أمينة النقاش: الحبيب الإمام لم يخطيء العنوان .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم


أخذت الأستاذة أمينة النقاش في جريدة الأهالي، لسان حال حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، مآخذ جدية على الرسالة التي وجهها السيد الحبيب الإمام الصادق المهدي، باسم جماعة الأنصار وحزب الأمة السوداني، إلى الرئيس المصري المشير عبد الفتاح السيسي يلتمس منه ألا تكون عقوبة الإعدام مما سيوقع على قادة الإخوان المسلمين في المحاكمات التي يقفون أمامها منذ حين. فرأت النقاش أن التماس الحبيب سابق لأوانه. فأوراق الحكم بالإعدام ما تزال أمام المفتي. وحتى لو صادق عليها فحق النقض مكفول للمحكومين من فوق مستويات أخرى من التقاضي. وبدا لي أن النقاش لم تتفهم ما وراء عجلة الحبيب في الأمر. فهو يصدر عن مبدئية ألا قتل في السياسة لأن القتل لها قتل لها نفسها. ونجد، في الجانب الآخر، النقاش إجرائية تطلب من الحبيب أن يصبر فلربما أسفر الأمر عن إعدامهم وقد لا يسفر. ويستغرب المرء لذي سابقة معلومة في النضال السياسي مثل النقاش تقبل بالتصفية الجسدية السياسة نهجاً لأي حكم. بل إقشعرت نفسي وهي تعفي السيسي مقدماً من مغبة إعدام الإخوان، متى فعل، باسترجاع كلمة له قال فيها إن أمر الأخوان ليس بيده بل بيد “الشعب المصري”. ولا أعرف كيف لم يُسقِم هذا القول الرديد، بمكره الشعبوي، النقاش. فالحبيب، الذي تكسرت نصال الإعدام على جسده الثمانيني، رغب من السيسي إلا يكون الإعدام عقوبة سياسية بينما ترجيء هي الأمر: فعسى أن يسفر وعسى ألا يسفر.

لا أعرف إن كانت النقاش قد تحرت المغازي العصيبة التي جاءت في معرض ردها على الحبيب. فبعض قولها داخل في فقه الجنوسايد من أوسع أبوابه. فذكرت في معرض إرتضائها بالإعدام كعقوبة سياسية أن الأخوان ولدوا بعيب “خَلقي” إرهابي لم ينكشف للناس الغافلين إلا بعد توليتهم الحكم. سنتجاوز عن حقيقة أن إرهاب الإخوان من المعلوم بالضرورة تاريخياً في السياسة المصرية. ودفعوا ثمنه نقصاً في الأنفس والثمرات. ولكن القول بإهدار دم جماعة ما لأنها قد ولدت بعاهة لا يطهرها منه إلا السيف فمن نذر الهلوكست. فقد كانت مثل هذه العقيدة هي التي هونت دم اليهود والغجر في ألمانيا النازية، والعرب في زنجبار، والتوتسي في رواندا، وأفارقة ناميبيا تحت الاستعمار الألماني، وقس على ذلك. فما بوسع المرء أن يصلح ذات نفسه إذا كان قد وُلد بما لا سبيل لإصلاحه. وهذه جبرية رغبت إلا تتبناها مناضلة صنعتها تغيير الناس والعالم.

وتعرف النقاش جيداً أن مثل فقه العيب الخلقي الذي أجازته كان من وراء متاعب رفاق طريق يساريين كثيرين. فقد ساد في أوربا ما بعد الحرب العالمية الثانية أن بالشيوعيين “عيب خلقي” سياسياً متمكناً. فهم متى ما صار لهم الحكم بالانتخاب في الديمقراطيات الليبرالية كانت تلك الانتخابات الأخيرة في البلد. وسادوا طغاة بغاة بعد ذلك. ومن أفضل من كتب عن هذا التوقي الظالم الشيخ حسن الترابي في رسالته للدكتوراة في فرنسا. فعرض فيها لكيف أخلت فرنسا النواب الشيوعيين من برلمانها مرات ومرات خشية أن يفوزوا ويستبدوا بالأمر. بل توافرت للدكتور الفرصة بعد أشهر قليلة من الفراغ من الدفاع عن رسالته ليطبقها، نظراً وعملاً وبحذافيرها، في السودان في حادثة حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان في آخر 1965.

ليس من عيب سابق في جماعة يحول دونها والانتخابات في نظام ديمقراطي ما استوفت شرط تكوين حزبها وفق الدستور. ومتى حللنا ذلك صادرنا حق الشعب في انتخاب من يشاء قبل مصادرة حق الجماعة المعنية. ومثل هذا التشخيص للجسد السياسي لجماعة ما إعتباطي لأنه مما يقوم به منافسها خصماً وحكماً. وبانت “سنانه” في الجزائر التي اختلس “سدنة” الليبرالية والتقدمية نصر الإسلاميين المعزز كما هو معروف. فأوغر صدور حتى راج القول إن الإسلاميين لن يصلوا إلى الحكم بصندوق الإقتراع أبدا. وعملت الحركة الإسلامية في السودان بهذه العقيدة فدبرت انقلاب 1989 الذي تأذت منه أول ما تأذت. والباقي تاريخ يروى.

لم يخطيء الحبيب في عنونة رسالته. لم يقل الحبيب ألا يُقتَل الإسلاميون لأنه راض عن ممارستهم. وليس هو جهة تقويم كسبهم في مصر. وهذا لا يحتاج إلى بيان. فهو لم يزد أن قال: لا قتل في السياسة. ودون ذلك أحكام أشد. والسيسي عنوان هذه الرسالة الأوحد. فنسأل الله أن يستمع كمسلم مشغول بتصاريف السياسة الإسلامية، كما قرأنا له في رسالة أكاديمية من إنشائه، لنصح الحبيب ويتبع أحسنه. وبارك الله في الحبيب وأيده.      

           

IbrahimA@missouri.edu

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً