إصلاحات الزراعة في أفريقيا: بين الفرصة والنهب

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com

منبر بنيان مقالات من بطون كتب
تُعَدّ الزراعة في أفريقيا من أعمدة الاقتصاد القاري، حيث يعمل فيها أكثر من 60% من السكان وتُسهم في أكثر من ربع الناتج المحلي الإجمالي في العديد من الدول. ومع ذلك، فإن القطاع الزراعي ظلّ لعقود طويلة رهينًا للتقلبات المناخية، سياسات التبعية، والاستثمارات الأجنبية التي تتأرجح بين دعم التنمية ونهب الموارد. من هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن أن تكون الإصلاحات الزراعية في أفريقيا فرصة لتحقيق الأمن الغذائي والسيادة الوطنية، أم أنها بوابة جديدة لتكريس الهيمنة ونهب الأراضي؟

كتابان في صميم القضية

للاقتراب من هذا السؤال المعقد، نستند إلى كتابين بارزين:

  1. كتاب “The Future of African Agriculture” (مستقبل الزراعة في أفريقيا) للباحثة مارلين بوشير، الصادر عام 2016 في 312 صفحة، والذي يحلّل الفرص التي تتيحها التكنولوجيا الزراعية الحديثة، وأهمية تمكين المزارعين المحليين، ويشدد على ضرورة الاستثمار في البنية التحتية والتعليم الريفي.
  2. كتاب “Land Grab: The New Fight for Food and Fuel” (نهب الأرض: المعركة الجديدة من أجل الغذاء والوقود) للباحث مايكل واتس، الصادر عام 2013 في 284 صفحة، والذي يسلّط الضوء على موجة الاستحواذ الأجنبي على الأراضي الزراعية في أفريقيا منذ العقد الأول من الألفية، حيث حوّلت ملايين الهكتارات إلى مشاريع ضخمة لزراعة الوقود الحيوي أو التصدير، بينما تُركت المجتمعات المحلية مهمشة بلا تعويض عادل.

بين الفرصة والنهب

من جانب، يمكن للزراعة الأفريقية أن تتحول إلى محرك حقيقي للنمو إذا جرى إصلاح أنظمة الملكية، وتوفير التمويل الصغير للمزارعين، وتبني التقنيات الحديثة مثل الزراعة الذكية مناخيًا. هذه الإصلاحات قد تفتح الباب أمام الاكتفاء الذاتي الغذائي وتقليل التبعية للواردات.

لكن من جانب آخر، ما زالت موجة “الاستحواذ على الأراضي” (Land Grabbing) تشكل تهديدًا خطيرًا، إذ تُبرم الحكومات عقودًا طويلة الأمد تمنح بموجبها ملايين الأفدنة لشركات أجنبية، بحجة الاستثمار والتنمية. هذه العقود غالبًا ما تفتقر إلى الشفافية، وتُقصي المزارعين المحليين، بل وتحولهم إلى عمالة رخيصة في أراضيهم.

البعد البيئي المغيب

جانب آخر لا يقل أهمية هو الأثر البيئي. كثير من الاستثمارات الزراعية الأجنبية ركزت على الزراعة الكثيفة التي تستنزف المياه الجوفية وتدمر الغطاء النباتي. غياب الاعتبارات البيئية في خطط الإصلاح الزراعي قد يعني أن الأمن الغذائي قصير الأمد سيُدفع ثمنه لاحقًا بانهيار بيئي طويل الأمد. ولذلك، فإن ربط الإصلاح الزراعي بمفهوم الاستدامة (Sustainability) شرط أساسي لتجنب “كارثة مؤجلة”.

السودان كنموذج حي

يُمثل السودان نموذجًا بارزًا لهذه المعضلة. فرغم امتلاكه أكثر من 200 مليون فدان صالحة للزراعة ووفرة الموارد المائية، ظل القطاع الزراعي يعاني من ضعف البنية التحتية، غياب التمويل، وتهميش المزارعين الصغار. وفي السنوات الأخيرة، شهد السودان موجة استثمارات أجنبية واسعة، خاصة في مشاريع القمح والأعلاف الموجهة للتصدير، ما أثار جدلاً واسعًا حول مسألة السيادة على الموارد، وحول مدى استفادة المواطن السوداني من هذه الاستثمارات. السودان إذن يقف على خط التماس: إما أن يحوّل موارده الزراعية إلى رافعة تنمية وطنية، أو أن يترك الباب مفتوحًا لموجات جديدة من “النهب المنظم”.

خاتمة

بين الفرصة والنهب، تبقى إصلاحات الزراعة في أفريقيا ساحة صراع حقيقي على مستقبل القارة. فالإصلاح الزراعي لن يكون مجرد مسألة إنتاج غذاء، بل مسألة سيادة وطنية، عدالة اجتماعية، واستدامة بيئية. إن المعيار الذي سيحكم نجاح هذه الإصلاحات هو: هل تعود ثمارها على المواطن الأفريقي البسيط، أم تُحصد في أسواق العالم البعيدة؟
عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …