أكذوبة التكنوقراط السودانية

في سيْر الشعوب انكسارات .لكنها تصبح أزمات عندما تتحول من حالة طارئة إلى معضلة مزمنة. عقود الانقاذ الثلاثة عمّقت جميع سلبيات دولة التحالف السياسي السوداني التقليدي . بل أضافت إلى زعماء العشائر والطوائف فئات ريفية صعدت بايدلوجية شوفينية كرّست توتاليتارية التشرذم والفساد. الرهان على تكنوقراط يخرجون الأمة من نفق الموات الراهن رهان خاسر . فالتكنوقراط ليسوا طبقة اجتماعية أو مؤسسة سياسية. استعانة النظام الشمولي بتكنوقراط تجربة عايشها الشعب في عهد النميري .فماذا من إنجازاتهم الباقيه في ذاكرتنا؟ رجم الآباء المؤسسين (لدولة ٥٦) تحت طائلة انهم أنصاف ساسة وانصاف تكنوقراط يزدري جهودهم السخية في نقل الشعب من مرحلة التشتت القبلي -الطائفي إلى طور مجتمع الدولة.إذا كان ثمة اتهام يلاحقهم فإن الادانة لاتستثني كل العهود التالية من حيث الافتقار إلى امتلاكمشروع قومي حداثي!


  معضلة الآنظمة التوتالرية تكمن في اعتقادها الخاطئ بأن ضعف خصومها يمنحها القدرة على بلوغ النصر  في كل المعارك وفي كل الأحوال ،بما في ذلك ضد كل الشعب. ذلك شعور كاذب مدمر يفتح الوطن بأسره على الفوضى. تلك أبرز قسمات محنتنا المزمنة. ففي أتون هذه الفوضى المدججة بكل وادوات القمع  تدور ساقية الدم و طاحونة الفساد بلا توقف. عادة ما تحدث عمليات قذرة لشراء  متعلمين -لا نقول عمداً مثقفين- ،رجال عشائر  ومنتفعين متمرسين في الانتهازية لتسويق ممارسات النظام . هكذا تتناسل أجيال  موبؤة بالضعف والانهزامية فتنتهي التجربة برمتها إلى الخسارة فالهزيمة . هولاء لا يتعلمون من التاريخ  لذلك لا يصنعون حاضرا أو يرسمون مستقبلا .مع ذلك يملأون الشاشات والوسائط الاعلامية والاجتماعية ضجيجا  قوامه الافك والزيف.

عند كل فجر حراك  ثوري يبرق أمل بالقدرة على الخروج من العتمة إلى نهار مشرق طويل ينعم فيه الشعب بالحرية والخير والتقدم. لكن عند ضحى ذلك الانعطاف نكتشف كم هو فجر كاذب. فلا النظام  القديم مات ولا الجديد تخلّق حسب رؤية المفكر الايطالي انطون غرامشي. إنه( زمن التوحش )وفق تعبير المفكر نفسه. ثلة ساسة محترفين  وأسوأ منهم حفنة جنرالات يختطفون اللحظة التاريخية ليبددوا  الأحلام الوطنية في إحداث نقلة نوعية لجهة حكم الشعب وسيادة القانون و نشر الوعي .سارقو  تلك الأحلام يفعلون فعلتهم الشنعاء تحت بريق شعارات جاذبة بقدر ماهي كاذبة بمشاركة(تكنوقراط)  -دون حياء- مثل التصحيح والعدالة !ألم يقل الأديب الجمايكي كلود مكاي(العدالة عاهرة يعانقها كل قواد متحضر).فالتكنوقراط ليسوا نخبة مبرؤون  دوماً من الندالة والانحطاط.  

مصطلح تكنوقراط سكّه المهندس الأميركي وليام هنري سميث في العام ١٩١٩.هو ليس مبتدع المقولة . لكنه استهدف تعريف الإدارة الحكومية المعتمدة على علماء ، مهندسين ومثلهم من ذوي الكفاءات.لكن المصطلح اتخذ بعده السياسي النافذ في اوربا عقب الحرب العالمية الثانية. ذلك تطور تبلور داخل الادبيات السياسية مع انحسار الثقة في العملية السياسية التقليدية واتساع دوائر الثورة التكنولوجية على صعيد القارة. هكذا دخل على أروقة صناعة السياسة والقرارات على وجه الدقة حملة الشهادات والخبرة في المعارف العلمية .ثم اتخذ المصطلح أبعاداً متباينة من اقتصاره على رئيس حكومة متحررٍ من الانتماء الأيديولوجي أو السياسي ،إلى تشكيل وزاري يغلب عليه ذوو الاختصاصات العلمية في مجالات محددة.


في العالم الثالث يذهب المصطلح إلى توصيف ادارة حكومية في نظام غير ديمقراطي .الغاية محاولة إعلاء الجدارة حين يصيب العجز دولة تترهل بالمحاسيب و المستتبعين. مع ذلك لاتكون معايير الكفاءة صاحبة القول الفصل في الانتقاء والتعيين. كثيرا ما يصطدم التكنوقراط بأركان النظام فيؤثرون الانسحاب أحيانًا او الاستغناء عنهم غالباً. النميري استعان بنخب من التكنوقراط إبان تقلباته من اليسار الى اليمين.لكن حصاد جهودهم لم تحدث قفزات نوعية في حركة البناء والتقدم على الصعيد الوطني. واقعنا الراهن لا يوحي بامكانية احراز نتائج موازية لعهد النميري دع عنك أفضل مما كان .بين الاخفاق والاصطدام لجأ النميري لاستعانة برجال الخدمة المدنية فرفّع الوكلاء إلى وزراء .التجربتان انتهيا إلى فشل ،إذا لابد للاداره الحكومية الناجحة من وجود ساسة أو تكنوقراط لهم عقلية سياسية.


دون التشكيك في قدرات النخبُ الحالية فإن المقارنة مع أجيال نظام النميري والنظام الراهن لا تحرّض على التفاؤل. بين أؤلئك جهابذة في تخصصاتهم .دولاب الخدمة المدنية أنذاك أكثر فعالية و خبرات كفوءة بنزاهة وشفافية. نظام جعفر نميري موبوء بالعديد من السلبيات لكنه لم يفقد صرامة الانضباط – على نحو يزلق الوطن الى الفوضى – حتى لحظة انهياره .حتى في تأرجحه بين اليسار واليمين لم يرهن النظام وجوده إلى آفة المحاصصة.كما ان استعانته بالتكنوقراط لم يجعله يغفل أصحاب الكفاءة السياسية المكتسبة من النقابيين والنشطاء الاجتماعيين. العملية التربوية كانت لمّا تزال متمسكة برفع النوع على الكم . في عهد الإنقاذ انقلبت المعادلة . مع ذلك ظل الولاء (أهل الثقة)سند التأهل المرجِّح لشغل مناصب الدولة من الخفير إلى الوزير.!!!


قبل استنفار التكنوقراط ينبغي وجود رؤية رجل دولة و مشروع في طور الحلم . عندما أدرك هتلر هزيمته الحتمية أمر بتجميع أميز المهندسين والاختصاصيين في المجالات الحيوية ثم نقلهم إلى جهة آمنة حددها بنفسه.الفوهرر تجاهل احتجاجات مستشاريه بحجة الحاجة اليهم ابان الحرب . لكن النازي ابلغهم بأن هولاء من سيعيد بناء المانيا بعد الحرب. بالفعل هم من بدأ صناعة المعجزة الالمانية بقيادة أديناور. عقب جولة في مصانع النسيح في لينينغراد استدعى ستالين مهندسا شابا أعجبته جرأته إبان توليه مهمة الشرح ثم عينه وزيرا لصناعة النسيج.ذلك الشاب التكنوقراط تدرج حتى امسى أشهر رىيس حكومة تكنوقراط ل في الاتحاد السوفياتي وربما العالم :أليكسي كوسيغين.في سياق تفاني المهندس صدقي سليمان وزيرا للسد العالي فاجأه عبدالناصر بتعيينه رئيسا للوزراء في سبتمبر ٦٦ ١٩ لنقل (كفاءة الادارة في بناء السد لخدمة العمل الوطني).


فما هو المشروع الحلم المستهدف به الاستعانة بالتكنوقراط الآن.؟هل ثمة حلم يراود أي سوداني غير السلام؟كيف وقد تجاهل رئيس الوزراء -بلا حكومة- قضية الساعة السودانية ليعد الشعب بالرفاهية ؟كيف يحقق وعوده وهو غير قادر على الوفاء ب(مسح المحاصصة) من قاموسنا السياسي .إذ الحركات المسلحة تهدد بهد المبنى الحكومي الهش برمته حال المساس بحصصها المنتزعة جورا واحتيالا! كما أن غياب المشروع الوطني ، محاولة القفز فوق جبهات الحرب وانقاضها، الخدمة المدنية المدمّرة، شتات كادر التكنوقراط المؤهل خارج الوطن وضعف عدة وعتاد انتاج عملية التعليم والبحث العلمي المرتجلة المحتمل مشاركته في الحكومة وفساد بيئة العمل السياسي تجعل من التكنوقراط حلما عصيًا على التحقق.وجود حفنة الجنرالات وامراء الحرمات المسلحة يجعل المسألة كلها أكذوبة.في مقالة سابقة قلت لكامل ادريس ان اول من يصطدم به هو مُعيّنه البرهان نفسه!!!

aloomar@gmail.com

عن عمر العمر

عمر العمر

شاهد أيضاً

السودان وإيران في مرايا التاريخ

بقلم عمر العمرنقلا عن العربي الجديدaloomar@gmail.com في مرايا التاريخ كثيرٌ من المشاهد ذات الملامح المتشابهة …