مختار العوض موسى
mokhtaralawad@gmail.com
كلّ يومٍ تشرق الشمس وتغيب، وحالُنا – يا للأسف – هو نفس الحال؛ لم يتبدّل ولم يتغيّر منذ عام 1956م.
هل كُتب علينا إدمان الفشل، ليستمرّ إحساسنا الجمعي بالقهر والألم والمعاناة وعدم الاستقرار؟
نحن لسنا شعبًا مدمن فشل، ولكن – وللأسف الشديد – نحن عالقون في دائرة فشل يُعاد إنتاجها باستمرار. فمنذ فجر الاستقلال لم يعش السودان أزمة حكم عابرة تتلاشى سريعًا، بل عاش نمطًا مزمنًا من الاختلالات الهيكلية في إدارة الدولة.
تعاقبت نخب مدنية وعسكرية، اختلفت الشعارات وتبدّلت الوجوه، لكن الحال ظلّ هو الحال؛ والسبب الجوهري أن هذه النخب، على اختلافها، عجزت عن بناء عقد وطني جامع يتوافق عليه الجميع، عقد يعترف بتنوّعنا الثقافي والاجتماعي والسياسي، ويحوّله إلى مصدر قوة لا إلى سبب صراع.
ورث السودان من الحكم الثنائي هيكلية إدارية بلا روح، كيانًا ميتًا سريريًا، عاجزًا عن وضع استراتيجية حصيفة تحدّد الكيفية المثلى لإدارة البلاد. وهنا ترسّخت المقولة الشهيرة:
«بذرة الفشل الأولى هي الاستقلال بلا رؤية دولة».
فمنذ ذلك الحين، لم نعرف استقرارًا بالمعنى الحقيقي، ولم نفلح في بناء دولة قادرة على إدارة تنوّعها، أو حماية وجودها، أو تحقيق تطلعات أبنائها في حياة كريمة داخل بيئة آمنة ومستقرة.
وخلال الفترات التي يمكن – إلى حدّ ما – أن نطلق عليها فترات “ديمقراطية” (1956–1958، 1964–1969، 1985–1989)، شهدت البلاد هامشًا من الحريات السياسية، لكنها افتقدت البناء المؤسسي الراسخ الذي يعزّز الحوكمة الرشيدة.
انشغلت الأحزاب بالصراع والتكالب على الكرسي، فكانت وعودها – في كثير من الأحيان – حبرًا على ورق، وجاءت إسهاماتها في بناء الوطن محدودة ومتواضعة، وفشلت في معالجة القضايا المصيرية، وعلى رأسها الاقتصاد والحروب الأهلية، التي أورثت البلاد الفقر والتشرد والنزوح واللجوء.
ومنذ الاستقلال، ظلّت الكيانات الإدارية هشّة، سرعان ما تسقط أمام أي انقلاب عسكري، تأتي قياداته بوعود براقة عن التنمية والإنقاذ، لكنها ما تلبث أن تعيد إنتاج الأزمات بصورة أعمق.
بعض هذه الأنظمة حكم بعقلية أمنية عجّلت بالانفجار الشعبي، وبعضها اتخذ قرارات فردية بعيدة عن المؤسسية فأشعل الحروب، وأخرى لم تكن مجرد استيلاء عسكري على السلطة، بل مشروعًا أيديولوجيًا كاملًا قائمًا على التمكين الاقتصادي؛ فظهر التهميش، وتوسّعت النزاعات، وتفكك النسيج الاجتماعي، وتوالت النكبات، وانتهى الأمر بانفصال الجنوب وانهيار الاقتصاد.
ثم جاءت ثورة ديسمبر 2018، لكن النخب – مرة أخرى – استمرأت التنازع على السلطة، دون اتفاق على مشروع وطني أو إصلاح جذري لمؤسسات الدولة، فانزلقت البلاد مجددًا في دوامة العنف.
وهكذا، لم تكن المشكلة يومًا في هذا الشعب المغلوب على أمره، بل في النخب التي تولّت شؤونه، وتناحرت فيما بينها، فكيف لها أن تتوافق على مشروع وطني جامع يحفظ استقرار البلاد، ويستثمر مواردها الهائلة التي يندر وجودها في أي بقعة من العالم؟
يزداد هذا التناحر وضوحًا داخل الأحزاب؛ القوي يأكل الضعيف، وحالنا – للأسف – هو نفس الحال.
في السودان، كل نخبة تتسلّم مقاليد الحكم تبدأ من الصفر، وتمحو ما قبلها، حتى المكاسب الوطنية القليلة. وهكذا تتحوّل البلاد إلى دولة بلا ذاكرة، وبلا مؤسسات، وتستمر دائرة الفوضى:
فشل مؤسسي، حروب، نزاعات، مجاعات، وانهيارات…
لا لشيء إلا لأن النخب تتغيّر، بينما تبقى الأرضية نفسها معطوبة، فيُعاد إنتاج الفشل مرة بعد أخرى، بأسماء مختلفة.
يبقى السؤال:
هل المشكلة في النخب وحدها؟ أم في علاقتنا نحن – كمجتمع – بهذه النخب؟
نثور على الحاكم لأنه ظالم، لكننا نادرًا ما نثور على الفكرة التي جعلت صلاحياته مطلقة، ورفعته فوق المساءلة. أحيانًا نقدّس القائد، ونخلع عليه صفات استثنائية، ثم لا تلبث الأيام أن تكشف أننا أمام نسخة جديدة من الكارثة ذاتها.
نعيش تناقضًا قاتلًا: نريد دولة قوية، لكننا لا نثق فيها، فنُضعفها بأيدينا. نخلط بين الأخلاق والسياسة، فنبحث عن حاكم طيب بدل نظام عادل، ونعلّق آمالنا على النوايا لا على القوانين، متناسين أن السياسة لا تُدار بالأخلاق وحدها، بل بالمؤسسات والقيود والمحاسبة، وإلا فإن حتى الحاكم الصالح قد يفسد أو يُفسد.
الحقيقة الدامغة هي أن السودان لم يفشل لأنه بلا موارد أو بلا شعب، بل لأنه افتقد – عبر تاريخه – كيانًا إداريًا أقوى من الأفراد.
حيث يتحكم أفراد خفيون في قضايا مصيرية، فوق القانون أو خارجه، فتُهمَّش المصلحة الوطنية.
فما الحل؟ وهل من أمل؟
الأمل يبدأ بقبول الخلاف دون تخوين، وبناء قواعد ثابتة ننطلق منها نحو مصلحة الوطن، والتعلّم من الفشل بدل تبريره. فالدول لا تنهض دفعة واحدة، لكنها تتوقف عن السقوط حين تعترف بعلّتها.
فلنُقدّم مشروعًا وطنيًا جامعًا لا يستثني أحدًا، تتوافق عليه النخب كافة، وندرك أن السلطة ليست وسيلة للتكسب، بل أمانة لخدمة الوطن والمواطن.
وأن الحكم بلا مشروع وطني جامع، ليس إلا شكلًا آخر من أشكال الفشل.
والله من وراء القصد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم