اليوم المبارك، الحادي والعشرين اكتوبر 2021، خرج كل السودانيين الشرفاء شيباً وشباباً وحتي اطفال رضع وبحماس شديد مشرف وجداً مؤثر خرجت من أعماق وجدانهم رسالتهم السلمية الحضارية للعالم كله يخلدها التاريخ تأكيداً أنهم على عهد الثورة المجيدة لصامدون ومصرين على تحقيق هدفهم الوطني السامي المشروع قانونياً بتنفيذ كل المطالب المرجوة من الوثيقة الدستورية ” حرية، سلام وعدالة عبر حكم ديموقراطي مدني ووطن واحد يسع الجميع “. عباراتهم وهتافاتهم عبر مواكبهم العفوية السلمية المدنية ( غير مشتراه مدفوعة الثمن) أيضاً تبين بوضوح قول المثل “الجواب من عنوانه” وبخروجهم المشرف فى كل مدن السودان لكأنني بهاتف من السماء يقول لآخرين من أعداء الثورة المجيدة وأعداء الوطن ولمن يصطادون فى الماء العكر “جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا”. هنيئا لكم يا أحرار مواطني السودان فى كل المدن خرجتم رجالاً ونساءا شيباً وشباباً وأحراراً قلتم ورؤسكم مرفوعة بشجاعة كلمة الحق “الغير مشتراة” وعبر التاريخ سيشهد لكم كل العالم الحر وتشهد لكم اليوم وغداً تراب وشوارع وساحات وطنكم الحبيب، ثابروا وأثبتوا وعلى الله توكلوا ولا تنسوا قولة مارتن لوثر “عندي حلم”. بإذن الله ستتحقق أحلامكم
خروجا من هناك إلى شارع آخر من عوالم التفكير والتجوال عبر ساحات أكتوبر الأخضر المحيد، يسعدني هنا أن أقول أنني أشاهد كثيراً أثناء عطلة نهاية الاسبوع تليفزيون جنوب السودان مع غيره . يعجبني فيه وأنا أغالب حسرة ” أنة المجروح” على المفعول به ” والفاعل معروف” التطور الملموس عبر الزمن فى الديكور والإخراج والتقديم وتنوع البرامج الهادفة التى كلها تحث على حب الوطن والمثابرة ليكون السلام وحب الوطن حقيقة أولوية وطنية لأن النمو لا يتم إلا فى مناخ السلامة والحرية والعدالة والصدق فى النيات والعمل. ويعجبني قولاً يردده المسؤولون هناك فى أكثر من مناسبة وهم ينصحون الشباب عندما يلتقون بهم وهم أغلبية المواطنين المناط بهم ضمان مستقبل الوطن ” الوطن هو أمنا الوطن أمنا “. لقد صدقوا القول، فهل هناك حب يعادل حب الأم؟. وهنا أسأل نفسي هل يا ترى كلنا أو جلنا نحن أبناء الشمال نحب صادقين هذا السودان، الوطن والتراب وخيراته وتنوعه، كما نحب أمهاتنا؟. أجمل الأمنيات لك يا الجنوب الحبيب
الإجابة للأسف أقولها “لا إنني لفى شك ” وهذا رأي الشخصي نتيجة ما أراه من حولي ” المشهد القابع” عبر العقود التراكمية، عظامه ولحمه الفرقة والحقد والشتات، نتيجة إنقسامات مفتعلة. نحن أو البعض القليل منا، نقف زمننا هذا فقط على أطلال زمن ماض جميل ووطن كان أجمل من اليوم ( وهذه حقيقة موثقة بالصور وقيمة العملة ايام زمان ورفاهية المجتمع تحكي عن تاريخها )، وحتى الأطلال الباقية اليوم برغمها صارت تنهار تحت أقدامنا إن لم نستيقظ ونحافظ عليها ونرممها، والسبب للأسف الشديد هو من أفعالنا نحن الأبناء ( خاصة كبار السن الشياب الذين يشارفون الثمانين التى تضعف السمع والبصر وحسن التصرف) الغافلين عن الحقيقة أو الآخرين الفاشلين أو شياطين الإنس الذين يعلمون أنهم مخربون لكن لا يهمهم شيء سوى تحقيق مصلحتهم الشخصية ، والغاية عندهم تبرر الوسيلة وليس لديهم مانع إن كان ذلك التخريب وجرجرة الوطن للرجوع إلى الوراء يحتاج إلى التعاون مع الشيطان نفسه فإنهم لفاعلون وبكل سخاء . ايضاً من هؤلاء النوع الأخطر فعلاً وسلوكاً الذين يتلونون “كالحرباء” يتلقفون الفرص ويظهرون دائماً على المنابر فى ثياب الواعظينا، يتظاهرون مع الغوغاء ويتصدرون بغير حياء مقدمة أفواج أي نظام يجيء بديلاً ليحكم بالقوة عبر ثلاثة وخمسين سنة من عمر السودان، أو عن طريق الغش فكل ذلك عندهم بدون خوف من يوم الحساب لا يهم. يهدرون فى ما لا يفيد فرص الوقت الثمين بدلاً من الاستفادة منه واستثماره فى التفكير أو توفير سبل التنمية المستدامة الحقيقية لهم ولوطنهم وليكون لهم شرف المواطنة والصدق والأمانة حسب هدي تعاليم السماء . بالعكس إنهم هكذا يبيعون بثمن بخس المواطنة المقدسة ويبيعون كل الجميل الموروث من الأخلاق الحميدة والأعراف السمحة ومن ضمنها التي تركها لنا الآباء والأمهات والأجداد الأصفياء أنقياء السرائر والنيات السليمة. أيضاً خطورة الحرباء البشرية ليست فى التلون فحسب ظاهرياً لوقاية نفسها، بل فى التفنن فى تصميم وتركيب الأفكار والخطط الشيطانية المهلكة وتنفيذها بكل تباهي وفهلوة . ومنهم من نسى شرف المهنة وشرف العلم والشهادات الجامعية وفوق كل ذلك نسيان من يراقبه فى السر والعلن “الخالق” الذي دائما ظل يذكرنا به وبمراقبته لنا هادينا ومعلمنا نبينا عليه أفضل الصلوات والتسليم الذي لم ينس توجيه نصحه هذا حتى للأطفال صغار السن ” عن أبي العباس عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – قال: كنت خلفَ النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال : (يا غلامُ إني أُعَلِّمُك كلمات: احفظِ الله يحفظك، احفظِ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصحف). فالذي يريد بحق ظاهراً وباطناً خدمة وحفظ وحدة وخيرات وأمن الوطن رئيساً كان أو مسؤلاً أو مرؤسا يجب عليه أن يحافظ على علاقته بالله ويصدق فى أفعاله وأقواله فى حق هذا الوطن العظيم بتاريخ إنسانه، وإلا سيكشف أمره إن كان هو يدري أو لا يدري أنه فى الواقع قد صار “عرياناً” يرى عورته الآخرون
ما يدور اليوم على الساحة السياسية والإقتصادية والمجتمعية والأمنية فى السودان من فشل على مستوى الحكم خاصة ما هو واضح من قبل الجانب العسكري وإنقسام قبلي بغيض بعثه من مهده جهلاء صاروا يحكمون ويتحكمون فى شؤن ألدولة والعباد ، إنه لأمر جلل وساحة فوضى صارت مشرعة هكذا تستأنس باللعب عليها شاشات تليفزيونات خارجية تهوى التشويشات والتفرقة وقصدها تقويض ميلاد ونمو الديمقراطيةفى السودان،إنه جداً لمحزن والله. وأنا مثل غيري الذين يحلمون بوطن تتوفر فيه كل الميزات الحضارية من بنيات تحتية وتحقيق مجتمع الرفاهية كما فى الدول الأخرى المتقدمة فى أنحاء العالم، لا أنفك على مدار الساعة أسال نفسي كيف نبلغ المرجو من درجة المرور فى هذا الامتحان الذي صار معقداً بفعل فاعل معلوم سواءاً من داخل الوطن او من خارجه، وقد أعياني التفكير والسقوط فى أوحال يصعب الخروج منها شبحه يهددنا ويقلقنا حتى اثناء نومنا فلا أجد للأسف مخرجاً ولا إجابة فأقول على أنغام أم كلثوم وكلمات إبراهيم ناجي رحمهما الله ، مسلياً نفسي:
أين من عيني وطناً جميلاً ساحرا
كان نبلا عندما تركته وجلالاً وحياء
مشرق الشمس دوماً وفى بهجته
أرى الخير وفى إنسانه تباشير النماء
والخرطوم كانت قبلة تجمع العظماء
وحديقة للعشاق عشاً صباحاً ومساء
اليوم صار الوطن وهماً وقفاراً لافحات
لأسباب تراكمت بلغن عنان السماء
ورجال همهم الفوز بكراسي الحكم
صوراً مدبلجة لكن واقعهم حقد وجفاء
جعلوا الوطن حقل خلاف وحروب وتشرد
ومساكين النزوح جوعى فى العراء
تندب حظها تشكوا الى رب السماء
فالحب القديم كله قد أصبح خبراً
فيا صيف “يلوموك” أنت ضيعت اللبن
ويا حسرة أطفالنا فقد جف الإناء
أين من عيني وطناً يسمو ألقاً وبهاء
عبدالمنعم
وختاماً ، رحمة الله على كل الشهداء والصبر والسلوان لأسرهم ، وعند كل أكتوبر والذكرى تتجدد والأمنيات تتعدد نجدد العزم ونغني “يا وطن المجد والخلود يا رب من جديد تزهر وتزهو ” ودعاء لك ورجاء مع صلواتنا نرسلها إلى رب السماء الذى يمهل ولا يهمل، سائلين “تحقيق ميلاد مستقبل واعد جديد”، ننتظره رغم الجراحات ، لك فقط “رفعة وشموخاً واستقرارا ومدنية حرة” ….. يا أعز واحب وطن، ويارب أهدنا فى من هديت وأصلح حالنا ومن توليته منا
drabdelmoneim@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم