(ولا تيبين؟ ولا آفية ؟ ما شاء الله …. ولا تيبين ؟)
أجلس علي الأرض بالقرب من بئر مهجورة، أحمل في يدي كمية من الحصى و فتافيت الحجارة، أقلبها ، أنقلها من يد لأخري، أتحسسها بأصابعي مرة و أفتتها إلي حبيبات صغيرة مرة ، أقربها إلي عيني أتمعنها جيداً قبل أن أرميها بإهمال علي الأرض.
بالنسبة لي كنت أقوم بفحص يدوي لمعرفة نوع الصخور التي أستخرجت من هذه البئر القديمة علي أمل أن أتعرف علي الطبيعة الجيولوجية تحت سطح الأرض و لكي أضيف تلك المعرفة إلي ما عرفته أثناء تجوالي عن جغرافية المنطقة المحيطة وجيومورفولوجيتها، ثم لأحمل تلك المعلومات و المعرفة لاحقاً لمقارنتها و مطابقتها بما تجود لي به التقارير الهايدروجيولوجية و الخرائط و الصور الجوية الموجودة بالمكتب من إستنارة عسى أن يمكنني ذلك كله من الوصول إلي نتيجة و خلاصة منطقية عن حتمال وجود خزان مياه جوفي في هذا المكان.
أما بالنســـبة للعمدة (أحمد) الذي يجلس فوق تلك الربوة وسط أربعة من رجاله يراقبني عن كثب و يتتبع كل حركاتي و سكناتي ، فإن ما أقوم به ليس إلا بعض من الطقوس و الحركات اللازمة من أجل تفعيل قدراتي الخارقة علي كشف أسرار الأرض و ما تخبيه في باطنها، لذلك ظل في حالة صمت مطبق إحتراماً لقدسية تلك الطقوس الغامضة ….. و ما أن رآني ألقي بالحجارة من يدي حتي جاءني مهرولاً يتبعه رجاله ليســـألني بكل لهفة :
أها بشر يا مهندس ……. إندنا ألمي في أرضنا دا ولا ما إندنا ؟ ؟؟؟؟؟؟
سؤال أعتدت عليه منذ أن قدمت إلي جنوب دارفور قبل أكثر من شهر ، و ظلت و ما زالت مشاعري تتأرجح – و أنا أرد علي السؤال – بين نشوة و سعادة غامرة عندما أبشرهم بوجود الماء في باطن الأرض و بين حزن و ألم عندما – بإجابتي – أضعف و أحيانا أقتل أحلامهم و آمالهم .
و لكم تمنيت لو أن لي عصا موسي أضرب بها الحجر فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا و يعلم كل أناس في دارفور مشربهم.
لم يكن ســــؤال العمدة أحمد إلا نسخة مكررة من ســــــؤال واحد يتكررعلي كل يوم عدة مرات منذ أن قدمت إلي مجلس ريفي عد الغنم.
ألفت ديار بني هلبة و ألفتني. ومن دخل ديار بني هلبة فهو آمن. سهولها ووديانها، غاباتها و أشجارها، دروبها و ، مراحيلها، قراها و أسواقها ، أغنامها و ابقارها و خيلها، ناسها ، رجالها ، شيوخها و فرسانها ، و نساؤها .. وما أدراك ما نســـاؤها
لم يكن في ذلك المكان ذاك الصباح من أحد غيرنا: العمدة أحمد و رجاله، عثمان السائق، و شخصي. تنظر حولك فلا تري غير الأشجار بأشكالها و أنواعها تتخللها دروب متعرجة، دروباً صنعتها الرحلات اليومية لورود الماء و ولملاحقة الأسواق ولرعي البهائم . دروبا صنعتها آثار أقدام رجال و نساء و أطفال يزرعون الأرض مشياً و علي ظهور الدواب بلا كلل أو مللز
من أحد تلك الدروب جاءت. علي ظهر حمارها جاءت. ترد الماء من مكان بعيد لتسقي قريتها الصغيرة. لفت إنتباهها وجود العربة في طريق لا يعرف من وسائل النقل غير الحمير . إمرأة لا تزيد عن العشرين بأية حال. اقتربت نحونا. أوقفت حمارها علي بعد عشرات الأمتار و من علي البعد حيتنا كعادة أهل دارفور:
(ولا تيبين؟ ولا آفية ؟ ما شاء الله …. ولا تيبين ؟)
… انتبهت لوجود العمدة معنا فالتفتت إليه و حرصت علي أن يكون سلامها و تحيتها للجماعة عبره هو – إحتراماً :
(آآبا أهمد… أسبحتو تيبين؟ ……. هييييه…..آفية؟ ما شاء الله.. الله يبارك …) ثم تخصه بالســـؤال عن أبنائه : ( آبا أهمد إيالك ولا تيبين ؟؟ ) و يرد عليها :- (ما شاء الله .. الحمد لله …. إيالك ولا شداد ؟؟؟ ) = (تيبين آبا أحمد … الله يشدك )
ولا يستمر السلام طويلاً كما توقعت و كما تعودت علي ذلك من أهل دارفور، يبدو أن حب الاستطلاع عندها قد جعلها تعجل بإنهاء السلام لتلقي عليه ســــؤالها:
= (آبا أهمد … ولا بدورو ينكتو ليكو بير ؟ )
– (كو … ديل ناس المسه .. بيفهسو لي ألمي ) ……..
و معنى كلامه: ((( لا .. ديل ناس المسح بيفحصوا للماء )))
= واااي … ولا قالة في ألمي أبا أهمد؟
……………… واااي تعني ((( أيواااا ))).
– كو … لسه ما فهســأ .. و لا بيقولي هاجة …………….
= أبا أهمد بشيلي يفهســأ في نالا ؟؟ ……………………
– آآآآآآآ أ …………………….. وتعني لأ
= أبا أهمد .. إد هنا فريقنا كلو بدوري فهس .. ………
و ترجمتها : (العد – البئر – الذي في فريقنا أيضاً يحتاج لفحص يا أبوي أحمد)
ودار جدال طويل بينهما .هي تريدنا أن نذهب لدراسة و فحص بئر قريتهم شبه الجافة و العمدة يرفض طلبها بحجة أن الأرض كلها متشابهة و أن المهندس قد قرر دراسة بئر واحدة لأن ذلك يكفي .
وبرغم أن العمدة كان محقاً وهو يســـتند علي حديثي معه سابقاً بخصوص فحص بئر واحدة، إلا أني لاحظت أن إعتراضه علي طلب المرأة كان بدافع فرض سـلطته وســطوته عليها أكثر منه تنفيذاً لقراري. وكأني به وهو يرفض طلبها يقول لها (بئر العمدة فقط هي التي تفحص .. وإلا فكيف أكون العمدة إذاً) . لذلك تولدت لدي رغبة في أن أنصر المرأة المسكينة وأذهب معها. و كأنها قرأت أفكاري فأرادت أن تمنحني المبرر للتنازل عن قراري السابق فوجهت إلي إســـــتجداءاً (إنت تعال شوفي بي روحك .. شوفي حالنا. شوفي شيابنا وعيالنا كيف أتشانين….) ………….
ما هي الفرحة إذاً …. إن لم تكن تلك التي ارتســــمت علي و جهها و أنا أؤكد لها : ( خلاص انتي اتقدمي نحن بنلحقك )؟؟؟؟؟
و ما هو الزهــو و ما الخيلاء … إن لم يكونا ذلك الأحســـاس الذي ملأها و هي تدخل بلدتها تقود خلفها وفداً يضم… العمدة أحمد بجاهه و المهندس القادم من دار صباح …….. و قد أتيا كرهــاً و طوعـــاً
عد الغنم – جنوب دارفور
kemubarak@yahoo.com
//////////
شاهد أيضاً
الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه
عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم