أنا بلغتُكم .. وانتم أحرار!

مناظير السبت 9 اغسطس، 2025
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
هل تتخيلون أن تأتي شاحنات من دولة أخرى، محمّلة بالفؤوس والمناشير، تدخل بلا تصريح، تقطع ما تشاء من غابات، تحمّل الأخشاب، وتعود أدراجها إلى أسواقها لبيعها هناك، وكأن السودان أرض بلا صاحب، ولا قانون، ولا قيمة؟!

  • قرأت الرسالة التالية التي كتبتها بحرقة شديدة مصرية نوبية اسمها “ميرفت عبد العال” تقيم في محافظة اسوان بجمهورية مصر:
  • “وصلتْ صباح اليوم ١٣ شاحنة قادمة من السودان الشقيق إلى سوق الخشب والحطب في أسوان، وكان اللافت للنظر أن الشاحنات تحمل أعلى كثيرا من حمولتها، لكن الشيء الذي أثار استغراب كل التجارأن الأخشاب لم يتم شراؤها وانما قطعها من السودان بدون مقابل”.
  • “يوضِّح السائق “بيومي” أنهم يذهبون إلى منطقة القضارف في السودان ومعهم فقط مناشير وفؤوس وعُدة قطع الحطب، ويقومون باستئجار عمّال من السوق مقابل أجر يومي مع توفير الطعام والشراب لهم، ويتوجهون بهم إلى غابات القضارف ويمكثون من يومين إلى ثلاثة أيام، لقطع الاشجار وتحميلها، ثم يعودون إلى مصر، وعندما سأله احد الصحفيين ويدعى “أحمد عمر” عن القائمين على أمر الغابات، كان الرد مفاجئًا بان “الغابات ما عندهاش سيد”، “دي نبتت لحالها من الأمطار ومفيش حد عاوزها!!”
  • اختتمت “ميرفت” رسالتها قائلة: “يا جماعة بلّغوا حماية الغابات أو السلطات جهات الاختصاص هناك، هنالك قطع جائر ونهب للغابات في بلدكم .. أنا بلّغتكم، وأنتم أحرار.”
  • هكذا، ايها السادة، مِن قلب أسوان، مِن امرأة نوبية مصرية، جاءت الشهادة الصادمة: السودان بلد “ملهوش سيد!”
  • شهادة تكفي بانه لو كانت هناك دولة تحترم نفسها لفتحت تحقيقًا لمحاسبة القتلة الذين يقتلون الغابات بصمت، ليقتلوا معها حياة اولادنا لاحقًا!
  • أي ذل هذا، وأي صمت، وأي مهانة أعظم من أن تأتينا النصيحة من الخارج، ونحن نائمون كالبهائم؟!
  • الغابات ليست مجرد حطب أو خشب، هى مستقبل وحياة، وحماية من التصحر والجفاف والانقراض. هي إرث الأجيال، وحائط الصد أمام الكوارث البيئية والمناخية التي تضرب العالم.
  • لكن ماذا يعرف البرهان عن البيئة، وماذا يفهم الكيزان عن الأجيال، وهل في قواميس الانقلابيين مكان لكلمة “مستقبل” أصلًا؟!
  • هؤلاء لا يزرعون الاشجار، بل يزرعون الموت، لا يسقون الأرض، بل يسقون نار الحرب، لا يحمون الوطن، بل يبيعونه بالجملة والقطاعي، مقابل بقاءهم في السلطة، ورضا أسيادهم!

ما يجري في القضارف يجري في الخرطوم وكردفان، والنيل الأزرق، وجبال الإنقسنا، ودارفور، وكل شبر في هذا الوطن المستباح .. هل تصدقون أن ثلاثة آلاف شجرة جوافة قطعت من منطقة الكدرو وحدها لتحويلها الى فحم؟!

  • يُقتل الابرياء، تُدمر المستشفيات والمدارس، يُشرَّد الناس، تقطع الغابات، تنُهب الموارد ، ويُهرَّب الذهب والماشية والسمسم والصمغ والخشب إلى الخارج، دون أن يدخل قرش واحد إلى خزانة الدولة، فالخزانة صارت في جيوب الجنرالات، بدون ايصالات وارانيك مالية !
  • العار على من سمح بهذا الخراب، والخزي على من لا يراه جريمة، والشكر للمرأة المصرية النوبية الشريفة التي كتبت تحذرنا من الهلاك، وصرخت فينا: “أنا بلّغتكم.. وأنتم أحرار!”
  • نعم، نحن أحرار يا ميرفت، لكن في وطن مقيَّد بين نيران الحرب وفساد الجنرالات، فهل نفيق وننقذه قبل أن يتحول إلى رماد، أم نظل عاجزين عن فعل شئ، بينما يتم تمزيقه وتهريبه قطعةً قطعةً إلى الخارج؟!

عن د. زهير السراج

د. زهير السراج

شاهد أيضاً

مثلث الشر !

مناظير السبت 14 فبراير، 2026زهير السراجmanazzeer@yahoo.com تتظاهر بعض الدول “الشقيقة” بتعاطفها مع الشعب السوداني ورغبتها …