أورنيك (8) .. الى أين يقود الأطباء مهنتهم .. بقلم: م.م. مجاهد بلال طه
12 مارس, 2016
منشورات غير مصنفة
68 زيارة
mogahid_b@hotmail.com
لا يفوق الأطباء تأثيرا فى الحياة العامة السودانية خلال العقود الأربعة الأخيرة إلا اهل القانون .. و ذلك ربما لأن هاتين المهنتين تشكلان أكبر ضلعين من أضلاع مثلث الحراك السياسى فى السودان .. و الضلع الأخير الأصغر لبقية المهن يتقدمهم المهندسون. و مما لاشك فيه أن الأطباء من أذكى و (أشطر) أهل السودان و أكثرهم رهقا فى تحصيل العلم كما أنهم أكثر أهل المهن جلبا للمفخرة للسودان و شعبه على مستوى العالم أجمعو ذلك بالرغم من الأوضاع الوظيفية القاسية التى يجابهونها فى بداية تخصصهم داخل البلاد .. و لما كان الامر كذلك .. تكون دوما القضايا التى طرفها الأطباء قضايا رأى عام و ذات حساسية عالية لدى متخذى القرار .. فقد يقتل بضع عشرة شرطيا فى العاصمة الخرطوم و هم يؤدون واجبهم و تسير الاجراءات القانونية الى نهاياتها بصورة هادئة لحين إكتمال حلقات التقاضى .. و قد يقتل موظفو التخطيط و الأراضى بولاية الخرطوم أثناء أداء واجبهم و لا يسمع بهم أحد فى الغالب .. لكن إن صفع أحدهم طبيبا فى مستشفى نيالا مما يمكن أن يعد بأنه مشاجرة أو اعتراض موظف دولة أثناء أداء عمله فذلك حدث رئيسى فى صحف الخرطوم و له حواش و متون و أصداء و وقفات و مطالب.
حسنا .. يدور جدل هذه الايام موضوعه الرئيسى هو بداية محاكمة بعض الأطباء بالقتل العمد لملابسات مرتبطة بمعالجتهم جريحا قبل اكتمال الاجراءات الرسمية الخاصة باستخراج الاورنيك الجنائى من الشرطة .. و لطالما تساءلت فى دواخلى لسنوات .. هل ينتظر مصابى الحالات الحرجة لفترات زمنية قبل تدخل الأطباء قد يكون ثمنها حياتهم مقابل الالتزام بالاجراءات الرسمية .. و هل هناك حالات فعلية توفاها الله لم يتدخل فيها الأطباء إنتظارا للإجراء الرسمى و لم يسمع بها الناس .. و فى كل الحوادث المميتة التى تفرد لها معظم الصحف صفحات كاملة لمتابعتها .. ألم يحدث أن تدخل الأطباء فى حالة حرجة قبل إكتمال الإجراءات الرسمية خوفا على حياة المريض .. سؤال أخير مهم .. ألم ينتبه الأطباء و مؤسساتهم طوال سنوات تطبيق الإجراء و أظنها طويلة .. ألم ينتبهو لأية قيود غير منطقية تفرضها إجراءات الاورنيك تحتاج لتعديل. تلك أسئلة بريئة تجول بالخاطر و ليس لدى عليها إجابة و لن أبنى عليها قولا أو فعلا أو تصورا .. لكنها (أى الاجابة) أيا كان شكلها و إتجاهها ستكون محرجة لمهنة الطب و لن تبرر ما يفعله بعض منسوبيها هذه الايام بإسم أورنيك (8) و مناصرة لزملائهم .. و ما يطلقونه من شعارات تجعل بعض قضاياهم العادلة تركبها موجات العداء السياسى .. فلا تغير نظاما و لا تعالج قضية .. و رأيي الشخصى أن ذلك الإجراء الرسمى يحول دون تقديم المساعدة فى الوقت المناسب لبعض الحالات كما أرى أن التنسيق بشأنه بين السلطات المختصة (الصحة و المجلس الطبى و الشرطة) أمر فى غاية السهولة و اليسر و لا يحتاج لكل ذلك الضجيج.
أمر آخر مهم .. فرغم ما يقوم به الأطباء من تضحيات جليلة تحت البند الواسع و المفتوح و المسمى برسل الرحمة .. و رغم أن مهنتهم يؤدونها غالبا تحت شعار (بين الحياة و الموت) خصوصا فى أقسام الطوارئ .. و رغم بشريتهم التى تحتم أن الإنسان يفرح و يحزن .. و يجوع و يعرى فيأكل الطعام و يمشى فى الأسواق .. رغم كل ذلك .. فقد تواترت الأخبار بحوادث الإعتداء على الأطباء فى المشافى .. و لما كان معروفا أن المناكفات بين مقدم الخدمة و متلقيها فى السودان أمر شبه عادى .. يكون الإعتداء هو الجديد ههنا .. و مع التأكيد على أنه فعل غير كريم و عمل غير صالح .. فالسبب فى الغالب لا يعود لسؤ معاملة او تقصير مهنى .. لكنه الفرق الكبير و الشاسع فى شحنة الإنفعال الداخلى لحظة التواصل بين الطبيب و متلقى الخدمة أو مرافقه .. فالمرافق غالبا تكون تلك هى المرة الاولى التى يواجه فيها شبحا للموت يحمله بين يديه لقريب او حبيب .. و الأمل الوحيد فى تكذيبه هو ملك الرحمة .. الطبيب المعالج .. فى المقابل فإن ذلك الطبيب تمر عليه فى اليوم الواحد عشرات الحالات المشابهة أغلبها بين الحياة و الموت .. و تكاد تؤول درجة إنفعاله الداخلية و (الخارجية) بالأمر الى الصفر .. وفق هذه الصورة المرسومة و البرود الذى يمكن ان يقابل به طبيب الطوارئ المريض و ذويه .. وجب على جهة ما أن تدرب صغار الأطباء على التلبس بمشاعر زائفة و شحنات تفاعل مصطنعة توازى ما يواجهه من حدث و لئن صحت عبارة أن السلوك المهنى لا يجب أن يقاس أو يقارن بالمقابل المادى أو المعنوى .. إن صح ذلك لكل المهن فانه لمهنة الطب أصح و آكد.
ختاما .. و بالرغم من أن ما قيل قد لا يعالج كل المشكلة .. لكنه من الثابت أيضا أن الضجيج لن يعالجها .. و يقينى أن الأطباء كمتخذى قرار أو موظفين .. موالين أو معارضين .. لديهم الحد الأدنى من الاتفاق على قضاياهم المهنية مما يمكنهم على السير بها بعيدا عما يعتنقونه من أفكار سياسية أو رؤى فكرية.