بقلم عمر العمر
aloomar@gmail.com
لابد من تخطي (التوصيفات الجاهزة) عند مقاربة فعلة ترامب في فنزويلا . الاطماع الأميركية في الموارد وحدها لا تكفي لفهم تلك المغامرة العدوانية الوقحة .تلك ليست وصفة جاهزة فقط .بل نظرة سطحية كذلك. القراءة الناجعة لا تتعمق فقط في فهم أميركا .إنما تشمل بالضرورة شخصية ترامب . لكن الصورة الشاملة لا تكتمل دون تسكين اختطاف سيادة دولة ورأسها في سياق جديد للعبة الأمم العتيقة . ترامب يعيد قولبة وشرعنة استخدام العنف في صوغ الجغرافيا السياسية ببصمته الذاتية .قولبة تمزج بين قدرتي أميركا وترامب على المغامرة والمخاطرة. مزج يستوعب أحدث ما أفرزته ثورة المعلومات والتكنولوجيا .كل ذلك ماكان ليحدث لولا روح ترامب المشحونة بجشع التاجر ، رعونة رعاة البقر وشغف رجل الأعمال بالصفقات الكبرى بغية تحقيق مكاسب ، أبرزها شراء مكانة في التاريخ .ترامب يخوض مغامراته بقناعة رجل محظوظ يفوز دوما بصفقات ضخمة دون كلفة أخلاقية. لذلك لا يهتم باحتمال الفوضى المرجحة حتماً في البورصة الدولية بعد مغامرته الفنزويلية.
القراءة المعمّقة في شخصية دونالد ترامب توضح كم التناقضات اللاخلاقيه الصارخة اذ يجمع بين الشيء وضده في موقف واحد. فهو يتكلم عن السلام بينما يستخدم أشد الأسلحة فتكًا .كذلك يتحدث عن السيادة الوطنية فيما يؤيد تغيير الحدود بالقوة . ينادي بالتعاون لكنه يشترط علناً استلام العائد أو الطرف الآخر مقابل الخدمات. ترامب غير معني بتجميل أميركا دولة تتزعم النظم الديمقراطية في الكرة الأرضية . لذلك لا يتردد في الذهاب إلى مصادقة رؤساء الأنظمة الدكتاتورية . على صعيد الدولة فإن أميركا دأبت عل التدخل في دول في بقاع الكرة الأرضية ؛لبنان، افغانستان ،يوغسلافيا افغانستان ،العراق، غرينادا وبنما. باستثناء ملمح من التشابه مع اختطاف رئيس بنما مانويل نوريغا مطلع العام 1990 تنوعت مسوغات التدخلات الأميركية.لكن عملية فنزويلا تكسر كل (التوصيفات الجاهزة) السابقة في ظل الحرب الباردة. من ذلك محاربة الشيوعيه وحماية حقوق الانسان.تحت تلك المظلة عمدت أميركا إلى الإطاحة بأنطمة يسارية في أميركا الجنوبية بدءًا من تشيلي ،الأرجنتين ونيكاراغوا. في فنزويلا بتجمع ذلك القوس الموشّح من محاربة اليسار إلى تأمين البترودولار.
ترامب يذهب في مغامرته الفنزويلية في لعبة الأمم حسب تلك (التوصيفات الجاهزة) حد إعادة تحديث مفهوم الاحتلال وفق توصيفة حداثية . فالمغامرة أشد عدوانية من سابقاتها في الجنوب لكن ترامب يتفادي إبقاء قوات أميركية في فنزويلا . كما أنه لا يُنصّب حاكما في كراكاس . مع ذلك تعيد المغامرة انتاج الاستعمار التقليدي في توصيفة حداثية مرتكزها الهيمنة. هو لا يكتفي بشرعنة الغزو واختطاف الرئيس بل يضع فنزويلا بمن و بما فيها تحت إدارته ورهينة استثماراته لجعلها ( عظيمة مجددًا ). ترامب لايتجاهل مواثيق ومبادئ المنطمة الأممية ، القانون والأعراف الدولية . بل ينتهكها. بنفوذ رجل الأعمال المتغطرس يسوّق ترامب غزو فنزويلا توصيفة من انتاجه تحمل علاماته التجارية أسماها ( مبدأ دونرو) مجاراة لعقيدة جيمس مونرو .هو لا يستهدف وقف التدخل الأوروبي في الأميركيتين كما قصد سابقه العام 1823 ،بل يعتزم فرض هيمنة البيت الأبيض عليهما .لذلك يلوح بالعنف العسكري إلى كل تلك الدول من كولومبيا إلى غرينلاند .تجاه ايران يتجاوز ترامب التلويح إلى التهديد المباشر مجددًا.
ترامب يصنع الفوضى لكنه ليس كسابقيه لا يتورط في التوغل داخلها . لذلك لم يطل إبقاء قوات الغزو على الأرض الفنزويلية. ما من شاهد على استيعابه دروس تورط أميركا في فيتنام ،افغانستان والعراق. فترامب المتهور ينجز مغامراته خارج فصول التاريخ ودون الاهتمام بابعادها أو تبعاتها .رهاناته على وضع فنزويلا رهينة إدارته تتجاهل رد فعل الشعب الفنزويلي . حساباته لا تحصي كذلك الصدى داخل الولايات المتحدة على المدى القصير والبعيد . كالعادة يضع هذا الرئيس المتعالي القيادات في عواصم العالم في موقع المتلقي لكل أفعاله . هناك قوى تقاتل قواتها على غير أراضها . ثمة عواصم تتربص بدول في الجوار . فوصى ترامب تغري الجميع باستكمال أطماعها إذا واصل العالم الصمت المخزي تجاه انتهاك الرئيس الأميركي القوانين والمبادئ الدولية.
ذلك الاستنكار الخجول العالمي تجاه توحش نتانياهو في غزة ولبنان و سوريا بمساندة ترامب فتح شهية رجل الأعمال لممارسة ثقافة راعاة البقر الأميركية على الهواء في ضوء الكاميرات . فما كانت أميركا طرفًا في حرب يستدعيها استفار قاذفاتها عابرة القارات من أجل قصف إيران .لكنها طموحات السياسي الباحث عن مكانة في التاريخ و المحرَّض بأطماع الدولة الساعية للهيمنة على حقول النفط والمحافظة على قيمة البترو دلار . هي المعادلة ذاتها في مغامرته في فنزويلا . غريبٌ مريبٌ سكوت العالم في الحالتين! شيءٌ ما بين الخوف والمؤامرة. ماركو روبيو وزير خارجية أميركا قال ماحدث في فنزويلا ليس في وسع دولة انجازه . لكن الوزير لم يقل ما كان لرئيس أميركي آخر أن يفعله لأسباب متباينة ليس بينها العجز . أحدها إن لم يكن أبرزها شخصية ترامب . على ابن المهاجر الكوبي مراجعة (أزمة خليج الخنازير) ليتعلم من التاريخ .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم