زرياب عوض الكريم
أ. مدخل إلى سيكولوجيا الإستعمار
بدى البعضُ مُندهشاً من المواقِف الإنتهازية – الإنهزامية أو هكذا بدت ، لـ مُثقفي الأقليات المُنحدرة من جُذور غرب إفريقية أو تركومصرية ، خلال حرب 15 إبريل 2023. أو بعد مرور فترة كافية من الصراع دون أن تضح مآلاته.
مَواقِف تُحاول مُواكبة النزاع ودينامياته وإرضاء سُخط الأغلبية المُزيفة من الطبقات المُسيطرة ، لا خلق موقف مبدئي بعينه.
من التواطُؤ القسري (آلية للحُصول على القُبول الإجتماعي وتسامُح الأكثرية الزائفة) ، مع مُؤسسة الدولة العميقة أو الأغلبية الزائفة ، كما هي مَواقف عبدالعزيز بركة ساكن (2024) ، التي سبقه إليها التجاني حاج موسى في عام 2008.
إلى التماهي الكامل معها على سبيل المُزايدة في المواقف ، مِثل مواقف الدُبلوماسيين والتكنوقراط [علي سَحلول / علي الشريف / إبراهيم غندور / فاروق أَبوعيسى المُحامي] .
هناك مَواقف أُخرى جسورة طبعاً ، لكنها ليست السائد بل اللافت ، من قبيل مَواقف [حسين بازرعة / صديق الزيلعي / مبروك مُبارك سليم الرشيدي / أبو بكر القاضي المحامي] .
تسعى (جاهدة) ، لتمثيل الأقليات في حِوار الهامش وتشكيل (المركز المُضاد). ولا تكترث بسُخط مُجتمعات المركز (الطبقات المُسيطرة).
أيضاً في الضفة الغربية ، من نهر النيل وصحراءه غرباً [الدكتور علي الحاج محمد / القائد الجمالي حسن جلال الدين المُحامي / الدكتور الطاهر الفكي].
تاريخياً كانت هذه المُجتمعات (المُتعايشة) أو المُتداخلة عبر الحدود coinhabitant ethinities كما يتم تعريفها في الدستور الفيدرالي الروماني مابعد مذابح الحرب العالمية الثانية ، مُتهمةً حتى تثبُت براءتها وحُسن نياتها تجاه الأكثرية المزيفة أو الطبقات المُسيطرة ، وعُرضة للإبتزاز الإجتماعي ، فضلاً عن (الإزدراء) المُؤسسي وعدم الإعتراف بها.
راجع :
عن ستراتيجيات (التواطُؤ) الإجتماعي.
-أُطروحة الباحث الفلسطيني في الجامعة الأمريكية ، الدكتور رائف زُريق. المُهمة للغاية في ذي صدد.
رائف زريق : الذات والإخضاع ، الذاتية والخضوع.
(2019).
Judith Butler, Psychic Life of Power (1997).
تعرضت هذه الإثنيات المُتعايشة أيضاً ، لمجموعة من الإبادات المسكوت عنها في القرن التاسع عشر (1883-1886) على يد المهدوية.
[حيثُ تم إبادة السودانيين البيض من أصول تركومصرية ، نحو عشرة ألاف من الخُلاسيين السودانيين (أولاد ريف) في شرق شمال كردفان في أُم روابة والتيارة والأُبيض ، في مذابح غير مسبوقة بتعليمات منشورة من المهدي بحجة الإنتقام من عنف الجيش التركي.تجاوزت القتل والإغتصاب والسبي الخ ، إلى قطع الأُذان (بشكل مُضاد) بهدف ترك وصمة].
في مذبحة جودة (1955) ، إستهدفت الدولة و أجهزتها القمعية ، بتحريض / تواطؤ الطبقات المُسيطرة عليها (العائلات الإقطاعية الكولونيالية وصغار الجلابة المُستحوذين على وظائف الإستعمار حديثاً مابعد السودنة) , بشكل واضح قمع مُجتمع الكنابي في السودان الشرقي ، بما يرقى إلى الإبادة.
حادثة مذبحة الضعين (1987) وملابساتها المرتبطة بقمع الحقوق الدينية للعُمال الجنوبيين (الذين يشكلون أساساً لظاهرة الكنابي في غرب السودان) ، يمكن عَدها إمتداداً لنفس مُمارسات الطبقات المُسيطرة في مذبحة عنبر جودة(1955). مع إختلاف الفاعل المحلي من جنود إثنية الشايقية في كوستي إلى دور فئة من أعيانتاريا الرزيقات في حادثة قطار الضعين.
ختاماً
العلاقات الهيراركية المأزومة (المسكوت عنها) بين الطبقات السودانية الرئيسة بعد 1820 ..
- الهامِش (الإثنيات الفلاحية وشبه الفلاحية المالكة تاريخياً للأرض في الريف) titular ethinities.
- الهامِش المُزدوج (الجماعات الإثنية الصغيرة الرعوية والحرفية غير المالكة للأرض في الريف) non titular.
- المَركز (الطبقات الإجتماعية المُسيطرة). مِن المُحاربين أو قوى الإقطاع العسكري (السُلالات الحاكمة).
وهي تاريخياً وإقتصادياً ليست بُرجوازيات كبيرة وحسب ، بل قوىً وسيطة بين الهامِش المُزدوج والهامِش أو الريف compradorism.
لا يُمكن تفسيرها خارج السياقات المعنية بـ سيكولوجيا الإستعمار و الإستعمار الداخلي ، سياقات التبعية أو الإكتساب / التنافُس أو التحدي الإثني / القمع والإستحواذ والإستعلاء.
إنتهت التقدمة.
ب. إحالات تاريخية
1- فشل البرجوازية الكبيرة في الإنفصال عن الطبقات المُسيطرة 1924.
2- ثورة الهامش المُزدوج ضد الريف 2023.
3- الهامش يحاول إستغلال الهامش المُزدوج 1983.
ج. صراع أقلية الجنجويد ضد الطبقات الوسطى في الريف (نموذج تفسيري)
- الموقع الطبقي لمسألة (الكنابي) : الإستدخال والتواطُؤ كإختيار إجتماعي
الإستدخال (Introjuction (Inferriority ، هو الخيار الطوعي للإثنيات والطبقات المهزومة ، في الحروب القديمة (غير المُتكافئة) للبقاء.
الإثنيات المُستدخِلة في الهُويات (المُنتصرة) والجماعات المَقهُورة (المقهُورين) ، لا تُمارس (المُقاومة) عادةً ، ولا تتبنى ستراتيجيتها الإجتماعية ، إلا في الحد الأدنى.
بدلاً عن ذلك تسعى للإندماج في المركز القديم / الجديد / الترقي داخله ، متى تحقق الحد الأدنى من القَبول الإجتماعي بهذه المنزلة الإجتماعية ، من الطرف الآخر. أو واتت الفُرصة التاريخية لذلك (التكسُب من خلال إثبات الولاء الإجتماعي).
فهي لا تملك الإزدواجات الإجتماعية الإقتصادية للثورة وإحداث الصراع الطبقي من أصله ، بل تكافح للحصول على مُقومات الحياة البدئية.
تُصارع من أجل الإندماج ضمن الطبقات البرجوازية المُسيطرة (القومية الشمالية). لا الإستقلال عنها ، أو الإنفصال الإجتماعي والإنعتاق أو التحرُر الوطني أو الثورة.
كل تعريفٍ يُبعدها من هذه الغاية ، يندرج في سياق الخُطورة والمُغامرة. بل التهديد للمكاسب الوجودية.
من هُنا يأتي توجهها نحو (ستراتيجية التواطؤ) ، مع أحد الطبقات المُسيطرة المُتناحرة ، وإنحيازها الفعلي له بحثاً عن (الإستقرار) طويل الأمد أو (الصعود الناعم).
يُميّز (رائف زُريق) هنا في دراسته المذكورة ، بين الذات والذاتية subjectivity.
بمعنى السعي إلى ولادة ذات (جديدة) ، في حالة المُجتمعات التي إختارت ستراتيجية المُقاومة والإختيار الثوري ، وهي في حرب 15 إبريل 2023 ، أساساً مُجتمعات الهامش المُزدوج. التي تحاول من خلال العنف والإرهاب الثوري ، إعادة تعريف نفسها إجتماعياً , و/ أو مُساومة الطبقات المُسيطرة ، على الإنعتاق من التهميش المُزدوج double peripheralization , إلى (منزلةٍ أعلى) بتعبير شارلس تايلور.
في مُقابل نسق إجتماعي مُختلف ، من العمل على الحفاظ على (الذاتية) لـ هوية موجودة أصلاً ضمنياً ، ضمن قالب هوياتي آخر وهُوية مغايرة ، في الأصل هي هُوية إختلاف ، لا مُطابقة. ذلك من خلال تفعيل ستراتيجية (التواطؤ).
هذا يُفسر كيف أن (مُجتمعات التواطؤ) ، تمارس الخضوع الذاتي ، لطبقات ومُجتمعات أقوى منها ، مُقابل الحماية. أو الحفاظ على ذاتيتها الموجودة اصلاً في ظروف لا تمكنها من المنافسة والصراع. أو حماية إزدواجياتها الإجتماعية الإقتصادية الأضعف.
- مُرتزقة الريف وثُواره : سعي الإستحواذ والإستحواذ المُضاد
تبادل كلاً من مُرتزقة الريف (بِنية الهامش المُزدوج أو ما دون البروليتاريا) ، وثُواره (بِنية الهامش) ، التمكين الإجتماعي العنيف أو العنفوي من خلال ثُلاثية الإستغلال والإستحواذ والإخضاع ، من خلال الإستحواذ على الإزدواجات الإقتصادية الإجتماعية لـ المُجتمعات الأضعف منها أو الادنى منها ، بل والعمل على تجريدها منها بما فيه الأصول المالية الجماعية والفردية والتراكمات البدائية ، وُصولاً إلى إخضاعها تماماً.
الجماعات الإثنية المُسلحة هنا ، تسعى لإخضاع الجماعات الإثنية غير المُسلحة.
أي بتعبير سايمون ، مارست التوسع في القوة أو (التجذر المزدوج).
اما في حالة (الجنجويد) أو مُرتزقة الريف ، فإن الأمر مختلف شيئاً ما ، حيث سعوا دائماً إلى تجريد الجماعات الأقوى والأعلى منهم ثقافياً وإجتماعياً (من ناحية الإنتاج) من السلاح والمقومات كما الإزدواجات الإجتماعية الإقتصادية كافة.
(ممارسة الإقتلاع).
حاولت الحركة الشعبية بقيادة قرنق وكتلتها الإجتماعية الصلبة من مجتمع الدينكا ٠في عام 1983، إخضاع مجتمعات المسيرية بشتى السبل وتجري ها من ثرواتها الحيوانية ، وتشريدهم من خلال سلسلة هجمات.
وهو نفسه تماماً ، ما مارسته حركات تحالف الزغاوة / الفور / المساليت ضد الرعاة العرب في العام 2003.
قبل أن يتطور ذلك لـ مجموعة من التحركات العسكرية هدفها إخضاع دار البقارة في جنوب دارفور ، بداية من الهجوم على دار الهبانية في مدينة برام عام 2005 وقتل أربعة آلاف شخص بمن فيهم وكيل الناظر ، وصولاً إلى الهجومي المبيت على قوز دنقو عام 2012.
هُناك أيضاً..
سلسلة من الهجمات المُنظمة ، كان هدفها إخضاع الجماعات الإثنية النوبية في شمال دارفور وإعادة تشكيل تراتبيتها الإجتماعية ضمن سياق السلطة الجديدة للقوة المسلحة لإثنيات (مفز) MFZ الثلاثة ، أو العمل إخضاعها بشكل هيراركي.
الإثنيات النوبية (الأضعف) المُستهدفة بهذا الإخضاع الهيراركي ، البرتي / التنجر / الميدوب / البرقد.
تم العمل بشكل يبدو منهجياً ، على نقل الصراع المسلح مع الحكومة المركزية وتوطينه في مناطقهم ، ثم إستهدافهم في تلك المناطق والعمل على تشريدهم منها ونزع سلاحهم وتجريد أصولهم المالية وإزدوجياتهم الإجتماعية الإقتصادية ، بما في ذلك إيجاد مستوطنات لإثنية الزغاوة المحارِبة militant zaghawa في مناطقهم ، تُسمى (معسكرات النازحين).
الحقيقة أن هذه المُدن البديلة (المُعسكرات) ، موجودة فقط في مناطق الإثنيات والقبائل النوبية والعربية الضعيفة وغير المحارِبة..
غير موجودة في مناطق الإثنيات المُنافسة ، مما مكن عائلات أولئك المُسلحين من الزغاوة (مُجتمع النازحين) ، من السيطرة على إقتصادات هذه المناطق وحتى مُجتمعاتها من خلال الأدوات الإقتصادية وإنزياح الملكية.
- التنافُس التناحُري داخل الهامش المُزدوج
مسألة الهامش المُزدوج كان (يُفترض) أن تستوجب توحُد طبقة الرعايا (البدون) pan-tributers , غير المُعرفين كمُلاك عقاريين أو مُواطنين عقاريين داخل الريف ، ضد قبائل الهامش أو مُلاك الأراضي الإسميين ، من إثنيات الفور / المساليت / الإثنيات النوبية في شمال وغرب دارفور pan-titular.
إلا أن الإثنوغرافيا والتنافُس الإجتماعي (كمُعطىً لا نتيجة) ، تغلبا على كل المصالح الإجتماعية الإقتصادية (المُمكنة) ، بين قُطبي الهامِش المُزدوج ، في صحراء شمال سلطنة دارفور.
بدأت حرب دارفور 1964- 2003 كصراع تنافُسي داخل قوى الهامش المُزدوج (الرزيقات الشمالية والزغاوة) ، على تَركة السَلطنة الإقطاعية الإفريقية في شمال دارفور.
علاقة كلتا الإثنيتين (المُتنافستين) بنظام الجبهة الإسلامية للقوميين الشماليين في الخرطوم (ثورة الترابي الثقافية) ، بدأت في وسط الثمانينات ، وهي نفس فترة السباق المحموم بينهما في تشاد أيضاً على توظيف الولاء لـ (ثورة القذافي الثقافية) في ليبيا ، من أجل حسم الصراع الداخلي في تشاد مع الجنوب المُغاير ثقافياً , وبينياً داخل الشمال نفسه.
بدأت هذه العلاقة بالمُوالاة الزبونية لجناحي نظام الخُرطوم (قبل 1991, 1998 وبعده) ، الرابطة الولائية ، التي لم تكن مَثار رضا من المُجتمعات المحلية الشمالية ولاقت الكثير من النقد الإجتماعي وتعبئة الكراهية ، وإنتهت بالإنفصال الدموي عنه ، من خلال مُفاصلتي (1998) و (2023) الإجتماعيتين.
في وسط الثمانينات ، إستقوت أنتلجنتسيا الزغاوة (بري بور) بـ الهُويات المَرجعية ، الفلاحية الإفريقية – المحلية – لسلطَنتي الفور والمساليت ، من أجل طرد الرُعاة المَُنافسين من الرزيقات الشمالية (المحاميد والماهرية) , على ريع التمويل والإستقطاب الزبوني للثورتين الثقافيتين ، في ليبيا (ثورة القذافي الثقافي) و الخرطوم (ثورة الترابي الثقافية) Turabism. طردهم من مُرتفعات وسط وغرب دارفور.
بينما في مُواجهة هذا (التحالُف الإفريقي) الرعوي – الفلاحي أو ما أسماه جون قرنق (الكُتلة السوداء) ، آثرت نُخبة الرزيقات الشمالية أو عرب شمال دارفور ، إستدخال الهيمنة الشمالية إلى الإقليم (مِن الولاء لحزب الأُمة بعد 1983 إلى الولاء لحزب المُؤتمر الوطني في حرب 2000).
راجع :
تاريخ عبدالله مسار وفضل السيد شعيب السياسي في الصراع ، وصولاً إلى كتابة مُذكرة التجمع العربي في دارفور بواسطتهما (1987) ، وكتابة بيان قُريش 2 (1991).
وقد كان مَسرح هذا الصراع التنافُسي هو شرق تشاد (سلطنة ودّاي) رُغم صراعهما المُشترك مع إثنية القُرعان ، وغربي السودان (سلطنة دارفور). حيثُ يتشاركان أيضاً النزاع مع إثنية الفور.
إستمر التنافُس التناحُري بينهما بعد ثورة (2019) رُغم مُحاولات التحوُط السابقة من خلال إتفاق جوبا 2020 (الذي هو في خلفيته الأساسية (صفقة داخلية غير متوافق عليها أو غير مُرضية) بين الطرفين ، تمهيداً لإستكمال (تحالف قريش 2) أو (الجنجويد) ، الإستيلاء على السُلطة (دولة الغنيمة) في الخُرطوم.
ويبدو أن الفصائل المُسلحة لإثنية الزغاوة ، رأت في إتفاق جوبا نفسه قِسمة غير عادلة وغير مُنصفة في دولة الغنيمة المُنتظرة ، وفي وثيقة الإتفاق الإطاري مع القوى السياسية المدنية الشمالية عام 2022 (إنقلاباً على العهد الأول).
بعد حرب 15 إبريل 2023 ، إستمر الصراع التنافُسي بينهما ، بأشكال وأدوات مُختلفة (من إعلان الحياد إلى فك الحياد ، إلى تبني موقف الإرتهان للمركز الشمالي وإلحاق دارفور وكردفان به northernfication.
بما في ذلك مُناصرة الدعوة إلى إعادة إحتلال غرب السودان أو الوَحدة القسرية.
كما إسباغ الشرعية الإجتماعية (تبرير الخُضوع) من جديد ، على الإستعمار الداخلي التاريخي في الشمال). بكل ما يمثل ذلك وقوعاً في (فخ التناقُض).
الصراع التنافُسي بينهما سيستمر في كل سانحة لأداء دور إجتماعي طليعي مُختلف / جديد ، على شاكلة ثورات الخُبز في الخرطوم ، أُكتوبر 1964, إبريل 1985, ديسمبر 2019.
لأن العلاقة بينهما أساساً هي علاقة (تناحُرية) ، على اللاندسكيب الصحراوي – الرعوي ، تُغذيها الغيرة الإجتماعية من صعود (الآخر) ، والرغبة الكامنة في إحباطه بكل الوسائل المُمكنة.
Northernwindpasserby94@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم