بقلم عمر العمر
aloomar@gmail.com
نقلاً عن العربي الجديد
تصريحات المستشار الأميركي مسعد بولس في شأن اطفاء الحرب السودانية تسوق البلاد لجهة استعادة سيناريو القرار الأممي 1769 بتشكيل ما أُسمي ب(العملية المختلطة) . هي ثمرة جهد مشترك بين الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي . عُرّفت ب( القوات الهجين) . ما اعتبره الصادق المهدي – على قبره الرحمة والسلام – (اسم دلع للقوات الدوليه ).تلك خطوة قصوى استهدفت احلال السلام في دارفور . لكن السيناريو الأميركي يذهب أبعد لجهة تطبيق (بعثة السلام متعددة الأبعاد ). هي الآلية المتطورة إبان عهد كوفي عنان ل(مفهوم حفظ السلام ).تلك الخطوة تفتح الأفق أمام اللجوء إلى البند السابع .فحينما تخفق الجهود الدبلوماسية لبلوغ تسوية سلمية تبقى التدابير العسكرية العلاج الأخير .القرار 1967 اختص بسلام دارفور . الأزمة الراهنة محورها سلام السودان . إذا كان النزاع في إقليم شكّل تهديدا للسلم الدولي ،فما بالك بالحرب في أنحاء الوطن . موفد ترامب قرع الأجراس بسيناريو جاهز الإعداد يعتمدعلى آلية أُممية . كما لوّح بتصنيف (اخوان السودان ) منظمة ارهابية . هذا دأب ترامب بتغليب العنف على الدبلوماسية .
ليست تصريحات المستشار الأميركي وحدها تؤشر نحو هذه التوجهات.فحال العمليات القتالية على الجبهات تعكس خفوت مصادر النار . كذلك يساهم اتساع رقعة استنزاف أطراف القتال على أفق مفتوح. انحسار مهمات المسيرات الجوية تعري رغبة في الحفاظ على ماتبقى من قوى ومن مواقع . صفقة هجليج عكست بوضوح. ذلك الاستنزاف وتلك الرغبة . لكن الأهم من ذلك تأثير تحركات و لقاءات داخل غرف مغلقة بدفع أميركي تعزز تشكيل تلك التوجهات الطارئة .الادارة الأميركية استوعبت عدم جدوى ركوب أي مغامرة ظهرها القوى العسكرية . هذا الدرس جعل ترامب يحجم عن منح الآلية العسكرية الضخمة الأولوية في شأن الأزمة مع إيران . كذلك بدا ترامب أكثر قناعة بعدم نجاعة إجراء عملية جراحية على نهج التجربة الفينزويلية تستهدف فقط رأس النظام . فيما يتصل بالحال السوداني يكفي الرئيس الأميركي صفقة بلا كلفة عسكرية حتى يتباهى بميدالية السلام التاسعة.
الجهود الرباعية تستهدف تحقيق هذه الصفقة حتى ادا اقتضى الأمر اللجوء إلى آلية كوفي عنان ( بعثة حفظ السلام متعددة الأبعاد).هذا تدبير يتجاوز الفصل السادس إلى الفصل السابع . ليبيريا شهدت النسخة الأولى لهذه التجربة بموجب قرار مجلس الأمن 1509 صادر في سبتنبر 2003 . البعثة الأكبر عددا في تاريخ الأمم المتحدة إذ بلغ قوامها 15 ألف رجل. فيظل انتشارها توقفت العمليات القتالية و أُنشئت حكومة انتقالية أنجزت انتخابات بعد سنتين . كما شهدت ساحل العاج النسخة الثانية من (متعددة الأبعاد) العام التالي 2004 . بالإضافة إلى المهام التقليدية ذات البعدين العسكري والأمني من مراقبة وقف النار ونزع الاسلحة تطلع (متعددة الأبعاد) بمهام انسانية .كما تساهم في تطوير البنى التحتية ،معاونة الحكومات الانتقالية وتنظيم الانتخابات . احلال السلام في السودان يتطلب تبني مثل هذه التدابير .
ميثاق الأمم المتحدة لم يذكر في الأصل شيئًا عن قوات لحفظ السلام .لكنه حمّل المجتمع الدولي مسؤولية حماية حقوق الانسان وحماية الشعوب أوقات السلم والحرب . الميثاق أنشأ لجانا وهيئات لتفعيل تلك الأدوار . النزاعات المسلحة أثرت التجربة السياسية العالمية باستحداث هذه الآلية العسكرية. لكن الحرب الباردة عرقلت خيار تطبيقها . فالاستقطاب داخل محلس الأمن لم يُيسر تشكيل قوات لحفظ السلام في مناطق ملتهبة . ارسال قوات الطوارئ الدولية إلى سيناء عقب العدوان الثلاثي كاء بقرار من الجمعية العامة وليس محلس الأمن .طوال 44 سنة منذ تأسيس المنظمة الدولية في 1945 وحتى العام 1989 جرى نشر 15 بعثة فقط. بينما نُشرت 41 بعثة خلال ال13 سنه التالية . تعدد بؤر النزاعات المسلحة بالإضافة إلى تحرر مجلس الأمن قليلا من الاستقطاب الاميركي السوفياتي ساعد في ذلك .كما طرأ اهتمام على الصعيد العالمي بإضافة مفاهيم جديدة في أدبيات السلم والأمن الدوليين مثل الدبلوماسية الوقائية و تطوير مفهوم بعثات خفظ السلام . كذلك نشطت موجات سخاء في التمويل .جميع هذه العناصر ساهمت في تخفيف معاناة ضحايا النزاعات المسلحة وجهود استرداد السلام .
مهام القوات الدولية ظلت محصورة في مراقبة تثبيت قف النار، إعادة تمركز الفرقاء المسلحين ، تأمين وصول المساعدات والإغاثة . كوفي عنان عمد إلى تطوير وتوسيع مهام بعثات حفظ السلام بعدما تقلّد منصب الأمين العام للامم المتحدة في العام 1997 .عنان كلّف لجنة برئاسة الوزير والوسيط الجزائري المعروف الأخضر الإبراهيمي ببلورة اقتراحات من شأنها تحديث مفهوم حفظ السلام .توصيات لحنة الابراهيمي أرست قاعدة قوات حفظ السلام متعددة الأبعاد. فعالية الآلية تتطلب بعد محلس الأمن موافقة الاطراف المعنية بالاضافة إلى إرادة سياسية بغية انجاحها . ربما يلجأ مجلس الأمن إلى تمريرها تحت الفصل السابع . الأزمة السودانية الراهنة تمثل تحديا أمام ترامب ،ربما محلس الأمن بغية ارسال هذه البعثة الدولية .لكنها ربما تمثل في الوقت نفسه المخرج الآمن لنفض دخان وغبار الحرب الكارثية الحالية وانقذ مايمكن انقاذه من الضحايا والبنى التحتية .في غياب العقل السياسي والارادة الوطنية القادرتين على فتح ذلك المخرج يبقى الرهان على آلية أممية حسب توصيف الموفد الأميركي.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم