمالها
حملة الطار
والطنبور النوبي،
ويركض في ساحاتها
فرسان دارفور،
ومصارعو جبال النوبة.

وربما لا نطلب من الغناء
أن يُنقذ وطنًا،
يكفينا أن يُنقذ
معنى الوطن فينا.
فحين تُغنّي الذاكرة،
لا تموت البلاد،
بل تنتظر.

د. أحمد التيجاني سيد أحمد روما – إيطاليا ٢٢ فبراير ٢٠٢٦
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

دروس من تجارب رواندا وأوغندا في تحويل العمل الإنساني إلى مدخل للاستقرار

«لا يبدأ السلام حين تصمت البنادق، بل حين يصل الغذاء والدواء إلى من أنهكتهم الحرب.» …