أمام المرآة شخص آخر

كثيرًا ما أختلي بنفسي في مساءٍ فائض بالمحبّة لأعيد ترميم مرآتي الفكرية، أجلس هكذا وأسرد تفاصيل لن أصارح بها غير ذاتي وبعض الندوب اللحظية، فما بين الانكسار والخذلان، رسم الوقت أثره على إصبع العمر، أعاتب حينًا وأحاسب حينًا، وأربّت على حضن محبّتي أحيانًا أخرى، وأحاول جاهدًة أن أستشفي من وهن الخذلان، لأبلغ مساحةً أكثر رحمة، وفضاءً أرحب، يجمعني بنصف الحقيقة والقلب.
قد نكتشف في لحظة جزعة! أن الأرض انزلقت تحت أقدامنا، وأن من أحببنا أو وثقنا بهم قد خاننا أو كشف ما كنا نخفيه في قلوبنا، فنشعر بصغر أنفسنا وكأن العالم كله ضاق حولنا، وتثقل ثقتنا في الناس وفي ذاتنا، لحظة يصطدم فيها القلب بمرآة الحقيقة القاسية ويصبح كل شيء ضبابيًا، والسكينة التي ألفناها داخليًا تتلاشى.
وحين يطرق الخذلان روحنا، يختلط الخجل بالإحراج والغضب بالعجز، فيأتي أحيانًا على شكل وعود لم تُوفَّى تتسلل كسهم خفي إلى القلب، أو كلمات قاسية تهز الروح فجأة، أو أسرار أودعتها ذاتنا في أمان تتطاير في الهواء دون احترام.
وأحيانًا يكون في صمت من كانوا مفترضًا أن يكونوا حماة لنا، أو في تجاهل لمكانتنا وحقنا، أو شعور بأن ثقتنا استُغلت لمصلحة من يخالفها. كل هذا الوجع يترك أثره ملموسًا على القلب، ويجعل الاستيقاظ على الواقع صادمًا، حتى لو كنا نعرف أنه ليس خطأنا. فتبدأ الرحلة نحو استعادة النفس، محاولة أن نجمع ما تبقى من الثقة الممزقة، وملء الفراغ الذي خلفه انكسار الوعد، وإعادة بناء الفضاء الداخلي الذي يسمح لنا بالوقوف على أقدامنا من جديد والمضي برفق مع أنفسنا حتى نصبح أقوى وأهدأ وأكثر رحمة بما تبقى من قلبنا.
وهنا نقف قليلًا، لا لنحاكم أنفسنا بل لنسأل بصمت عن مصدر الألم، هل ينبع من داخلنا أم جاء من الآخرين؟ قد يكون سوء فهم، أو اختيارًا خاطئًا، أو فعلًا عابرًا من قلوب لم تعرف الأمان، غير أن الحقيقة الأعمق تبقى: ما حدث لا يقلل من قيمتنا ولا يمس جوهرنا، وما يحددنا حقًا هو هدوءنا الداخلي، قدرتنا على الحفاظ على ذاتنا، ووعيُنا بأن كرامتنا تُستعاد من الداخل، فتكون خطواتنا القادمة منسجمة مع السلام الذي اخترناه لأنفسنا، لا مع موجات الغدر والخذلان التي عابرت طريقنا.
استعادة النفس رحلة بطيئة تبدأ بالابتعاد، لا انتقامًا ولا غضبًا مشوبًا بالمرارة، بل حماية للنفس ورفقًا بالروح، ترتيب الأولويات كما تُرتب الزهور في فازة، ووضع حدود رقيقة لكنها واضحة بينك وبين كل من يسرق هدوءك، وعندما تقول لنفسك: “لن أكون فريسة للفتنة ولن أكون طرفًا في صراعات لا تعنيني”، تشعر بخطوة أولى نحو الحرية الحقيقية تتسلل إلى قلبك كنسمة هادئة تزيل ثقل الألم وتفتح أمامك مساحة جديدة للسكينة الداخلية.
ثم يحين وقت الغوص في الأعماق، السماح لنفسك بالحزن والغضب المؤقتين، والاعتراف بما شعرت به من خيبة وألم دون لوم نفسك، فالمشاعر الصادقة تصبح أداة للشفاء، نورًا يتسلل إلى روحك فيجعلها قوية لا كسيرة ويعيد إلى قلبك الثقة ويزرع هدوءًا جديدًا يجمع شتات ما تهشّم داخلك، مانحًا القدرة على الاستمرار والمضي برفق مع نفسك.
ومع ترويض أنفسنا، تظهر قوة أخرى، قوة الحكمة والاستقلال النفسي، تهمس لنا أننا كاملون في ذاتنا، وأن حياتنا تستحق أن تُبنى على قيمنا وحدودنا، نتعلم أن نحب أنفسنا ونحميها، ونعطي لروحنا الحق في السكينة التي تتسلل إلى أعماقنا، فنقف مكتفين بذاتنا، أقوياء بهدوءنا، نسمح لها بأن تستنشق الحرية التي طالما بحثنا عنها بعيدًا عن كل من حاول أن يجعلنا رهينة للخذلان والخداع.
ورغم قسوة المرآة، تبقى شروخ الذات بحاجة إلى ضوء يعيدك إلى جوهرك، لتردد بصوت داخلي عالٍ: أنا حر في نفسي، مكتفٍ بذاتي، قادر على أن أعيد ترتيب عالمي الداخلي مهما طال الزمن، فسلامي لا يُسلب إلا إذا رضيت أن يُسرق، وهنا أترك لك السؤال الأخير، عزيزي القارئ: هل نستطيع فعلاً أن نغلق أبواب كسرة الوعد خلفنا، ونستعيد أنفسنا كاملةً، أم أن جزءًا منا سيظل عالقًا في مرآة الآخرين؟

د. إيمان المازري

sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

أنا وصديقاتي

خيط النور بعض الذكريات لا تعود لأنها جميلة فقط، بل لأنها علّمتنا كيف نضحك قبل …