إزَالَةُُ التَمْكِينِ بيْنَ مَشْرُوْعِيَّةِ ثَوْرَةِ دِيسَمْبِرِ وَمَخَاطِرِ التَدْوِيلِ

إزَالَةُُ التَمْكِينِ بيْنَ مَشْرُوْعِيَّةِ ثَوْرَةِ دِيسَمْبِرِ وَمَخَاطِرِ التَدْوِيلِ

Sudan’s Dismantling of Islamist Entrenchment: A Revolutionary Mandate at Risk of Internationalisation

بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية

لماذا لا يجوز اختزال إزالة التمكين في العقوبات الدولية؟

إزالة التمكين في السودان ليست خياراً سياسياً عابراً، بل هي أحد أعمدة ثورة ديسمبر 2018، التي عبّر فيها الشعب السوداني بوضوح عن رفضه لمنظومة حكم قامت على احتكار الدولة وإعادة تشكيلها لخدمة تنظيم بعينه. ولهذا فإن تفكيك تلك المنظومة واستعادة مؤسسات الدولة إلى حيادها المهني يظل شرطاً ضرورياً لأي انتقال حقيقي نحو الاستقرار والديمقراطية. لكن التجربة السابقة للجنة إزالة التمكين، رغم مشروعيتها الثورية، كشفت عن تحديات جوهرية لا يمكن تجاهلها إذا أُريد لهذا المسار أن ينجح هذه المرة.

دروس التجربة السابقة

لقد واجهت لجنة إزالة التمكين قبل انقلاب أكتوبر 2021 عدداً من الإشكالات التي أضعفت أداءها وأثارت جدلاً واسعاً حول منهجها. فقد طغى في بعض مراحل عملها الطابع التنفيذي المباشر على حساب الإجراءات المؤسسية، كما غابت أحياناً الضمانات القانونية الكافية التي تحصّن قراراتها من الطعن وتكسبها شرعية مستدامة. وإضافة لذلك فإن تداخل الصلاحيات بين العمل السياسي والعمل القانوني جعل اللجنة عرضة لاتهامات، بعضها مبرر، بأنها تحولت من أداة لاستعادة الدولة إلى أداة للصراع السياسي. وهذا ما استغلته قوى الثورة المضادة لاحقاً لتقويض التجربة برمتها. غير أن هذه الأخطاء، رغم أهميتها، لا تنفي جوهر الحقيقة: إزالة التمكين كانت ولا تزال مطلباً شعبياً مشروعاً، لا يمكن التراجع عنه، بل يجب تطوير أدواته.

خطأ ربط إزالة التمكين بالعقوبات الدولية

في هذا السياق، يثير إعلان استئناف نشاط اللجنة مؤخراً، وربطه، صراحة أو ضمناً، بالعقوبات الأمريكية المفروضة على الحركة الإسلامية، إشكالاً خطيراً في الخطاب السياسي. ذلك أن مشروعية إزالة التمكين لا تستمد من الخارج، بل من الداخل السوداني نفسه. فهي نتاج مباشر لثورة شعبية شاملة، وليست استجابة لإجراءات دولية مهما كانت أهميتها. وعليه فإن ربط عمل اللجنة بالعقوبات الأمريكية يختزل قضية وطنية عميقة في إطار خارجي ضيق، ويمنح خصومها فرصة للتشكيك في دوافعها ووصمها بأنها أداة لتنفيذ أجندات خارجية، وهو ما يضعفها سياسياً وأخلاقياً. كما أن هذا الربط يعكس خللاً في ترتيب الأولويات: فالعقوبات قد تكون أداة مساندة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الإرادة الشعبية والسيادة الوطنية في محاسبة من أفسدوا الدولة. فالتدويل يبدأ حين تنتقل الشرعية من إرادة الشعب إلى قرارات الخارج. وعندها تتحول العدالة من استحقاق وطني إلى ملف تفاوضي تحكمه مصالح لا مبادئ.

إزالة التمكين: من رد الفعل إلى مشروع دولة

إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في استئناف نشاط اللجنة فحسب، بل في إعادة تعريف دورها ضمن مشروع وطني متكامل لاستعادة الدولة. فلا معنى لإزالة التمكين في ظل دولة منهكة أو مختطفة أو خاضعة لأمراء الحرب وتعدد مراكز القوة. إذ لا يمكن تفكيك منظومة قديمة دون وجود دولة قادرة على بناء بديل مؤسسي مستقر. ولهذا فإن الأولوية المنطقية في هذه المرحلة يجب أن تكون استعادة الدولة نفسها من أمراء الحرب وتعدد مراكز النفوذ، وبناء سلطة وطنية قادرة على فرض سيادة القانون. فقط داخل دولة مستردة، يمكن للجنة إزالة التمكين أن تمارس دورها بصورة فعالة ومهنية، مدعومة بإطار قانوني واضح، وبثقة شعبية واسعة.

الشعب هو مصدر الشرعية

يبقى الدرس الأهم من التجربة الماضية أن إزالة التمكين لا تنجح بقرارات إدارية أو إجراءات فوقية، بل تحتاج إلى سند شعبي واسع وإجماع وطني حول أهدافها. فالشعب السوداني هو الذي أسقط نظام التمكين، وهو وحده صاحب الحق الأصيل في محاسبة من فرضوه عليه، واستعادة مؤسساته من قبضتهم. أما العقوبات الدولية، أو مبادرات الرباعية، أو أي دعم خارجي آخر، فهي تظل أدوات مساندة يمكن الاستفادة منها، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن هذا الحق السيادي.

نحو مقاربة أكثر نضجاً

إن إعادة إطلاق مسار إزالة التمكين تمثل فرصة مهمة، لكنها أيضاً اختبار حقيقي لمدى قدرة القوى الوطنية على التعلم من أخطاء الماضي. فالمطلوب اليوم ليس تكرار التجربة السابقة، بل تطويرها: إطار قانوني أقوى، وإجراءات أكثر شفافية، وفصل واضح بين السياسي والقانوني، وربط عضوي بين إزالة التمكين وبناء الدولة. فبدون ذلك، قد تتحول العملية مرة أخرى إلى ساحة صراع، بدلاً من أن تكون أداة للعدالة واستعادة الدولة.

مخاطر التدويل: حين تنتقل الشرعية من الداخل إلى الخارج

تكمن خطورة التدويل في أنه لا يقتصر على الاستفادة من الدعم الدولي، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف مصدر الشرعية ذاته. فعندما تُربَط عملية وطنية مثل إزالة التمكين بإجراءات خارجية، تتحول تدريجياً من تعبير عن إرادة شعبية إلى ملف يُدار وفق حسابات دولية وموازين قوى خارجية. وفي هذه الحالة، لا يعود معيار النجاح هو تحقيق العدالة أو استعادة الدولة، بل مدى التوافق مع أولويات الفاعلين الدوليين. وهذا التحول يحمل مخاطر مزدوجة: فهو من جهة يُضعف الثقة الشعبية في العملية ويمنح خصومها ذريعة لوصمها بالارتهان، ومن جهة أخرى يُعرّضها للتقلبات السياسية الدولية التي قد تتغير في أي لحظة. لذلك فإن الحفاظ على الطابع الوطني لإزالة التمكين ليس مجرد موقف مبدئي، بل هو شرط لضمان استدامتها وفعاليتها كجزء من مشروع إعادة بناء الدولة السودانية.

حدود دور اللجنة في سياق العقوبات الدولية

من المهم التذكير بأن قرار العقوبات الأمريكية على الحركة الإسلامية لم يصدر في فراغ، بل استند، بحكم طبيعة آليات صنع القرار في الولايات المتحدة، إلى تقييمات استخبارية ومعلومات تراكمية جُمعت عبر قنوات متعددة محلية وإقليمية ودولية. ومن ثم فمن المرجح أن الإدارة الأمريكية قد بنت قرارها على قدر كافٍ من الأدلة التي رأت أنها تبرر اتخاذ وتنفيذ هذا الإجراء. وعليه، فإن ربط استئناف عمل لجنة إزالة التمكين بهدف ”تغذية“هذه العقوبات أو دعمها بالمعلومات قد يبالغ في تقدير دورها في هذا السياق، إذ إن ما يمكن أن تضيفه اللجنة من معطيات، رغم أهميته وطنياً، لن يكون هو العامل الحاسم في قرارات اتُّخذت بالفعل. وهذا يعيد التأكيد على أن الدور الحقيقي للجنة يجب أن يظل موجهاً للداخل السوداني: تفكيك منظومة التمكين، واستعادة مؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة الوطنية، لا الانخراط في مسار دولي تشكّل بمعزل عنها.

خاتمة

إن إزالة التمكين ليست مهمة لجنة، بل مهمة وطن. وليست استجابة لعقوبات، بل استحقاق ثوري. وإذا كان الشعب السوداني قد قال كلمته في ديسمبر، فإن التحدي اليوم هو ترجمة تلك الكلمة إلى مؤسسات دائمة، لا إلى ردود أفعال مؤقتة. فالدولة لا تُستعاد بالشعارات، ولا تُبنى بالنيّات، بل يُعاد تأسيسها بإرادة شعب يعرف ما يريد … ولا يسمح لأحد أن يتحدث باسمه مرة أخرى. العقوبات الأمريكية لم تُبنَ على ما ستقدمه لجنة إزالة التمكين، بل على معلومات امتلكتها واشنطن مسبقاً. وقرار التصنيف والعقوبات اتُّخذ بالفعل، وأدلته استُكملت قبل صدوره. أما دور اللجنة اللحظي فمحلي: المساهمة في استعادة الدولة من مختطفيها، لا إقناع الخارج بما هو مقتنع به أصلاً.

melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

مَشْرُوعُ العَقْدِ الاجْتِمَاعِي الابْتِنَائِي

مَشْرُوعُ العَقْدِ الاجْتِمَاعِي الابْتِنَائِي للجَبْهَةِ المَدَنِيَّة لِابْتِنَاءِ السُوْدَانِ Draft Constructive Social Contract for the Civil …