أنا والسوق 8

يرويها الأستاذ محمد سيد أحمد الحسن
حررها عادل سيد أحمد

وكان عندي زبائن: السوق الأوروبية المشتركة، الامم المتحدة، السفارة الألمانية، السفارة الأمريكية، مجلس التدريب الألماني… هؤلاء كانوا هنا. بعد ذلك أُضفت للشركات العالمية ناس بايونير، واسكاي باك فصاروا يأتونني ناس من ألمانيا، من امريكا ومن مناطق مختلقه…
أذكر في سنه اثنين وثمانين أو ثلاثة وتمانين (القوانين الإسلامية) هذه القوانين الإسلامية يعني من أكثر الناس الذين يمكن أن يكونوا قد تأذوا منها، طبعا هي اذت ناس كثيرين، لكن انا أعدُّ نفسي أحد أكثر الناس ضررا، يعني كان عندي في يدي اتفاقيات وعقود بحوالي سبعمائة ألف دولار مع جهات اذكر منها بايونير، اسكاي باك، التلفزيون البريطاني، التلفزيون الياباني ومجموعة من الشركات. كلهم اعتذروا بعد قيام انقلاب الثلاثين من يونيو 1989م. الثورة الإسلامية في السودان. هؤلاء الناس اعتذروا الواحد تلو الآخر، اعتذروا… وبعد أن كنت مؤمل في مبلغ سبعمائة ألف دولار بدأت احلحل في الديون التي كنت قد دخلت فيها، يعني ولا اكذب.
الزبائن، يعني من تذهب إليهم وأنت مغمض العينين فيقضون لك حاجتك، سواء كان ذلك في الملابس، في الأراضي، في كذا… ولأنك زبون تتوقع أن تنال البضاعة الأفضل، والسعر الأقل، والخدمة الممتازة، ولا تحمل هم الدفع لأن الزبون في العادة غير مطالب بأن يدفع كاش.
المسألة ما كانت بالطريقة العشوائية الراهنة، انا ذكرت لك عابر انه كانت هناك ثلاثة أسواق: السوق الافرنجي، السوق العربي وسوق الحلة، وكانت احتياجات الناس موزعة على هذه الأسواق الثلاثة، يعني الزيت والملح وما شاكلهما في دكان الحلة، ولو أراد شراء قماش أو مرتبة أو عنقريب (سرير من الحبال المنسوجة في الحطب) فيذهب إلى السوق العربي، أما الناس (المتفلسفين شوية) فيرتادون السوق الأفرنجي.
والسوق الافرنجي كان سوق ضخم، يعني المولات التي كانت موجودة في ذلك الوقت، هي أكبر، إلى الآن، علي كبر المولات التي شيدت لاحقا، ولا تساوي جزء منها.
يعني، أكبر مول كان مرهِج، عمارة كاملة تجد فيها بضائع من الإبرة إلى الراديو، أي شيء: معلبات، سجائر. أقمشة، كانت هناك محلات متخصصة مثل (المرَّاش) كان متخصص في الملابس والصوف الإنجليزي، و(بلو بيرد) كان متخصص في الملابس الحريرية، وكان هناك ناس عجيب عزاري، وأبو طاقية، وأبو نجمة وأبو طيارة، أسماء كهذه: مصريون أو نقادة أو قبط، كانوا متخصصين في الدموريَّة والطِرَق والفرق وهكذا.
واحتياجات الناس كانت مرصودة، لو أنت اطلعت على تقرير (ويكـفيـــلد) تجد حاجيات البيت السوداني مرصودة، من الملح إلى الطِرقَة، أن البيت يحتاج لكذا وكذا، وعلى هذا الأساس وضعت المرتبات والأجور، فصارت أي مناسبة تأتي تعني أن هناك صرف زائد: ختان، عيد، وحمولة على الناس، فلابد أن يستدين، ويستدين الزبون: من دكان الحلة، أو زبائنه في الأسواق الأخرى.
وكان المرتب ينقطع في الثلاثة أيام الأولى من بداية كل شهر بعد أن تسدد ديونك، الدكان، ومن هنا وهناك أو لو تريد شراء عنقريب فتنقطع، وبعد ذلك تبدأ في الاستدانة من جديد، لتعيش بالدين.
ولم تكن هناك أشغال، فأما موظفين أو عمال أو فعلة، وكلهم كانوا يعيشون على المرتب، وكان المرتب يتوزع عندما يأتي يتوزع في ثلاثة أيام: تسدد حسابات الشهر المنصرم، وتبتدئ تجر، اسمها الجرورة، وتستمر إلى نهاية الشهر، فهذه كانت العلاقة بين التجار والزبائن.
السوق الافرنجي فيه زبائن، لكن الزبون بالكاش، يعني ليس من ممكن أن تذهب إلى (البون مارشيه)، وتأخذ قلم او نظارة او شيء من هذا القبيل بالدين يعني، لكن ممكن أن تأخذ لك حذاء أو ملاءة. الناس كانوا امناء في الدين، والدين نفسه كان مقدس، يعني لابد أن يُسدد، يعني لم يكن هناك إي عذر أنك تؤخر لي أي شخص دينه.
انا شخصيا اشتغلت أشغال كان فيها كاش يومي، من كمساري إلى طلمبة بنزين إلى كذا… ولم أدخل في الديون. لكن كان عندي زبائن، يعني عندما أريد بضاعة ما فعندي محل محدد انا عارف أنني سأجدها فيه. وفي الغالب لان الناس يذهبون ويحومون في السوق بدون سبب دون أن يعرفوا ماذا يريدون بالضبط، ولكن أنا من أول الشهر أعرف ماذا أريد في آخره، وأين أذهب وما الثمن، فأمشي (راسي عديل) للمحل المقصود.
وزبائني كانوا: داؤود المراش، والبلوبيرد، والنجم الأحمر، والبون مارشيه وآخرين، كنت أشتري منهم البضائع.
ثم أنه كان هناك الدين وهناك الأقساط وتدفع عن طريق الكمبيالة.
وطريقة الكمبيالة، طبعا لم تكن هناك شيكات، أنك تشتري البضاعة وتُثمَّن لك، فتدفع جزء من القيمة وتسدد الباقي على أقساط. يعني أنا في مرة اشتريت مروحة ماركة ارز، مروحة كانت عجيبة، من محلات ناس محمد صالح خضر، واشتريت راديو من شركة بلدمور، فكان عندي كمبيالات.
الكمبيالة تختلف عن الدين، فالدين يسدد أول الشهر أما الكمبيالة فتسدد على ثلاثة أو أربعة أشهر بواقع خمسة وعشرين قرش هذا الشهر، وخمسة وشرين قرش الشهر الذي يليه، وهكذا إلى أن يتم تسديد كل المبلغ. مثلا.
وكان من آداب الكمبيالات ألا تدخل في كمبيالة جديدة قبل أن تسدد الكمبيالة القديمة عليك.
وكانت سهلة طالما كانت لديك القُدرة على السداد.

amsidahmed@outlook.com

عن عادل سيد احمد

عادل سيد احمد

شاهد أيضاً

من طرف المسيد: عن شركة شَل 4 والأخيرة

يرويها الأستاذ محمد سيد أحمد الحسنحررها عادل سيد أحمد لم يكن هناك نشاط نقابي، وأكثر …