أوراق قديمة (14) .. بقلم: د. مصطفى أحمد علي
6 أبريل, 2016
منشورات غير مصنفة
39 زيارة
قضى يومه في صحبة مجلة فرنسية حملها معه من الطائرة، قراءته أرجعته إلى أيامه في باريس ومجتمع باريس، همومه وشجونه..ضحك عندما قرأ أسطرا كتبها عن حياد إحساسه تجاهها..كان في واقع أمره يستنشق فيها الفكر والثقافة استنشاقا.
واغادوغو مدينة ساخنة..حركة الناس فيها بطيئة، كأنما يساقون إلى أمر عظيم،رائحتها قديد جففته الشمس.
.قاده مرافقه بالسيارة في شوارع المدينة، لاحظ أنها فسيحة منبسطة،شوارعها واسعة تحيط بها أشجار، تمتد خلفها حيشان رحبة مشجرة، تبدو في نهاياتها حيطان الدور…عمارة عجيبة تحيل المدينة إلى شيء أقرب إلى القرية..هل من فرق؟ واضح أنها بنيت في مطلع القرن،خططها الفرنسيون…الأشجار المستنبتة تصارع أقدارها التي غرستها في هذه الصحراء..جلها مجلوب لا يتسق مع المكان..ترى ماذا تكون هيئتها بعد مائة عام؟ أتستحيل الخضرة إلى غبرة وصفرة شأن غيرها من كائنات وأشياء؟
في واغا دوغو ألحت عليه خاطرة روائح المدن! كان يستنشقها فور وصوله! لكل مدينة عنده عطر تستقبله به…يظل عالقا بإحساسه ،ساريا في عروقه، مستحيلا إلى جزء منه، لا يستطيع له تمييزا.حتى إذا غادرها، غادره.
الرابعة صباحا في مطار واغادوغو.ذهبوا به في أول الليل إلى أحد مسارحهم لمشاهدة عروض راقصة.رجع إلى الفندق وغفا ساعة من الزمان أو لعلها ساعتان .كان فراشا وثيرا، ملاءات بيضاء معطرة ملمسها كالحرير ووسائد رقيقة من ريش النعام.ما إن سرت سنة النوم في جسده المنهك حتى أيقظه جرس التلفون ليتجه إلى مطار المدينة الأفريقية .
تأخرت الطائرة..أربع ساعات من الانتظار ولكنه لم يكن يعبأ..آيات الضجر تحيط به من كل جانب وهو غير عابئ، قوم نام بعضهم على المقاعد والكنبات، هنود يغطون في نومهم، في ملابس بائسة ولحى لم يهذبوها منذ ليال.بدا له أنهم لا يختلفون في مظاهرهم الكلاسيكية عن السودانيين…فرنسيون يتصرفون وكأنهم سادة هذا الجزء من العالم، ما يزالون!سلوكه وتصرفاته تبدو جريئة في أعينهم فيعجبون في صمت.
شعور حزين غمره منذ هذه الليلة، الناس هنا يدعس بعضهم بعضا ، المجتمع هنا طبقات مايزال..وفروا له سيارة وسائقا ومرافقا طيلة الأيام الماضية .كان عليه ، كما يقتضي البروتوكول،أن ينتظر باب السيارة ليفتح له قبل أن يركب أو يهبط …كان مجبرا على تمثيل ذلك الدور ، لكنه لم يقدر أن يتكلف ذلك حتى نهاية الشوط.كان يوثر أن يسأل السائق والمرافق عن المدينة وعن الناس وعن همومهما.لا يدري هل كان ذلك يزعجهما؟، يحرجهما؟حينما ودعهما قبل ساعة ،طفرت مشاعر مرافقه وبانت في عينيه.ألأنه أبدى اهتماما به ؟
هذه المرة لم يتبادل عنوانا مع أحد.كان أحرص على ذلك في سابق عهوده.الآن لا يحس رغبة في ذلك.كم من أناس غرستهم الحياة في دربه وهو سائر ماض في طريقه غير عابئ.. ذاك لعمر الحق مظهر من مظاهر مأساته مع الزمان.بمن يتعرف؟ ومن يهمل؟أحس أحيانا أنه مبتعد نافر عن الناس،مسرف في ذلك، لا يستمتع بالود صرفاً إلا مع قلة قليلة من الناس! ترى، ألهذا السبب، كان سعيدا ًفي باريس؟حياة مؤطرة، وعلاقات منظمة، وحرية في الاختيار،وحد أدنى من المجاملات،وانشغالات جادة، وغذاء للقلب وللروح وللعقل.
جلس أمامه طفل سنغالي شديد السواد حتى كأنه أزرق، تبدو في عينيه المتعبتين آيات البراءة، وترتسم في وجهه تفاصيل دقيقة تشع وسامة وجمالا، رأسه حليق وأسنانه في بياض الحليب.ملابسه جميلة منتقاة.هل لاحظ نظرات إعجابه به فاستلقى معرضا في حجر أمه؟
واغادوغو- داكار،أبريل 1990
alkhandagawi@yahoo.fr