تأمُلات
كمال الهِدَي
ما إن تقترب الجمعية العمومية لأيٍ من الناديين الكبيرين في البلد، أو تهتز صورة مجلسٍ معينٍ لأيٍ منهما، حتى تمتلئ صفحات الصحف الرياضية، ومواقع التواصل الاجتماعي، وأعمدة بعض الكُتاب الرياضيين، بالسير الذاتية لفلان أو علان من نكرات هذا الزمن الأغبر، بوصفهم مرشحين لمجلس إدارة أحدهما.
قبل يومين قرأت مادةً مشحونةً بالعواطف، حاول صاحبها أو صاحبتها، لا أدري، الترويج لشخص لا أذكر اسمه الكامل، لكنه يتضمن النمير والشوالي. وبالطبع لا أدري من يكون هذا النمير الشوالي، لكن ما أنا واثقٌ منه أن هذه النوعية من الكتّاب الذين يروّجون لأفراد لا يعرفهم الناس، إما أنهم أرزقية يتكسبون من هؤلاء الأثرياء الجدد، أو أنهم مجرد مغفلين نافعين يحققون أهداف غيرهم دون دراية منهم. العجيب أن من يرشح هذا النمير الشوالي يعتبرنا مجرد قطيع، وكأننا لم نستفد من تجربة النمير الآخر في المريخ، وهو أيضاً من نكرات هذا الزمن الأغبر.
وأياً كان وضع هؤلاء الكُتاب، فالوضع جد خطير. وإن كنا في السابق نعاني من سيطرة مجرد أثرياء عديمي الكفاءة على القرار في مؤسساتنا الكبيرة، فنحن اليوم أمام تحديات أكبر تتعلق بالبلد بكامله، لا أندية الكرة وحدها. ولم تعد هذه الأندية سوى واجهة ينفذ من خلالها من يريدون بنا الشر ويخططون لتدمير اقتصادنا أكثر مما هو مدمَّر بخدمتهم لجهات خارجية ربما لا يعلمها بعضنا.
ولعلكم تتابعون هذه الأيام ملف حصول شركة “عسجد” على رخصة محول المعاملات المصرفية المعتمد، رغم حداثة نشأتها، وشح المعلومات حول ملف الشركة التي لا تملك أي خبرة سابقة في المجال.
ومعلوم لديكم أيضاً أن صاحبة الشركة (المعلنة) هي السيدة عسجد (الكاظمي)، وهي، لمن لا يعرفون، زوجة أيمن أبو جيبين.
وأيمن أبو جيبين هو ذاك النكرة، ورجل الأعمال الذي ظهر فجأة، وأقنعكم، يا جماهير نادي المريخ، أحدُ كُتابكم بأن يصبح رئيسًا لنادي المريخ.
ولأن السطحية صارت السمة الأبرز لكثير من جماهير الكرة، مرّ مقترح الكاتب المريخي دون أن يسأل الناس: من يكون أبو جيبين؟ وكيف صار ثرياً فجأة حتى نقبل به رئيساً لأحد أكبر أندية البلد؟
ولا يخفى عليكم، بالطبع، أن اهذا الشخص المُقرب من حميدتي، هو من كان وراء زيارة ابن الجنرال حفتر إلى استاد المريخ قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب الحالية.
والمثير للدهشة، وما لا يُفهم إطلاقاً، أن الصحفي الذي روّج لأبي جيبين، الموالي للمليشيا، وزوج مالكة شركة “عسجد”، يقف حالياً مسانداً للطرف الآخر في الحرب، أي الجيش. والمحزن إلى أبعد مدى أن بيننا صحفيين ومستنيرين ما زالوا يصفون هذا الكاتب بالوطني الغيور، ولا أدري ما هي معايير الوطنية لديهم.
وإن كنا نعتبر من يفسحون المجال لشخصيات مشبوهة للسيطرة على مؤسساتنا الكبيرة، ومن يخدعون الجماهير ويضللون القراء، وطنيين، فمن يكون الخونة والعملاء إذن؟
لو كنا شعباً يتعلم من أخطائه، لجعلتنا من مثل هذه الخدعة الكبيرة التي مارسها الكاتب المريخي على جماهير ناديه مدعاة لأن نوصد الأبواب بالضبة والمفتاح أمام أي مرشح غير معروف لدينا، حمايةً للناديين الكبيرين، وللاقتصاد، ولسيادة البلد بأكمله. لكن المؤسف أن السطحية هي سيدة الموقف، كما أسلفت، سواء وسط كثير من جماهير الكرة، أو حتى بين عديد من صغار الكُتاب الذين ينجرّون وراء مخططات كبارهم الخبثاء دون تفكير.
ولهذا أقول دائماً إن بلدنا غرق في الأزمات والمصائب كنتيجة طبيعية لضعف الوعي، وإنه ما من بلد تغلب على مشاكله من دون وعي شعبه. واستمرار ضعف الوعي سببه علوّ صوت من يفتقرون إلى أدنى درجات النزاهة في مجال الإعلام. وبالطبع، يستحيل أن يتقدم أي بلد شبراً واحداً من دون إعلام نزيه وصادق ووطني.
ومن أكبر مصائبنا أن الإعلامي الوطني، في نظر البعض، هو من يكذب ويضلّل ويتآمر، ويُمكن الشخصيات المشبوهة من السيطرة على مؤسساتنا. ولهذا بلغنا حضيضاً لا نظير له، ولا يزال الانحدار مستمراً ما دمنا نصرّ على هذه السطحية، ونفتح الأبواب دوماً أمام من يدفع أكثر، دون أدنى مراعاة للمصلحة العامة.
وفي المقال القادم، أحدثكم بمزيدٍ من التفصيل عن آفة النفاق التي ضربت كثيراً من مؤسساتنا الإعلامية والقائمين عليها.
kamalalhidai@hotmail.com
