أليس عندنا غير ذلك ؟ .. بقلم: السفير احمد عبد الوهاب جبارة الله
27 أكتوبر, 2014
منشورات غير مصنفة
37 زيارة
عندما يتابع المرء مواقع الاخبار المكتوبة والمرئية والمسموعة في أنحاء العالم المختلفة ، يلاحظ ان العالم العربي والعالم الاسلامي لهما نصيب الاسد في تلك الاخبار . لكن كل هذه الاخبار لا تسر ولا تبعث على الرضا او الفخر ، لأنها اخبار تدور حول القتل والذبح والتناحر والعنف والخروج عن القوانين وتدمير المنشآت العامة واضطهاد المرأة وتدفقات اللاجئين والاقتتال الطائفي والكوارث الانسانية التي يصنعها الناس بأيديهم وينتظرون غيرهم لمساعدة ضحاياها. ليس هذا وحده، بل اصبحت هذه الاخبار تخلق الفوضى الفكرية وتنشر البلبلة في اوساط الرأي العام العالمي حول الدين الاسلامي ، وهو دين اصله راسخ في احترام الحرية وحقوق الانسان ويحض على احترام اصحاب الديانات الاخرى . وهنا تأتي المأساة الكبرى لان العالم الاسلامي والعربي قد اكتسبا الآن سمعة غير حسنة لكونهما مصدرا لكل صور العنف والجنوح المفرط في التعامل مع الاخرين ، وهنا يطرح السؤال الملح نفسه : أليس عندنا غير ذلك من البضائع نصدره لباقي شعوب العالم ؟ هل اقتصرت صادراتنا ( فيما يخص صنع الحضارة الانسانية ) على الجوانب السلبية التي تتسم بالتدمير والتخريب والعنف ؟
اننا عندما نطالع اخبار الشعوب الاخرى ، نجد فيها الجهود المستمرة لتيسير حياة مواطنيها وتعزيز الخدمات ورفع مستوى المعيشة واكتشاف الأدوية لعلاج الامراض المستعصية ، والرقي بإبداعات التكنولوجيا وتسخيرها لرفاهية الانسان ، والتمسك الدائم بسيادة القوانين والدفاع عن الحقوق التي يجب ان يتمتع بها المواطنون ، وفوق ذلك فان الكثير من الأنظمة المستقرة والمؤثرة في العالم ، حسمت موضوع الية انتقال السلطة لتكون عبر الانتخابات ولا مجال فيها لمن يريد تغيير السلطة بالعنف والسلاح وفرض الإرادة بالقوة . كما ان الكثير من تلك المجتمعات قد تطور تفكيرها السياسي نوعيا حيث لم يعد لمجموعة من المواطنين ارتداء عباءة معتقدات دينية لفرض افكار او نظم سياسية تدين بالمطلق وترفض التنوع والتعايش السلمي بين فئات المجتمع المختلفة وتصور أفكارها وممارساتها في صورة تحتكر الحقيقة ولا تقبل الحوار او احترام صفة التنوع التي لا يمكن القفز فوقها في اي مجتمع بشري .
اذا كان العالم العربي والاسلامي لا يستطيع ان يتعامل مع هذا الاختلال المريع في دوره ازاء الحضارة الانسانية ولا يسعى لتصحيحه بما يعيد للحضارة العربية والإسلامية مساهمتها إيجابيا في مسيرة العالم ، فإننا سنحكم على الدور العربي والاسلامي بانه دور عاجز عن التعايش مع متطلبات العصر . وهكذا يظل هذا الدور تأريخا يعود الى قرون مضت . بل سيظل العالم في تصنيفه ليس منقسما الى شمال وجنوب ( بمستوى التنمية ) ولكنه سيكون منقسما بين عالم قادر على الحياة في بيئة القرن الحادي والعشرين وما تلاه ،وعالم مقعد وعاجز عن التعامل مع هذه البيئة . وسيؤدي ذلك الى ان العالم المقعد (بفتح العين) سيعرقل مسيرة العالم المنطلق الى الامام وسيحتل الاول موقعه في العرقلة والتعويق بجدارة يشهد عليها التاريخ.
ان ما نطرحه ، لا يقوم على استبعاد التدخلات من خارج العالمين العربي والاسلامي في اطار الاصطراع على المصالح بين الدول والكيانات السياسية المختلفة . فتلك التدخلات موجودة. ولكننا في طرحنا، لا نريد ان نكون من الذين أدمنوا الهوس بنظرية المؤامرة في كل مشكلة تعترض سبيل العرب والمسلمين. ولا شك ان الاستسلام التام لنظرية المؤامرة يقطع الطريق امام اي جهد ذاتي لاصلاح الاوضاع . وهو أيضاً يعزز نزعة الخمول الفكري والبطالة السياسية عند النخبة العربية والنخبة في بلدان المسلمين وتظل مساهماتها شبه منعدمة لانها لن تبدأ من تمكين الذات لإحداث التغيير ، ولكنها ستظل منشغلة بمؤامرات الغير وعاجزة عن الانطلاق من مواطن القوة الذاتية لهذه البلدان.
ان دور النخبة المفكرة دور لا يستهان به. والشعوب لا تتقدم بالبنادق والصياح والقهر والعنف واجواء الفوضى والضجيج المستمر . ولكنها تتقدم بالفكر الذي تطرحه القيادات الفكرية المستنيرة وترسخه في أذهان الراي العام من خلال المؤسسات التعليمية والثقافية وهيئات المجتمع المدني . ولذلك فإن العديد من اصحاب الرأي ينحون باللائمة على الفئات والنخب المثقفة في بلداننا لكونها عجزت عن بلورة طريق الاستنارة والحكم الرشيد وتركت الامر لاصحاب الوسائل غير القانونية وغير الديمقراطية للسيطرة على مقادير الحكم والسلطة. وهذا بالطبع ، لا يغفل الحقيقة المرة ممثلة في انتشار الأمية والجهل بما يسهل قياد شعوبنا بواسطة اصحاب الأفكار المنغلقة وغير المستنيرة . وكل ذلك يكرس للحالة المؤسفة التي تجعل الشعوب في العالمين العربي والاسلامي ( الاستثناءات تعد على اصابع اليد الواحدة ) تعيش خارج التاريخ وتظل من اهل الهامش الذين لا يصنعون شيئا في منجزات الحضارة الانسانية ويجسدون حالة الانقطاع الصارخ بين ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم على حساب اجيال تضيع منها الفرص وتنغلق أمامها ابواب المستقبل القريب والبعيد على حد سواء.
ان المشاركة في صناعة التاريخ ، بإثراء حركة الإبداع الانساني ، لا تتم بالخروج من التاريخ ، ولا تستقيم بالاستسلام الى مماحكات المعوقين والمنكفئين على مشاهد الماضي التي لا تصلح ترياقا لامراض الحاضر او المستقبل ، لانها مساجلات جدلية لا تسمن ولا تغني من جوع .
وعليه فإن السؤال المطروح : هل لدينا غير ذلك ( العنف والاقتتال والأزمات الانسانية ) لنصدره لغيرنا من سكان كوكب الارض ؟ يظل هو السؤال المركزي في التحديات التي تواجه الشعوب العربية والإسلامية . ولا يخدعن احد نفسه بان التغيير الى الافضل سيأتي من خارج محيط هذه الشعوب . وإن وكل يوم يضيع في المعارك الخاسرة سيرسخ من وضعية هامشية هي من صنع ايدينا ، مهما حاولنا التهرب من مسئوليات التاريخ وتحدياته ، ومهما حاولنا الاختباء وراء نظريات الإلقاء باللائمة على الاخرين سواء كانوا فاعلين حقيقيين او كانوا من صنع خيال مريض.
agubara@gmail.com