بقلم: محمد يوسف محمد
بسم الله الرحمن الرحيم
لم يستنفر حميدتي أهل قبيلته فقط كما فعلت الحركات المسلحة ولكن جمع قبائل عديدة وأيضاً جند عدداً كبيراً من الأجانب من خارج السودان لهذه الحرب، فكيف إستطاع فعل هذا وكيف تحصل على السلاح؟
بعد إنفصال الجنوب إتجه البشير لفكرة إنشاء قوات مناطقية سريعة التدريب وسريعة الحركة تعرف جغرافية المنطقة المعنية ومعتادة على العيش فيها وهذا بالطبع يصب في مصلحة القوات المقاتلة في السلم والحرب وبدأت الفكرة بحرس الحدود وموسى هلال ثم ظهر حميدتي الذي لم يكن زعيم قبلي مثل موسى هلال لكنه نجح في التقرب من البشير وأصبحت قواته تمثل قوات المشاة في الجيش ومقابل ذلك منحه البشير المال وجبل الذهب والمشاركة في حرب اليمن مقابل مرتبات مغرية تدفعها دول الخليج.
هذا الإقتراب من البشير جعل الدعم السريع جسم منفصل عن الجيش وخاج التراتبية العسكرية، وأبدى عدد من الضباط تحفظاتهم للبشير على هذا الوضع ولهذا قام البشير بإنشاء قانون للدعم السريع وإجازنه من البرلمان معتقداً أن هذا سيقنن الخطأ ولكن تعمق هذا الخطأ أكثر بعد الإنقلاب على البشير فقد إستخدم قادة الإنقلاب قوات الدعم السريع في تأمين الإنقلاب على البشير ضد أي تحرك محتمل من بقية القوات النظامية، وهذا الخطأ ساهم في تمدد الدعم السريع واصبح صاحب يد عليا في هذا التغيير رفعه لتولي منصب نائب رئيس الفترة الإنتقالية.
وأطلقت الحكومة الإنتقالية يد شخص لايتبع لتراتبية القوات المسلحة العسكرية لينفرد بالتجنيد وزيادة عدد قواته الخاصة مستخدماً أدوات الدولة وأموالها بحكم منصبه وبهذا تمتع حميدتي بالإستقلال العسكري والسياسي والإقتصادي!! ووسع إمبراطويته الإقتصادية وتمدد خارج جيشه وزرع رجاله في مرافق الدولة تمهيداً لتنفيذ طموحاته في الإنفراد بالسلطة.
نوايا حميدتي وتحركاته كلها كانت علنية وصرح بها للجميع في عدة مناسبات ولكن الهياج الهستيري وسكرة الثورة عطل العقل والوعي الجماعي عن رؤية نوايا حميدتي.
وبالمقابل لعبة موجات الإحالات اليومية في القوات النظامية وأجهزة الدولة وسجون لجنة التمكين دور كبير في إرهاب الجميع فلا يستطيع أي مسؤل قول شيء، فكل من ينطق حرف خلاف ما تنتجه مكنة القحاطة يصنف فوراً بانه كوز يسعى لعودة الكيزان ويتعرض للشتم في الوسائط والضرب والإعتداء في الشوارع. فحتى عضو المجلس العسكري الفريق شمس الدين تعرض للشتم عندما كان في زيارة خاصة في احد الاحياء بالخرطوم.
في ظل هذه السكرة وغياب الوعي التام لم ينتبه أحد لمايقوله ويفعله حميدتي علناً فالكيزان يرتجفون من لجنة التمكين واجهزة الدولة ترتجف من الإحالات والإعتقالات والمصادرات والقحاحيط شركاء العسكر في السلطة مشغولون بشيطنة الكيزان وشتمهم والقضاء عليهم ومصارعة طواحين الهواء.
تحرك حميدتي تحركات واسعة وسط زعماء القبائل ووزع الهدايا عليهم.. سيارات وآبار مياه.. وعلاج مجاني.. وكل شيء.. وتحرك حميدتي تحركات خارجية اقليمية ودولية فزار (دول الجوار.. روسيا.. تركيا.. الأمارات) لضمان أسواق وممرات السلاح وتجنيس المقاتلين من الداخل والخارج.
المؤسف أن الحكومة تركت لحميدتي الساحة خالية يفعل ما يشاء في ذلك الوقت وحتى الآن تركت له الساحة الإجتماعية والسياسية خالية فالحكومة لم تحاول دحض خطاب المظلومية والكراهية الذي جند به الشباب ولم تبث التوعية وتوضيح خطورة الحرب ولم تحاول التواصل مع زعماء القبائل لإستقطابهم لوقف الخزان البشري الذي يمد حميدتي بالمقاتلين وأكتفت الحكومة بإستخدام السلاح والدفاع فقط لفترة طويلة وتركت الساحة السياسية والإجتماعية والإقليمية لحميدتي خالية يتحرك هنا وهناك وكانت النتيجة إستمرار تضخم قوة حميدتي وإكتسابه شبكة علاقات داخلية مع القبائل وخارجية مع بعض الدول ورغم إنتشار الجهل وسط من حوله لكنه كان يتحرك إجتماعياً وسياسياً وإقليمياً بخطى واسعة بينما ظلت الحكومة حبيسة الدفاع والبندقية فقط حتى الآن ولا يوجد خطاب موجه لقبائل دارفور ولكل السودان ليناهض خطاب الكراهية والقبلية ويدعوا للوحدة الوطنية ومناهضة الحرب والحفاظ على البلاد من خطر التقسيم والتدمير والعمل على إبعاد المدنيين من مخاطر الحرب.
لكل هذا اصبحت البلاد تمضي نحو المجهول وإنتشرت المليشيات وأصبح السلاح في يد الجميع وتم إعلان حكومتين تمهيداً للإنفصال والوعي الجماعي لايرى هذه المخاطر لأننا بعد الحرب دخلنا في موجه هسترية جديدة لتغييب الوعي أعمت العوام عن التفكير في مآلات هذه الحرب كما حدث من قبل أيام الثورة، ولا نريد أن نسمع أو نفهم مايدور حولنا ولا الى أين نمضي!! وسنكتشف بعد ذهاب السكرة حجم الاخطاء التي إرتكبناها ولكن بعد فوات الأوان.
mohamedyousif1@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم