أغنية سميرة وين الله
إختلاف الروايات الشفاهية وتعدد الاصوات الغنائية
خالد البلولة
تروي الروايات الشفاهية في إقليم النيل الأزرق أن أغنية “سميرة وين” نظمها أحد الطمبارة في امرأة تُدعى سميرة، كانت تعمل معلمة في برامج محو الأمية وتعليم الكبار بمدينة الروصيرص. انتقلت لاحقًا إلى منطقة قلي، الواقعة غرب الدمازين بجنوب الفونج، حيث واصلت رسالتها التعليمية. تزوجت من ابن خالتها، وهو ممرض كان يعمل بمستشفى الروصيرص. وتؤكد بعض الروايات أنها لا تزال على قيد الحياة، تقيم في الحي الشرقي بمدينة الروصيرص والطمبارة هم جماعة تؤدي الغناء الشعبي بشكل جماعي، يتميزون بارتداء الجلاليب البيضاء،ويحملون عصيًّا تحت آباطهم في طقس غنائي فريد. ومن أشهر الطمبارة في المنطقة الشيخ دوكة وشقيقه عبد الرحمن حجر الذي عمل مساعدًا صيدليًا (رحمهما الله).
تعددت الأصوات التي أدت هذه الأغنية، التي ولدت من وجدان النيل الأزرق، وبدأت بمطلعها الشهير:
جنّنونا بالخُضار، يا الله…”
كل مؤدٍّ أو راوٍ أضاف إليها شيئًا من تجربته، مما أكسبها طابعًا شعبيًا متعدد الطبقات. وغدت “سميرة” أغنية تتناقلها المناطق والأجيال، يتغنى بها فنانون من خلفيات متنوعة، ما جعلها جزءًا من الذاكرة الثقافية السودانية المتجددة. ومن أبرز من تغنوا بها الفنان قسم إسماعيل من مدينة الروصيرص ويبدأ الاغنية بالمطلع التالي :
سميرة أنا ابقى ليك تلفون
سميرة في المدرسة ام جملون
سميرة السكنوك جنوب الفونج
لم تقف أغنية “سميرة” عند حدود روايتها الأولى، بل وجدت طريقها إلى ذاكرة الفنانين من أقاليم مختلفة، كلٌّ منهم أضفى عليها روحه الفنية، فغدت الأغنية حقلًا حيًا للتجريب والتجديد. من بين هؤلاء، الفنان صديق عباس،القادم من كردفان، والذي قدّم نسخته بأسلوب مميز، بدأها بمقدمة موسيقية طويلة، مزج فيها الإيقاعات السودانية التقليدية مع آلات غربية مثل الساكسفون والكلارنيت، مانحًا كل آلة مساحة واسعة في المطلع، لخلق حالة مزاجية تنقل المستمع إلى مناخ الأغنية وقد استهلها بأبيات غنائية جديدة يقول فيها:
بنية يا الصندل الليّون… ديل كهارب ولا عيون
ديل كهارب ولا عيون… السكنوك جنوب دارفور
أما الفنان عز الدين مزمل، الذي نشأ وترعرع في العباسية تقلي بـجبال النوبة، فقد تعامل مع الأغنية بوصفها من مكونات الفلكلور الشعبي لمنطقة الفونج، مؤكدًا على امتدادها الثقافي، وقد بدأ نسخته بمقطع شعبي يقول فيه:
جنّنونا بالخُضار يا ناس
سنجة وين يا ناس
السفروك جنوب الفونج
بهذا التعدد في الأداء والمرجعيات، أثبتت أغنية (سميرة) أنها أكثر من أغنية عاطفية عابرة، فهي مرآة للتحولات الجمالية والتداخل الثقافي في السودان، ومثال حيّ على كيف يمكن للأغنية الشعبية أن تتجاوز محليتها لتصبح روافدَ متعددة تصب في نهر واحد من الإبداع الجماعي.
روايات متعددة :
يقول أحد أعيان مدينة الروصيرص – فضل حجب اسمه – إن أول من تغنّى بأغنية سميرة جننونا بالخُضار الفنان قسم علي إسماعيل، الذي قدّمها بصوته وعزفه على آلة العود، لتلقى صدى واسعًا بين الجمهور المحلي، قبل أن تنتقل إلى أصوات فنانين آخرين في المدينة.
وقد ساهم في انتشار الأغنية على نطاق أوسع سائق الكومر التابع لمفتش المركز بمدينة الروصيرص، وكان ذلك بتنسيق من كل من العم أحمد الحاج والعم أحمد بيلو، اللذين لعبا دورًا مهمًا في إيصال الأغنية إلى عدد من الفنانين المحليين. وبهذا وجدت الأغنية طريقها إلى وجدان أهالي الروصيرص، وانتقلت من شفاه مؤلفيها ومبدعيها المجهولين إلى ألحان العازفين وأصوات المطربين، لتظل حاضرة كجزءٍ من التراث الفني والشعبي للمنطقة ومحيطها.
ورغم انتشارها الواسع، تعدّدت الروايات حول أصل الأغنية. ومن بين تلك الروايات،أن الأغنية نظمها طمباري (وهو شاعر شعبي ينظم الشعر ويغنيه في حلقات جماعية) من منطقة أب رماد جنوب الفونج، في معلمة تُدعى سميرة، كانت تعمل ببرامج محو الأمية وتعليم الكبار، وعملت لفترة في مدرسة الروصيرص الابتدائية للبنات. لاحقًا، تزوجت سميرة من جندي يعمل في القوات المسلحة، وانتقلت معه إلى مدينة القضارف، حيث أقامت في حي سلامة البي كما ورد في الاغنية.
وبحسب هذه الرواية، كتب الطمباري الأغنية متأثرًا بلحظة وداعها، عندما غادرت الروصيرص بالقطار، فجاء النص شِعريًا ومشحونًا بالحنين والمناجاة، واستحضر فيه مشاهد من خط سيرها عبر سنجة و سنار إلى القضارف، مارّةً بـكوبري خزان سنار، وجاء في بعض أبياتها:
جننونا بالخُضار يا الله
سنجة وين يا ناس
السفروك جنوب الفونج
سميرة يوم قمت من سنار
سميرة أنا قلبي ولّع نار
سميرة أمري كلّه ودار (ضياع)
وفي رواية أخرى تبدو أكثر تماسكا يؤكد الباحث في تراث منطقة النيل الازرق ،د.أمير النور أن أغنية سميرة كتبها شاعر معروف هو دفع الله موسى من قرية الديسة الواقعة شمال الدمازين وقد نظمها في فتاة حسناء تُدعى سميرة تسكن قرية الديسة قبل أن تنتقل إلى مدينة القضارف بعد زواجها وتستقر في حي سلامة البي.
جنّنونا بالخُضار يا الله
سميرة.. وين يا الله
سكنوك سلامة ليّ يا الله…
ويضيف د.أمير أن أول من تغنى بالأغنية من الفنانين الفنان صالح محمد حوية،أحد أبرز فناني مدينة الروصيرص،وذلك عام 1979،وقد قام صالح حوية بتعديل لحن الأغنية،مستعينًا بخبرته في غناء الطمبارة، ليمنحها لحنًا دائريًا يشبه ألحان أغاني الحقيبة،حيث يتكرر فيه المقاطع دون وجود علامة،وهذا النوع من التلحين يكون (دائريا) ترديد ما يقوله المغني،موسيقيا وقد منح الأغنية طابعًا شفيفًا وسهلًا جعلها قريبة من اذن المستمعين باختلاف خلفياتهم المعرفية والثقافية.وبعد أن تغنى بها صالح حوية وذاع صيتها،انتقلت الأغنية سريعًا إلى بقية فناني مدينة الروصيرص،ومن أبرز الذين تغنوا بها الفنان قسم علي إسماعيل،الذي أدّاها بصوته الشجي، على ألة العود وأسهم في نشرها داخل المدينة وخارجها ويعد أول من سجلها في التلفزيون القومي السوداني.
سميرة أنا أبقى ليك تلفون
سميرة في المدرسة أم جملون
سميرة السكنوك جنوب الفونج.
وجهات نظر من مختصين:
يعرف د.خالد فرح الطمبرة في مقالة نشرت بموقع سودانايل بتاريخ (2017.12.4) الطمبرة بأنها نوع محدد من الغناء يؤديه مغنٍ منفرد بمصاحبة جوقة من المؤدين يسمونهم (شيَّالة) مع التصفيق باليدين بطريقة معينة تُعرف بالبرقلة أو البرقال، وإصدار أصوات حمحمة أو همهمة معينة من الحلق.ويضيف د.خالد فرح أن الطنبور الكردفاني منتشراً وممارساً بين قبائل شرق ووسط كردفان،وعلى رأسها قبيلة الجوامعة الذين خلَّدوا حاضرتهم “أم روابة”في واحدة من أشهر أغنيات الطنبور التي وجدت حظها من الظهور والانتشار على نطاق السودان بأسره، ألا وهي أغنية ما دوَّامة” التي أداها المطرب الراحل “إبراهيم موسى أبا وهو قوله:
بركب ام كركابة
بدلَّى في ام روابة
النهيد الطاعن دابا
جنني وجنن العزَّابة
يقول الباحث الاستاذ إبراهيم الدلال أن هذا الضرب من الغناء يسمونه الاغنيات الشعبية المفتوحة ويكون الاداء فيها جماعيا وكل يضيف الى النص حسب ما اتفق ومن هذا الضرب من الاغاني ،اغنية (سمسم القضارف) الرائعة التي الفها ولحنها لفيف من عمال الزراعة والدندارة من دار حامد والمجانين ،وانتشرت بصوت المطربة عائشة الفلاتية ،في هذه الصور نلمح شاعرية فطرية عالية،تُضاهي أوصاف الشعراء الكبار،لكنها تنبع من وجدانٍ شعبي بسيط، وتعبّر عن مشاعر صادقة خالية من التكلّف.
وعن التاليف الموسيقي واللحني يقول د. عبد الحليم شيخ الدين أستاذ الموسيقى بكلية الموسيقى والدراما سمعت الاغنية بصوت فنان من منطقة النيل الازرق،وهي على ايقاع التمتم وتعد من الاغنيات الشعبية المجهولة المؤلف. ويضيف د. الصافي مهدي استاذ الموسيقى بكلية الموسيقى والدراما والمشرف على كورال الكلية :اذا عقدنا مقارنة بين اداء الفنان قسم على اسماعيل وأداء الفنان صديق عباس للاغنية ،نجد ان لحن الاغنية عند الفنان قسم يعتمد مطلع وكوبليه على ايقاع التمتم ويبدو الاداء تقليديا،وعند الفنان صديق عباس استخدم ايقاع الكرن وحاول يبدا بمقدمة موسيقية وما يعرف بلحن السينو ،ويقصد بها تكرار اللحن.وبدا عند صديق عباس اكثر حيوية.
فكرة واحدة وأصوات متعددة:
يُعد الفنان صديق عباس من أبرز الذين تغنّوا بأغنية (سميرة وين) وساهم في تسجيلها للإذاعة السودانية،ما أسهم في انتشارها على نطاق قومي،وقد أضفى عليها طابعًا موسيقيًا مميزًا بتغيير الإيقاع إلى إيقاع الفرنقبية، وهو إيقاع تقليدي شائع في منطقة غرب كردفان،خاصة في دار حمر بـالنهود، ويمتد إلى أبو زبد،الاضية، وبعض مناطق جنوب دارفور مثل بابنوسة والمجلد. وأشار صديق عباس إلى منطقة جنوب دارفور ضمن أدائه للاغنية ولا يستبعد الباحث د. خالد فرح أن يتغنّى صديق عباس بأغنية سميرة، نظرًا لأن إيقاع الطمبرة معروف أيضًا في دار حمر وفي عموم إقليم كردفان، مما يُعزز من احتمالية تبنّي فنانين من هذه المناطق للأغنية. هذا التداخل الثقافي والفني يُؤكد أن الأغنية الشعبية في السودان،أغنية مرنة وقابلة للتشكّل وفق السياق الجغرافي والثقافي، حيث تعيد كل منطقة إنتاج الأغنية بطريقتها الخاصة، دون أن تُفقدها هويتها الأساسية.
في سنجة قال لي جنيت
في سنجة دقوا لي القيد
سميرة سببي الغرام والريد.
السكنوك جنوب دارفور
وتغني بها الفنان عز الدين مزمل في لقاء اذاعي في العام 1978 وهو من الفنانين الذين ظهروا في حقبة السبيعينات وعرفها في اللقاء بانها من أغنيات الفلكور الشعبي في منطقة الفونج وهو أحد الأصوات التي قدّمت الأغنية بإحساس مختلف،محافظًا على روحها الشعبية:
سنجة وين ويا ناس
بنية يا الصندل الليون …
دي كهارب ولا العيون
بنية ديل فضة ولا سنون
ويستمر الشاعر الطمباري وصف محبوبته (سميرة) بأنها مثل المحلب أبو درفون وهو حبوب صغيرة تشبه الفلفل الأسود،ذات رائحة ذكية،كانت تُستخدم في العطور البلدية التي تعد للعرسان في الزواج في ذلك الزمان ويتساءل الطمباري مغرما من حسن (سميرته) التي تتمتع بعيون فاتنة وسنون براقة خلبت لبه وسحرت قلبه على حد وصفه:
سميرة دي المحلب الدرفون
سميرة ديل كهارب ولا عيون؟
سميرة ديل فضة ولا سنون ؟
كما وصف أسنانها البيضاء اللامعة التي تشبه الفضة في لمعانها وبريقها:(سميرة ديل فضة ولا سنون؟). ويشابه وصفه لجمال(اسنان) محبوبته وصف عنترة بن شداد لجمال محبوبته(عبلة) رغم بساطة تعبير الطمباري:
ولقد ذكرتك والرماح نواهِلٌ مِني
وبيض الهند تقطر من دم
فَوَدِدْتُ تَقْبِيلَ السُّيُوفِ لأَنَّهَا
لَمَعَتْ كَبَارِقِ ثَغْرِكِ الْمُتَبَسِّمِ
دلالات ومعان:
تحمل أغنية سميرة دلالات ثقافية وقيم اجتماعية متعددة تعكس البيئة السودانية وقيمها،ويمكن تفسير ذلك من عدة زوايا: فهي تعبّر عن حب عفيف وصادق وبشكل صادق ومباشر وبدون تكلف،مما يعكس أهمية التعبير العاطفي في الثقافة السودانية رغم ما قد يحيط بالمجتمع السوداني من قيود اجتماعية، نجد الشاعر يصف محبوبته بأجمل الصفات(العيون الفاتنة،الأسنان البيضاء اللامعة،ورائحة المحلب) ُأظهر قدرة الفن الشعبي على تصوير الجمال بأسلوب بسيط وعميق التأثير ..تحتفي الأغنية بسميرة كرمز للجمال والفضائل،توُظهر الكلمات أن المرأة تحتل مكانة خاصة في ألأغنيات الشعبية مما يعكس الاحترام والتقدير لدورها في الأسرة والمجتمع وتستعرض الأغنية بعض التقاليد السودانية المتجذرة عندما اشارت الي المحلب الدرفون الذي يُستخدم في المناسبات السعيدة كالزواج حينذاك ويبرز اهميته كمؤسسة اجتماعية مركزية في الثقافة السودانية.
تشير الأغنية الي قدر المرأة في التكيّف مع الحياة الجديدة عندما تنتقل من بيئة لاخرى،رغم أنها تنتقل الي بيئة مختلفة عن التي عاشت وترعرعت فيها (القضارف ،جنوب الفونج ،سنجة ،سنار،جنوب دارفور) وتعد جزء من قيم التضحية والتعاون الأسري وتمثل الأغنية جزءًا من فن الطمبرة الذي يُعبر عن الجماعة ويُحيي التراث المحلي ويبرز قيم التضامن الاجتماعي والعمل المشترك في المجتمع السوداني.
dr.khalidbalula@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم