أهذا ما تعلمه قرنق منكم يا ناس ولاية أيوا؟ ….. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

(IbrahimA@missouri.edu)

 

جاء ذكر عارض لرسالة المرحوم جون قرنق للدكتوراة في المحاضرة القيمة التي قدمها الدكتور سليمان محمد سليمان عن النيل واستفتاء الجنوب بقاعة الشارقة يوم الأربعاء الماضي. وهي رسالة موضوعها قناة جونقلي. ذكرها في سياق عرضه للجغرافيا السياسية لقناة جونقلي وأدوارها في النزاع السوداني-السوداني السياسي ونزاع المياه بين دول حوض النيل. وأعادتني المحاضرة إلى ورقة رصينة عن جونقلي كتبها زميلنا الدكتور عادل مصطفي أحمد بمعمار جامعة الخرطوم. أتمنى أن أراها معربة في هذا المنعطف الحرج في بلدنا.

بين فراغ قرنق من رسالته في 1981 من جامعة أيوا وبين توقف العمل نهائياً في القناة في 1983 نتيجة حركة قرنق، عامان. وأرجعني هذا إلى رسالة دكتوراة أخرى كان مفعولها حاضراً. وهي رسالة الدكتور حسن الترابي التي فرغ منها بجامعة السوربون عام 1964. فما عاد إلى السودان في نفس العام حتى بانت أسنان رسالته في الحزب الشيوعي. فالترابي كان منظر حملة حَل ذلك الحزب ومصفيه القانوني في شتاء 1965 .

الفرق بين الرسالتين هو موقف الباحثين حيال موضوعهما. فقرنق كان إيجابياً في بحثه عن جونقلي التي انتهى إلى تحطيمها. ومن فضول القول أن الترابي “مكجن” لموضوع بحثه وهو الشيوعية “جنس كجنة”. فلا اعتراض أساسياً لقرنق على جونقلي. فهي يرى وجوب أن تكون مفردة غراء في تنمية الجنوب لا مجرد مصرف ليزيد حصة مصر من مياه النيل الأبيض الضائعة في السد الجنوبي. ولكنه سرعان ما نظم قرنق حركته حتى طلب من الشركة الفرنسية أن توقف العمل في القناة. ثم طلب ذلك وبعض موظفيها رهائن عنده. وزعمت الحكومة للشركة أنها محمية. وكذبت. فهجم الجيش الشعبي ودمر آلة الحفر الفرعاء التي جاءت بها الشركة من باكستان. وبلغ من إعجاز الضربة أن قالت الحكومة أن من أتلفها هي طائرة غارت على موقع القناة. ولملمت الشركة أطرافها ورحلت.

 وكنت طلبت رسالة فرنق عن طريق جامعتي الأمريكية وصورتها وقرأتها وزكيتها لبعض أهل الشأن. ولا أدري إن كانوا قد اعتنوا بها. ولكن عيب رفاق قرنق أكثر. فكيف أهملوا هذا الأثر الكتابي المميز (وربما الوحيد) للزعيم فلم ينشروه أو يعربوه بينما يحرقون بخور الثناء والتبجيل الجاهل على ضريحه فعل الطائفيين. وقد توقفت يومها عند بعض حججه أو استراتيجياته التي تجاوزت جونقلي إلى منطقة السافنا الشمالية ولم أعد اذكر منها شيئاً. أودع قرنق رؤيته الجيوسياسية في رسالته ولكن لا حياة لمن تنادي. وقد أضحكني نائب بلجنة الشئون الأفريقية بالكونغرس ذات يوم جاء فيه ذكر قرنق الثائر ونيله الدكتوراة من جامعة ولاية أيوا. قال النائب لزميلة من تلك الولاية: “أهذا ما تعلمونه الناس في أيوا!”.

أما رسالة الترابي فقد كان عنوانها “حالة الطواريء في الفقه الدستوري”. وهي بإيجاز عما تفعله دولة ليبرالية برلمانية  متى ما فاز بالإنتخابات حزب لا يؤمن بالديمقراطية البرلمانية ذاتها. وبالطبع كان هذا شاغل الديمقراطيات الأوربية التي خاض الإنتخابات فيها أحزاب شيوعية شاع أن الإنتخابات التي فازت بها ستكون آخر الإنتخابات . . . ويتلبد البلد بدكتاتورية البروليتاريا. وفي ظرف ما يزيد عن العام قليلاً طبق الترابي أطروحته كاملة وأطبق على الحزب الشيوعي الذي يحمل بالطبع جينات هدم المعبد الليبرالي. و”سمَّع” الترابي لوح رسالته علينا. وهناك مع ذلك من يظن أن حل الحزب فكرة تربية ظلامية استقاها من عقائد الإسلام وفقهه. كان الترابي في حله للحزب الشيوعي ليبرالياً من الطراز الأول. لكين تقول لمنو يا جماعة  الله!

تلك رسائل جامعية دانية القطوف. 

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً