زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
كل ما اشتدّ أوار الحرب، يطلع لينا بعض سدنة السياسة بخطاب جديد، آخر صيحاتو كان مصطلح “دولة الركام” ومنهم عصمت الديسيس، الذي اختار أن يختزل السودان كله في صورة كوم طوب وغبار
“دولة الركام” عبارة براقة، تصلح عنوانًا لندوة أو مانشيت مثير. لكن هل هي تحليل؟ أم مجرد نواح سياسي بنغمة عالية؟
البلد نعم منهكة و المؤسسات متضررة و الاقتصاد في الحضيض و لكن تحويل المأساة إلى توصيف نهائي للدولة نفسها فيه قدر من التبسيط المخل، بل والكسل الفكري
أولاً- حين يتحول التحليل إلى استعراض لغوي
“دولة الركام” بتختصر المشهد في الصورة الظاهرة: بيوت مهدومة، شوارع خاوية، دواوين حكومية مشلولة
لكن الدولة ليست جدرانًا فقط. الدولة شبكة علاقات سلطة، شرعية، مجتمع، ومؤسسات حتى وهي في أسوأ حالاتها
الذي يحدث في السودان ليس موت الدولة، بل صراع دموي على من يملكها
البلد دي حقت منو؟
منو البحدد شكلها؟
ومن الذي يملك شرعية الحكم فيها؟
اختزال هذا الصراع المعقد في كلمة “ركام” هروب من مواجهة الأسئلة الأصعب وثانياً المجتمع ليس خردة سياسية
لو كان السودان “ركامًا” كاملًا، لما رأينا لجان الطوارئ تملأ الفراغ، ولا شبكات التضامن الأهلي تتوسع، ولا النقاش السياسي يستمر رغم الرصاص
الناس دي ما عايشة في فراغ وكمان ما استسلمت
وما قالت البلد انتهت
المجتمع السوداني، رغم الضربات، لسه بينظم نفسو و لسه مختلف و لسه بيفاوض على معنى الدولة والاختلاف ذاته دليل حياة، لا دليل انهيار
ثالثاً خطورة خطاب الركام
المشكلة ما في البلاغة بس المشكلة في الأثر السياسي
لما تقول للناس إنهم يعيشون في “دولة ركام”، فأنت عمليًا
تضعف فكرة الشرعية المدنية
تفتح الباب لتبرير الوصاية الخارجية
وتسوّغ أي مشروع “إنقاذي” فوقي بحجة أن البلد انتهت
الخطاب ده ممكن يتحول من غير قصد إلى غطاء نظري لإعادة إنتاج الاستبداد، أو لشرعنة تدخلات بحجة إعادة البناء
الركام الحقيقي ما في الطوب
الركام الحقيقي في الخطاب الذي يحاول يُقنع الناس أن لا شيء يستحق الدفاع
رابعاً أزمة سلطة لا أزمة وطن
منذ الاستقلال، أزمتنا كانت في من يحكم، لا في قابلية السودان ليكون دولة , الانقلابات، عسكرة السياسة، الأحزاب الهشة، الاقتصاد الموازي دي كلها أزمات إدارة وسلطة.
اللي حصل اليوم نتيجة تراكم فشل النخبة
لكن الفشل الإداري ما معناه انهيار الفكرة الوطنية
في فرق بين سقوط نظام… وسقوط دولة
وفي فرق بين تعطل مؤسسات… وغياب المجتمع
خامساً منو المستفيد من كلمة “ركام”؟
السؤال البسيط- من الذي يخدمه هذا الوصف؟
هل يخدم المواطن الذي يحاول إنقاذ حيّه؟
أم يخدم النخب التي تريد إعادة توزيع أوراق السلطة تحت غطاء “إعادة التأسيس”؟
الخطاب السياسي الجاد لا ينوح فقط، بل يُشخّص بدقة
لا يكتفي بالصورة الصادمة، بل يغوص في البنية
السودان اليوم مأزوم إلى أقصى حد و نعم و منهك بل ممزق وكذلك جريح , ولكن ليس دولة ركام
هو دولة تُخاض عليها معركة , دولة يتنازعها السلاح والسياسة ودولة تُعاد صياغتها ربما بعنف لكن لم تُمحَ من الوجود
المانشيت الصاخب سهل , التحليل العميق أصعب
والفرق بينهما… هو الفرق بين من يصف الدخان، ومن يفهم النار التي تحرقنا وما مدي أضرارها .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم