د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يتناول المقال الحرب الأهلية السودانية الراهنة بوصفها اختباراً حاداً لنماذج تصميم وقف النار، منطلقاً من حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة من حيث عدد القتلى، والنازحين داخلياً، واللاجئين، واتساع رقعة النزاع من الخرطوم إلى دارفور وكردفان والنيل الأزرق والجزيرة. يضع هذا الواقع سؤالاً مركزياً: كيف يُعاد تصميم وترتيب التفاوض على وقف الحرب بين نموذج الوقف المتدرج الذي يبني العملية على هدن إنسانية ووقف جزئي للأعمال العدائية، ونموذج الحزمة المدمجة الذي يربط وقف النار بحزمة إصلاحية واسعة تشمل الأمن والسياسة والعدالة والدعم الخارجي؟ ويُظهر منذ البداية أن جوهر الإشكال ليس فقط في تسلسل الخطوات، بل في منطق السلطة والشرعية الذي يحكم عملية التفاوض ومن يُسمح له بتحديد شروط السلام.
يعرّف المقال أولاً نموذج الوقف المتدرج بوصفه مساراً يقوم على مراحل متتابعة: وقف الأعمال العدائية، هدنة إنسانية، وقف نار شامل، ثم ترتيبات إعادة الانتشار ونزع السلاح والتسريح والدمج وإصلاح قطاع الأمن، مبيناً أن هذا النموذج يستند إلى افتراضات حول الحذر لدى الأطراف المسلحة والحاجة لبناء ثقة تدريجية وإدارة التعقيد في سياقات عنيفة. يبرز ما يتمتع به من مزايا؛ مثل القدرة على الاستجابة السريعة للكارثة الإنسانية، وخلق مراحل اختبارية لصدق النوايا، وتخفيف المخاوف لدى الأطراف من التزامات كبيرة ومفاجئة. لكنه يكشف أيضاً مخاطر بنيوية خطيرة: التحول إلى “وقف بلا أفق” إذا لم يُربط بمسار سياسي–أمني واضح، وتأجيل الملفات البنيوية مثل الدمج وإصلاح الأمن والعدالة، وتطبيع نمط الحرب–الهدنة–الحرب كحالة دائمة. ويُطبَّق ذلك على السودان من خلال مسار جدة، حيث تحولت الهدن القصيرة غير المدمجة في حزمة إصلاحية إلى إدارة للأزمة الإنسانية بلا تحوّل بنيوي، واستُغلت أحياناً لإعادة التموضع العسكري.
في المقابل، يعرّف المقال نموذج الحزمة المدمجة كإطار يجعل وقف النار جزءاً من صفقة سياسية–أمنية–حقوقية–اقتصادية واسعة أشبه بعقد اجتماعي مصغّر، يربط الأمن بإعادة هيكلة المنظومة العسكرية والأمنية، وبالحكم الانتقالي المدني، وبالعدالة الانتقالية، وبحزم إعادة الإعمار والدعم الخارجي المشروط بتنفيذ الإصلاحات. يوضح مكونات هذه الحزمة: سلة أمنية تشمل وقف النار وإعادة الانتشار وDDR/SSR، وسلة سياسية للحكم الانتقالي والدستور وتوزيع السلطة، وسلة حقوقية للعدالة الانتقالية وعدم الإفلات من العقاب، وسلة اقتصادية لتنظيم الدعم الخارجي. ويشرح منطق “المقابل بالمقابل” الذي يحكمها؛ حيث يقابل كل تنازل أو تغيير بنيوي مكسب وضمانة سياسية أو حقوقية أو اقتصادية. لكنه يشترط لنجاحها إرادة سياسية حقيقية لقبول تغيير جذري في بنية السلطة والأمن، ومشاركة مدنية واسعة، وآليات مؤسسية قوية للمتابعة، ودعماً خارجياً منضبطاً. في الحالة السودانية، يكشف أن اتفاقية السلام الشامل 2005 واتفاق جوبا 2020 افتقدا لهذه الحزمة المدمجة الكاملة؛ إذ تركا بنية المنظومة الأمنية بلا إصلاح عميق، وأهملَا العدالة الانتقالية والرقابة المدنية الفاعلة، ما سمح بانفجار الحرب الحالية من قلب الأجهزة ذاتها.
ينتقل المقال بعد ذلك إلى تتبع تجليات هذه النماذج في الحرب السودانية عبر ثلاثة مسارات تفاوضية رئيسية. مسار جدة يُقدَّم كنموذج للوقف المتدرج بلا حزمة مدمجة، حيث اقتصر على إعلان مبادئ والتزامات بحماية المدنيين وهدن إنسانية قصيرة دون ربط منهجي بترتيبات الدمج وإعادة الهيكلة والحكم المدني والعدالة، ما أدى إلى انهيار الهدن واستمرار القصف والمعاناة، وتحويل فترات الوقف إلى فرص لإعادة التموضع، في ظل غياب مشاركة مدنية مؤثرة ونظام عقوبات فعال. لقاءات المنامة تُعرض كمحاولة لصياغة حزمة غير مكتملة وخارج إطار وطني؛ إذ دارت بين قيادات الجيش والدعم السريع تحت رعاية خارجية، بدون وثيقة شفافة أو إشراك حقيقي للضحايا والقوى الثورية، وبدون ربط واضح بوقف النار أو تحسين الوضع الإنساني، فبدت كصفقة نخبوية لإدارة توازن القوى لا كعقد اجتماعي جديد. مبادرة الرباعية تُحلَّل بوصفها محاولة للجمع بين الوقف المتدرج والحزمة المدمجة عبر هدنة ممتدة ووقف نار دائم ومسار سياسي انتقالي، لكنها عانت من ضعف الملكية الوطنية، ومقاومة الأطراف المسلحة، وغموض إدماج العدالة وإصلاح الأمن والدعم الخارجي، ما جعلها أقرب إلى إطار سياسي لإعادة ترتيب النفوذ منها إلى حزمة مدمجة تعالج جذور العنف. من مجموع هذه المسارات يستخلص المقال أن المشكلة ليست في النموذج المختار بذاته، بل في تصميمه وتطبيقه على الأرض، وفي غياب الربط البنيوي بين وقف النار وإصلاح المنظومة الأمنية والحكم المدني والعدالة والدعم الخارجي بمشاركة مجتمعية واسعة.
بناءً على هذا التحليل، يقترح المقال نموذجاً هجينيّاً لإعادة تصميم مسار التفاوض في السودان يدمج الوقف المتدرج في حزمة مدمجة وطنية عبر أربع مراحل مترابطة: (١) وقف نار إنساني–تمهيدي جزء من اتفاق إطار سياسي–أمني–حقوقي يقر بمدنية السلطة الانتقالية ويضع مبادئ إصلاح المنظومة الأمنية والعدالة؛ (٢) اتفاق وقف نار شامل وسلة أمنية موسعة تشمل مفوضيات وطنية لـ DDR وSSR وربط خطوات الأمن بخطوات الحكم والعدالة؛ (٣) مرحلة ترتيبات حكم انتقالي ومدنية وعدالة ومشاركة واسعة عبر مجلس تشريعي انتقالي مدني–أمني، حكومة مدنية، مسار دستوري، ومفوضية عدالة انتقالية ومنتدى وطني للمسارات المدنية؛ ثم (٤) مرحلة طويلة الأمد لبناء السلام الإيجابي والتحول السياسي الكامل من خلال برامج مصالحة مجتمعية، إعادة إعمار تشاركية، إصلاح سياسات الأرض والموارد، إعادة بناء الخدمات الأساسية، وربط حزم الدعم الخارجي بالإصلاحات وبالملكية الوطنية والشفافية. يضع النموذج دور الفاعلين الخارجيين في إطار “الضبط المشروط” لا “الوصاية”، مقترحاً توحيد المواقف الخارجية حول وقف الدعم العسكري، وربط المساعدات بالخارطة الوطنية، ودعم المفوضيات والسلطة المدنية، ومنح المجتمع المدني السوداني موقعاً دائماً في آليات المتابعة.
في ختامه النقدي، يؤكد المقال أن هذا النموذج الهجين ليس مخططاً جاهزاً بل إطار معياري يصطدم بأربع عوائق رئيسية: انعدام الثقة العميق بين الأطراف وبينها وبين المجتمع؛ تشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية التي تغذي الصراع؛ الانهيار المؤسسي والاقتصادي الذي يحد من القدرة على تنفيذ إصلاحات عميقة؛ والانقسامات داخل الصف المدني نفسه. لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن بديله الواقعي ليس نموذجاً أبسط، بل استمرار استخدام الوقف المتدرج بلا حزمة مدمجة، أو الحزم المغلقة بلا مشاركة مدنية، أو الرهان على حلول عسكرية–أمنية تُدار من خارج، وكلها أثبتت أنها تُطيل أمد الحرب وتعمّق المأساة وتُفرغ العملية من شرعيتها المجتمعية. ومن ثمّ، يصل المقال إلى ثلاثة استنتاجات معيارية: أن هندسة التفاوض في السودان هي في جوهرها إعادة تعريف للشرعية بحيث تنتقل من أيدي حاملي السلاح إلى الأغلبية المدنية؛ وأن تقييم أي نموذج يجب أن يجمع بين الأثر المباشر على حياة الناس والأثر البنيوي على منظومات العنف؛ وأن مسؤولية هذا التحول تشمل الفاعلين الخارجيين الذين ينبغي أن يعيدوا توجيه تدخلهم نحو دعم مسار مدني شامل يقبل بسلام يعيد توزيع القوة والشرعية، لا بسلام يجمّد العنف عند مستوى يمكن إدارته دون تغييره جذرياً.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية: الحرب السودانية الراهنة كاختبار حاد لنماذج تصميم وقف النار
اندلعت الحرب الأهلية الحالية بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF) في 15 أبريل 2023، بعد تصاعد الخلافات حول ترتيبات دمج الدعم السريع في الجيش وتقاسم السلطة بعد ثورة ديسمبر 2018 والفترة الانتقالية التي انتهت بانقلاب أكتوبر 2021، لتتحول من نزاع داخل مركز السلطة في الخرطوم إلى حرب متعددة الجبهات تمتد إلى دارفور وكردفان والنيل الأزرق والجزيرة، وتعيد فتح جراح النزاعات غير المحسومة منذ عقود (Wikipedia, 2023).
بحلول مطلع 2026، تصف تقارير الأمم المتحدة ووكالاتها السودان بأنه أكبر أزمة إنسانية ونزوح في العالم؛ إذ تشير تقديرات أممية إلى أن نحو 33.7–34 مليون شخص، أي قرابة ثلثي السكان، بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأن ما يقرب من 13.6–14 مليون إنسان قد نزحوا، بينهم حوالي 9.3 مليون نازح داخلياً وأكثر من 4.3–4.4 مليون لاجئ عبروا الحدود إلى دول مثل تشاد ومصر وجنوب السودان وإثيوبيا، مع استمرار حركة نزوح جديدة في مناطق مثل كردفان ودارفور والنيل الأزرق (UN News, 2026؛ UNICEF, 2026؛ ReliefWeb, 2026؛ UNHCR, 2026).
على مستوى الضحايا، يُظهر تحليل بيانات “مصفوفة تتبع النزوح” وحصر الوفيات أن أكثر من 50,834 مدنياً قُتلوا منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، مع تسجيل 18,884 وفاة في عام 2025 وحده، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن العدد الحقيقي للضحايا قد يتجاوز 150,000 إذا أُخذت في الاعتبار الوفيات غير الموثقة الناتجة عن الجوع والمرض والحصار، بالإضافة إلى ما يزيد عن 4,300 طفل قُتلوا أو أصيبوا، وقرابة 5,700 انتهاك جسيم ضد الأطفال، و700 مدني قُتلوا في ضربات بطائرات مسيّرة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026، في مناطق مثل دارفور وكردفان (ReliefWeb, 2026؛ UN News, 2026؛ Protection Cluster, 2026).
هذه الأرقام ليست مجرد خلفية إنسانية؛ بل هي شرط تحليلي لفهم السؤال المركزي الذي يتناوله هذا المقال: كيف يُعاد تصميم وترتيب التفاوض على وقف الحرب الأهلية السودانية في ظل هذا الحجم من المعاناة، وبين نموذجين رئيسيين في أدبيات صناعة السلام: نموذج “الوقف المتدرج” الذي يبدأ بهدن إنسانية ووقف جزئي للأعمال العدائية، ونموذج “الحزمة المدمجة” الذي يربط وقف النار بحزمة إصلاحية شاملة تشمل الأمن والسياسة والعدالة والدعم الخارجي؟ (Lefler, 2010؛ Rufer, 2005؛ Berghof, 2019).
جوهر الإشكال هنا ليس فقط في ترتيب الخطوات، بل في منطق السلطة الذي يحكم العملية؛ فهل يُستخدم الوقف المتدرج كأداة لإنقاذ الأرواح وبناء ثقة تقود إلى حزمة إصلاحية حقيقية، أم يتحول إلى آلية لإدارة الأزمة وتمديد الحرب بشكل متقطع، وهل تُصاغ الحزمة المدمجة كعقد اجتماعي جديد يربط الأمن بالسياسة والعدالة، أم تُختزل في صفقة بين نخب مسلحة تُعيد إنتاج منطق “من يحمل البندقية يملك السلام”، بينما يُطلب من المجتمع المدني أن يمنح هذه الصفقة شرعيتها (Berghof, 2014؛ Paffenholz, 2015؛ UN News, 2026)؟
أولاً: تعريف وشرح مفصل لنموذج “الوقف المتدرج”
المفهوم العام والمرتكزات النظرية
“الوقف المتدرج” هو نموذج تنظيمي لعملية إنهاء القتال يقوم على تقسيم مسار وقف النار إلى مراحل متتابعة تختلف في كثافة الالتزامات ومستواها، بحيث لا يُطلب من الأطراف الانتقال مباشرة من حالة حرب مفتوحة إلى وقف نار شامل عميق، وإنما يُقدَّم مسار متدرج يبدأ بخفض مستوى العنف في شكل هدنة إنسانية أو “وقف للأعمال العدائية”، ثم يتطور إلى وقف نار شامل، ثم إلى ترتيبات أعمق تشمل إعادة الانتشار ونزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR)، ثم إصلاح قطاع الأمن (SSR)، ثم بناء مؤسسات الحكم (Rufer, 2005؛ HDC, 2010).
يستند هذا النموذج إلى عدد من الافتراضات النظرية المستمدة من دراسات التفاوض في النزاعات العنيفة: أن الأطراف المسلحة تميل إلى الحذر من التزامات كبيرة وفورية خوفاً من الخسارة أو الغدر، لذلك يُسهِّل تقديم التزامات صغيرة ومتوسطة، قابلة للاختبار والانفصال إذا فشلت، بناء ثقة تدريجية، وأن الوسطاء يحتاجون إلى إدارة تعقيد عالٍ في ملفات متشابكة؛ لذا يسمح تقسيم العملية إلى مراحل بتوزيع المخاطر وتقليل الضغط السياسي في البداية، وأن السياقات الإنسانية الفادحة تتطلب استجابة عاجلة لا يمكن انتظار اكتمال مفاوضات سياسية–أمنية طويلة؛ لذلك تُستخدم الهدن الإنسانية كأداة لتقليل الوفيات والدمار بينما تُدار المفاوضات على المسار السياسي (Lefler, 2010؛ UN DPPA, 2022).
البنية العملية لنموذج الوقف المتدرج: المراحل الأساسية
يمكن تفكيك نموذج الوقف المتدرج إلى أربع حلقات رئيسية، تختلف تسمياتها بحسب السياق، لكنها تتوزع تقريباً كما يلي (Rufer, 2005؛ HDC, 2010):
مرحلة “وقف الأعمال العدائية” (Cessation of Hostilities) تركز على وقف بعض أنماط العنف (مثلاً الهجمات على المدنيين، استخدام الأسلحة الثقيلة، قصف المدن) دون الوصول إلى وقف كامل للعمليات العسكرية، وتُحدد عادةً لفترة قصيرة، وتهدف إلى اختبار القدرة على الالتزام، وتُعتبر خطوة أولى نحو هدنة أوسع.
مرحلة “الهدنة الإنسانية” (Humanitarian Truce or Pause) وهي اتفاق محدد زمنياً (أيام، أسابيع، أو أشهر) يُعلَّق فيه القتال أو يُخفض إلى أدنى حد، بهدف فتح ممرات إنسانية، إيصال المساعدات، إجلاء الجرحى والمرضى، إصلاح بعض البنى الأساسية، وتأسيس آليات مراقبة؛ تركز هذه المرحلة على حماية المدنيين وتخفيف الكارثة، وتُصمم غالباً بالتعاون مع منظمات إنسانية (UN DPPA, 2022؛ UN News, 2026).
مرحلة “وقف نار شامل” (Comprehensive Ceasefire) وهي اتفاق رسمي يعلن وقفاً كاملاً للأعمال العدائية في كل الجبهات، يحدد مناطق السيطرة، خطوط التماس، آليات مراقبة مشتركة، قواعد سلوك للقوات، وأحياناً نظام عقوبات (سياسي، اقتصادي، جنائي) على الانتهاكات؛ يُعتبر هذا الاتفاق أساساً لترتيبات ما بعد الحرب.
مرحلة “إعادة الانتشار ونزع السلاح والدمج” (Redeployment, DDR, SSR) وتتعلق بإعادة انتشار القوات بعيداً عن المناطق المدنية، إنشاء مناطق منزوعة السلاح، تجميع الأسلحة، تسريح المقاتلين، إعادة دمجهم في قوات نظامية أو في الحياة المدنية، وإصلاح المنظومات الأمنية القائمة، مثل الشرطة والجيش وأجهزة الاستخبارات، وربط ذلك بترتيبات الحكم الانتقالي (Rufer, 2005؛ Berghof, 2014).
مزايا النموذج: بناء الثقة وإدارة التعقيد
من منظور نظري، يمتاز الوقف المتدرج بعدة نقاط قوة؛ فهو يسمح ببدء العملية بسرعة في سياقات الكارثة، دون انتظار اتفاق شامل، فالهدنة الإنسانية يمكن ترتيبها خلال أيام، بينما يحتاج الاتفاق السياسي–الأمني الشامل إلى شهور أو سنوات، ويتيح للوسطاء اختبار صدقية الأطراف عبر التزامهم بالهدن القصيرة؛ فإذا ثبتت النية السيئة لدى طرف ما يمكن إعادة تصميم العملية أو تعليقها دون أن تكون المكاسب السياسية قد بُنيت عليه، ويُخفّف من حدة المخاوف لدى الأطراف المسلحة؛ إذ لا يُطلب منهم “القفز” فوراً إلى إلغاء خياراتهم العسكرية، بل يُقدّم لهم مساراً يمكنهم خلاله تقييم مخاطرهم، مع إمكانية تعديل الالتزامات تدريجياً (Lefler, 2010؛ HDC, 2010).
المخاطر البنيوية للوقف المتدرج: التجزئة وإدارة الأزمة بلا تحول
رغم هذه المزايا، تُظهر الأدبيات عدداً من المخاطر البنيوية المرتبطة بالوقف المتدرج، منها خطر “وقف بلا أفق” إذا لم تُربط الهدن والوقف الجزئي بمسار سياسي–أمني واضح؛ إذ تتحول إلى آليات لتجميد بعض أشكال العنف دون معالجة جذوره، وتُستخدم كفرص لإعادة التموضع، ما يطيل أمد الحرب بصورة متقطعة، وخطر “تأجيل الملفات البنيوية”؛ حيث يميل الوسطاء والأطراف إلى تأجيل القضايا الحساسة مثل الدمج، إصلاح الأمن، العدالة، إلى ما بعد “نجاح” الهدن الإنسانية والوقف الجزئي، لكن كثيراً ما لا تأتي تلك اللحظة، أو تُفرض اتفاقات جزئية تفتقر إلى الإصلاح الجذري، بالإضافة إلى خطر “تطبيع الحرب” إذا استمرت الهدن القصيرة المتقطعة لسنوات، فيتحول نمط الحرب إلى دورة من القتال–الهدنة–القتال، حيث تتعايش المجتمعات مع مستوى معين من العنف كواقع دائم (Rufer, 2005؛ Lefler, 2010؛ UN DPPA, 2022).
إسقاطات أولية على الحالة السودانية
في السودان، تجسد الوقف المتدرج عملياً في مسار جدة والهدن القصيرة، حيث تم التركيز على إعلان مبادئ وهدنة إنسانية لعدة أيام، دون ربطها بحزمة إصلاحية مفصلة حول الدمج وإعادة الهيكلة والحكم المدني؛ ما جعل الهدن تنهار بسرعة، واستمر القتال، وارتفع عدد الضحايا والنازحين رغم وجود “اتفاقات وقف” على الورق، كما استخدمت بعض الأطراف فترات الهدنة لتحسين مواقعها العسكرية أو تعزيز السيطرة على موارد حيوية، في ظل غياب نظام عقوبات فعّال، ما يوضح أن تطبيق الوقف المتدرج دون ربطه بحزمة إصلاحية وبمصفوفة متابعة يمكن أن يتحول إلى إدارة للأزمة الإنسانية بلا مسار تحوّل بنيوي (Elamin, 2024؛ Dabanga, 2025؛ UN News, 2026).
ثانياً: تعريف وشرح مفصل لنموذج “الحزمة المدمجة”
المفهوم العام: الحزمة كعقد اجتماعي مصغّر
“الحزمة المدمجة” هي نموذج لتصميم عملية السلام يقوم على التعامل مع وقف النار بوصفه جزءاً من صفقة سياسية–أمنية–حقوقية واسعة، وليس كإجراء مستقل؛ أي أن وقف القتال يُدرج في “حزمة” تشمل إعادة هيكلة المنظومة الأمنية–العسكرية، ترتيبات الحكم الانتقالي، العدالة الانتقالية، والدعم الخارجي، بما يشبه عقداً اجتماعياً مصغّراً بين الأطراف المتحاربة والمجتمع والدولة (Berghof, 2019؛ Paffenholz, 2015).
تنطلق الحزمة المدمجة من فرضية أن الحرب ليست فقط نتيجة أحداث مباشرة، بل تعبير عن خلل بنيوي في توزيع السلطة والثروة، وفي علاقة الدولة بالمجتمع وبالمنظومة الأمنية؛ وبالتالي لا يمكن أن يكون وقف العنف مستقراً إذا لم تُعالج هذه البنى معاً، وأن الفصل بين الأمن والسياسة والعدالة يُبقي جذور العنف دون معالجة، ويفتح الباب أمام عودة الحرب في أشكال جديدة.
مكونات الحزمة المدمجة: الأمن، السياسة، العدالة، الدعم الخارجي
يمكن تفكيك الحزمة المدمجة إلى أربعة مكونات مترابطة (Berghof, 2014؛ Berghof, 2019؛ Principles for Peace, 2025):
المكوّن الأمني–العسكري ويشمل وقف نار شامل، إعادة انتشار القوات، نزع السلاح، برامج DDR وSSR، إعادة تعريف مهام الجيش والأجهزة الأمنية، إزالة الأدوار الاقتصادية غير المشروعة للقوات، ووضعها تحت رقابة مدنية ودستورية فعّالة.
المكوّن السياسي–الحكم الانتقالي ويتضمن تشكيل سلطة انتقالية مدنية، مجلس انتقالي، حكومة مؤقتة، مسار دستوري (دستور مؤقت أو دائم)، قواعد لتوزيع السلطة بين المركز والأقاليم، وضمانات لعدم احتكار السلطة أو استخدام الجيش كأداة سياسية.
المكوّن الحقوقي–العدالة الانتقالية ويتعلق بإنشاء آليات للتحقيق في الانتهاكات، محاكمات، لجان حقيقة، برامج جبر ضرر، إصلاح للقضاء، قواعد لعدم الإفلات من العقاب في الجرائم الجسيمة، وتضمين هذه المبادئ في نصوص الاتفاق والدستور المؤقت.
المكوّن الاقتصادي–الدعم الخارجي ويشمل اتفاقات لإعادة الإعمار، دعم مالي وفني، تنظيم العلاقة مع المانحين، وربط هذا الدعم بمؤشرات واضحة في تنفيذ الحزمة، بحيث يصبح الدعم الخارجي حافزاً لتنفيذ الإصلاحات لا مجرد تدفق موارد قد تُستخدم لتكريس موازين القوى القائمة (UN DPPA, 2022؛ UNHCR, 2026).
منطق “المقابل بالمقابل” في الحزمة المدمجة
تعمل الحزمة المدمجة وفق منطق “المقابل بالمقابل”؛ فكل خطوة في تقليص قدرات الأطراف المسلحة أو تغير في بنيتها يقابلها مكسب سياسي–حقوقي أو ضمانة معينة؛ تخفيض عدد القوات أو سحبها من مناطق مدنية يُقابَل بمشاركة في مجلس تشريعي انتقالي أو ضمانات بعدم الإقصاء السياسي، وقبول إصلاحات في قطاع الأمن (رقابة مدنية، إنهاء أدوار اقتصادية) يُقابَل بضمانات دستورية لأدوار الجيش المحددة في حماية الحدود والسيادة، وحقوق المقاتلين السابقين في إعادة الدمج، والاعتراف بالمسؤولية عن بعض الانتهاكات أو التعاون مع آليات العدالة يُقابَل ببرامج جبر ضرر أو عفو مشروط، أو تخفيف عقوبات، وفق ضوابط القانون الدولي (Berghof, 2019؛ Principles for Peace, 2025).
متطلبات نجاح الحزمة المدمجة
نجاح الحزمة المدمجة يتطلب إرادة سياسية لدى الأطراف لقبول تغيير بنيوي في منظومة السلطة والأمن، وليس مجرد تسوية تكتيكية، ومشاركة مدنية ومجتمعية واسعة، بحيث لا تكون الحزمة مجرد صفقة بين نخب مسلحة، بل تعكس مصالح الفئات المختلفة، خصوصاً الضحايا والمهمشين، ووجود إطار مؤسسي لمتابعة تنفيذ الحزمة، مثل هيئة مشتركة أو مجلس انتقالي، وآليات لتسوية النزاعات حول تفسير البنود، ودعم خارجي منضبط، لا يفرض أجندات متعارضة، بل يدعم تنفيذ الحزمة وفق أولويات وطنية، ويربط التمويل والضمانات بمؤشرات واضحة (Paffenholz, 2015؛ Principles for Peace, 2025؛ UNHCR, 2026).
إسقاطات أولية على الحالة السودانية
في السودان، يُظهر تحليل اتفاقية السلام الشامل 2005 واتفاق جوبا 2020 أن الحزم التي صيغت لم تكن مدمجة بالكامل؛ إذ تضمنت بعض عناصر الحكم الانتقالي وتوزيع السلطة، لكنها لم تُعالج بنية المنظومة الأمنية بشكل جذري، ولم تُخضع الأجهزة العسكرية والأمنية لرقابة مدنية ودستورية قوية، ولا أدمجت العدالة الانتقالية بصورة كافية، ما أدى إلى بقاء جذور العنف، ثم انفجارها في 2023 من قلب الأجهزة ذاتها (Bekele, 2005؛ Principles for Peace, 2025؛ HRW, 2026).
من هنا، يصبح الحديث عن الحزمة المدمجة في السودان ضرورة بنيوية؛ فوقف النار الذي لا يُربط بإعادة هيكلة الجيش والدعم السريع وأجهزة الأمن، ولا تُدرج فيه العدالة الانتقالية، ولا يضمن انتقالاً مدنياً حقيقياً، سيكون في أحسن الأحوال هدنة طويلة، وفي أسوأ الأحوال خطوة في طريق إعادة تموضع الأطراف المسلحة، مع استمرار منطق “من يملك السلاح يملك القرار”.
خاتمة نقدية لهذا الجزء النظري: لماذا لا يكفي اختيار نموذج واحد؟
يُبيّن هذا التفكيك النظري أن الوقف المتدرج والحزمة المدمجة ليسا مجرد خيارين تقنيين، بل يعكسان رؤيتين مختلفتين لطبيعة الحرب ولما يعنيه “السلام”؛ فالوقف المتدرج يميل إلى إدارة المخاطر والكارثة عبر مراحل قصيرة، بينما الحزمة المدمجة تهدف إلى معالجة الأعماق البنيوية للعنف (Rufer, 2005؛ Lefler, 2010؛ Berghof, 2019).
في الحالة السودانية، حيث تتداخل حرب 2023–2026 مع تاريخ طويل من النزاعات في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، ومع انهيار اقتصادي وحقوقي غير مسبوق، ومع كون السودان أكبر أزمة إنسانية ونزوح في العالم حالياً، فإن اختيار نموذج واحد دون تكييف لا يبدو كافياً؛ فالوقف المتدرج وحده يغامر بتحويل التفاوض إلى إدارة للأزمة الإنسانية بلا تحوّل، والحزمة المدمجة وحدها قد تكون مثالية إذا لم تُصمم وفق ميزان القوى وظروف الكارثة (UN News, 2026؛ ReliefWeb, 2026؛ Berghof, 2019).
من ثمّ، يشير التحليل إلى الحاجة لنموذج هجيني يدمج الوقف المتدرج في حزمة مدمجة وطنية، تُصاغ بمشاركة مدنية واسعة، وتُربط فيها الهدن الإنسانية والوقف الجزئي بمسار إصلاح أمني–سياسي–حقوقي واضح، مع نظام حوافز وعقوبات، وباستخدام الدعم الخارجي بشكل منضبط، حتى لا يظل من يحمل السلاح هو المحدد الوحيد لمسار السلام، بل يُعاد تعريف الشرعية بحيث تصبح الأغلبية المدنية هي صاحبة العقد الاجتماعي الجديد (Paffenholz, 2015؛ Principles for Peace, 2025؛ UN News, 2026؛ CFR, 2026).
تجليات النماذج التفاوضية في الحرب السودانية
يطبّق هذا الجزء من المقال الإطارين النظريين للوقف المتدرج والحزمة المدمجة على مسارات التفاوض الفعلية التي شهدها السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية: محادثات جدة، لقاءات المنامة، ومبادرة الرباعية، بوصفها تجارب عملية لاختبار كيف يُستخدم الوقف المتدرج وكيف تُجرَّب الحزم الشاملة، وما الذي أدى إلى تعثرها أو فشلها (Elamin 2024؛ Bekele 2005؛ Berghof 2019؛ Principles for Peace 2025).
أولاً: مسار جدة كنموذج للوقف المتدرج بلا حزمة مدمجة
انطلق مسار جدة في مايو 2023 بوساطة سعودية–أمريكية، حيث وُقِّع “إعلان جدة للالتزام بحماية المدنيين” الذي تعهّد فيه طرفا النزاع باحترام القانون الإنساني الدولي، وعدم استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية، كخطوة أولى في مسار تفاوضي يهدف إلى وقف القتال (ReliefWeb 2023؛ Elamin 2024). تلا ذلك تفاهمات على وقف مؤقت للأعمال العدائية وهدن إنسانية لفترات قصيرة (نحو سبعة أيام قابلة للتمديد)، صيغت وفق منطق الوقف المتدرج: وقف جزئي ومؤقت يرتكز على إجراءات إنسانية، دون الدخول المبكر في إعادة هيكلة المنظومة الأمنية أو ترتيبات الحكم الانتقالي (UN DPPA 2022؛ Lefler 2010).
عملياً، جسّد مسار جدة جوانب القوة والضعف في نموذج الوقف المتدرج؛ فمن جهة، أتاح للوسطاء طرح التزامات محدودة يمكن التوقيع عليها بسرعة، ووفّر إطاراً قانونياً–سياسياً يُذكّر الأطراف بواجباتهم تجاه المدنيين، وأرسل إشارة إلى المجتمع الدولي بأن هناك محاولة منظمة لخفض مستوى العنف (ReliefWeb 2023؛ NPR 2023). ومن جهة أخرى، لم تُدمَج هذه الهدن في حزمة إصلاحية واضحة؛ فلم يُربط استمرار أو تمديد وقف النار بتقدم ملموس في ملفات الدمج وإصلاح الأمن والعدالة والحكم المدني، ولم تُبنَ على هذه الهدن مصفوفة تنفيذ ذات آليات مراقبة قوية أو نظام عقوبات فعّال على الانتهاكات، الأمر الذي أدى إلى انهيارها سريعاً واستمرار القصف والقتال في الخرطوم ودارفور وغيرها (Elamin 2024؛ Al Jazeera 2023؛ UN News 2026).
كما أظهر المسار أن الهدن القصيرة يمكن أن تتحول إلى فرص لإعادة التموضع العسكري؛ إذ استغلت بعض الأطراف فترات الهدنة لتعزيز مواقعها أو تأمين خطوط إمدادها في غياب مراقبة صارمة، ما عمّق شعور المدنيين بأن التفاوض يدور حول “التقاط أنفاس” الأطراف المسلحة أكثر مما يدور حول حماية حقيقية للضحايا (Elamin 2024؛ Amnesty 2026). ولم ينجح المسار في إشراك المجتمع المدني السوداني بوزن حقيقي في صياغة الاتفاقات أو مراقبة تنفيذها، مما جعل العملية تبدو كحوار بين طرفين مسلّحين تحت رعاية خارجية، يستدعي الأطراف المدنية لاحقاً للتأييد أو الاعتراض، دون أن يكون لها قدرة فعلية على تعديل المعادلة (International IDEA 2024؛ Paffenholz 2015؛ Principles for Peace 2025). بهذا المعنى، يُقرأ مسار جدة كاختبار لمزايا الوقف المتدرج حين يُطبَّق منعزلاً عن حزمة مدمجة، ويبيّن أن الهدن الإنسانية وحدها، من دون ربطها بمسار إصلاحي بنيوي، يمكن أن تتحول إلى إدارة للأزمة الإنسانية بلا تحوّل في بنية الحرب (Rufer 2005؛ Berghof 2014؛ UN DPPA 2022).
ثانياً: لقاءات المنامة كحزمة غير مكتملة خارج إطار وطني
في مطلع 2024، شهدت العاصمة البحرينية المنامة سلسلة لقاءات غير رسمية بين قيادات من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، برعاية أو حضور دول إقليمية معنية بالصراع، مثل السعودية والإمارات ومصر، إضافة إلى أطراف دولية؛ وقدّم الإعلام وبعض التسريبات هذه اللقاءات بوصفها محاولة للانتقال من نقاشات الهدنة والوقف المؤقت في جدة إلى نقاش أعمق حول ترتيبات مستقبلية تشمل الدمج، إعادة هيكلة القوات، وتقاسم السلطة في إطار تسوية سياسية–أمنية أوسع (Bahrain Mirror 2024؛ Elamin 2024).
من حيث الجوهر، يمكن النظر إلى لقاءات المنامة كمحاولة لصياغة “حزمة” تتناول قضايا بنيوية مثل هيكلة المنظومة الأمنية ومستقبل الدعم السريع في الجيش، لكن هذه الحزمة ظلت غير مكتملة وغير مدمجة في إطار وطني واضح؛ فهي لم تُفضِ إلى وثيقة مكتوبة وشفافة يمكن اعتبارها اتفاقاً أو حتى إطاراً تفاوضياً معترفاً به، ولم تُشرك فيها أطراف مدنية سودانية تمثّل الضحايا والمهمّشين والقوى الثورية، مما جعلها أقرب إلى تفاوض مغلق بين نخبتين عسكريتين تحت رعاية خارجية تبحث عن صيغة لإدارة توازن القوى، لا عن عقد اجتماعي جديد (International IDEA 2024؛ Paffenholz 2015).
إضافة إلى ذلك، لم تُربط هذه اللقاءات بمسار معلن لوقف النار أو لتحسين الوضع الإنساني بشكل مباشر؛ فلم يكن هناك تزامن واضح بين ما يُناقَش في المنامة من ترتيبات أمنية–سياسية وبين تغير ملموس على الأرض لصالح حماية المدنيين أو فتح الممرات الإنسانية، مما عمّق الفجوة بين الحقل التفاوضي المغلق وواقع الحرب والنزوح والجوع (UNICEF 2026؛ ReliefWeb 2026؛ UNHCR 2026). وهكذا، تكشف تجربة المنامة عن صورة لحزمة “غير مدمجة”: حوار حول بنية السلطة والأمن يجري بعيداً عن الشفافية والمشاركة المدنية، دون ربط حقيقي بوقف النار أو العدالة أو إعادة الإعمار، ودون إدراج واضح في خارطة طريق وطنية، وهو ما يوضح مخاطر بناء حزم جزئية أو فوقية لا تمتلك ملكية مجتمعية ولا إطاراً مؤسسياً داخلياً يضمن الالتزام بها (Bekele 2005؛ Berghof 2019؛ Principles for Peace 2025).
ثالثاً: مبادرة الرباعية كمحاولة للجمع بين الوقف المتدرج والحزمة المدمجة
في النصف الثاني من 2025، أعلنت ما عُرف بـ”مبادرة الرباعية” التي شاركت فيها أطراف إقليمية ودولية رئيسية في الملف السوداني، وقدمت خارطة طريق ثلاثية المراحل: أولاً، هدنة إنسانية ممتدة نسبياً لثلاثة أشهر، تهدف إلى وقف القتال أو خفضه بشكل ملحوظ في المدن والمناطق المتضررة، وفتح ممرات إنسانية واسعة؛ ثانياً، اتفاق وقف نار دائم يُنظّم إعادة انتشار القوات ويضع آليات مراقبة مشتركة؛ ثالثاً، عملية سياسية انتقالية لمدة تسعة أشهر تُفضي إلى تشكيل حكومة مدنية انتقالية، مع إشارات إلى ضرورة إصلاح المنظومة الأمنية ووقف الدعم العسكري الخارجي للأطراف المتحاربة (AU–IGAD 2025؛ Eastleigh Voice 2025؛ Amaniafrica 2025).
من الناحية النظرية، تبدو هذه المبادرة محاولة للجمع بين الوقف المتدرج والحزمة المدمجة؛ فهي تبدأ بهدنة إنسانية محددة زمنياً، وتنتقل إلى وقف نار دائم، لكنها تربط ذلك بمسار سياسي انتقالي وإصلاحات أمنية، وتشير إلى عناصر حزمة تشمل الحكم المدني وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية والدعم الخارجي المنضبط (Berghof 2019؛ Principles for Peace 2025؛ UN DPPA 2022). ومع ذلك، واجهت المبادرة مقاومة قوية من داخل الأطراف المسلحة؛ فقد اعتبر الجيش أن بعض بنودها تمس بنيته المؤسسية وتقلّص نفوذه، ورأى فيها محاولة لفرض توازن جديد لا يعكس رؤيته لدوره في الدولة، بينما حاولت قوات الدعم السريع استثمارها لتثبيت مكاسبها الميدانية ومنحها شرعية سياسية، وتباينت مواقف القوى المدنية بين من رحّب بها كفرصة لكسر حالة الجمود ومن انتقدها لغياب مشاركتهم في صياغتها ولتغليب كفة الأطراف المسلحة في بنائها (Elamin 2024؛ Al Jazeera 2025؛ International IDEA 2024).
كما واجهت المبادرة إشكاليات تتعلق بالملكية الوطنية والشرعية؛ إذ رأى كثير من الفاعلين السودانيين أنها صيغت بصورة فوقية وبضغط من مصالح إقليمية ودولية، وأنها لم تُبنَ على عملية تشاورية واسعة مع القوى المدنية والمجتمعية، كما لم توضح بما يكفي كيف ستُدمَج العدالة الانتقالية وإصلاح المنظومة الأمنية في تفاصيل التنفيذ، ولا كيف سيُربط الدعم الخارجي فعلياً بمؤشرات واضحة في تنفيذ الخارطة، ما أثار مخاوف من أن تتحول إلى إطار سياسي جديد لإدارة التوازنات بين القوى المسلحة أكثر من كونها حزمة مدمجة تعالج جذور العنف (Paffenholz 2015؛ Principles for Peace 2025؛ HRW 2026؛ CFR 2026).
رابعاً: دلالات هذه المسارات على تطبيق النماذج في السودان
تكشف القراءة المتكاملة لمسار جدة ولقاءات المنامة ومبادرة الرباعية أن المشكلة في الحالة السودانية لم تكن مجرد اختيار خاطئ بين الوقف المتدرج والحزمة المدمجة، بل في طريقة تصميم وتطبيق هذه النماذج على الأرض (Berghof 2014؛ Berghof 2019؛ Rufer 2005). فمسار جدة جسّد الوقف المتدرج في صورته الضيقة، حين تُستخدَم الهدن الإنسانية والوقف المؤقت للأعمال العدائية دون ربطها بحزمة إصلاحية واضحة وبنظام حوافز وعقوبات ومشاركة مدنية، فكانت النتيجة هدناً قصيرة تنهار سريعاً ولا تغيّر بنية الحرب (Elamin 2024؛ ReliefWeb 2023؛ UN News 2026). لقاءات المنامة مثّلت محاولة لصياغة حزمة سياسية–أمنية مغلقة بين نخب مسلحة وبرعاية خارجية، لكنها لم تُدمَج في إطار وطني، ولم ترتبط مباشرة بوقف النار أو العدالة أو إعادة الإعمار، فتبدّت كحزمة غير مكتملة وغير مدمجة (Bahrain Mirror 2024؛ International IDEA 2024؛ Paffenholz 2015). ومبادرة الرباعية حاولت الجمع بين الوقف المتدرج والحزمة المدمجة، لكنها عانت من ضعف الملكية الوطنية، ومقاومة من الأطراف المسلحة، وغموض في كيفية إدماج العدالة والإصلاح الأمني والدعم الخارجي في تنفيذها (AU–IGAD 2025؛ Eastleigh Voice 2025؛ Amaniafrica 2025؛ HRW 2026).
من هنا، يخلص هذا الجزء من النص إلى أن تطبيق النماذج على السودان يبرز الحاجة إلى تصميم تفاوضي جديد يدمج عناصر الوقف المتدرج (هدن إنسانية، وقف جزئي، بناء ثقة) داخل حزمة مدمجة وطنية تُصاغ بشفافية وبمشاركة مدنية واسعة، وتربط كل خطوة في وقف النار بتحوّل ملموس في بنية المنظومة الأمنية والحكم والعدالة والدعم الخارجي، مع نظام واضح للحوافز والعقوبات وآليات مراقبة مشتركة (Principles for Peace 2025؛ Paffenholz 2015؛ International IDEA 2024؛ UN DPPA 2022). وبدون هذا الربط البنيوي، سيظل خطر تكرار نمط جدة والمنامة والرباعية قائماً: هدَن قصيرة بلا أفق إصلاحي، حزم مغلقة بلا شرعية مجتمعية، ومبادرات فوقية تصطدم بمصالح القوى المسلحة، بينما يستمر المدنيون في دفع ثمن حرب تُدار في غرف تفاوض لا تُعطيهم موقعاً حقيقياً في صياغة مستقبلهم (UN News 2026؛ Amnesty 2026؛ CFR 2026).
إعادة تصميم مسار التفاوض في السودان: نموذج هجيني يدمج الوقف المتدرج في حزمة مدمجة وطنية وتحليل نقدي لإمكانات تطبيقه
يقترح هذا الجزء نموذجاً لتصميم وترتيب التفاوض في السودان يدمج عناصر الوقف المتدرج داخل حزمة مدمجة وطنية، مستفيداً من دروس مسارات جدة والمنامة والرباعية، ومن الأدبيات المقارنة حول عمليات السلام الشاملة، بهدف الانتقال من إدارة الأزمة الإنسانية إلى معالجة البنى المنتِجة للعنف عبر عقد اجتماعي جديد يقوده المدنيون (Principles for Peace 2025؛ InclusivePeace 2023؛ Berghof 2019؛ UN DPPA 2022).
أولاً: المبادئ الحاكمة للنموذج المقترح
ينطلق النموذج من أربع مجموعات من المبادئ:
مبادئ سيادية–سياسية: تأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً، وأن مستقبل الحكم في السودان يجب أن يُقرَّر عبر عملية سياسية مدنية شاملة تمثّل تنوّع المجتمع السوداني، وأن وحدة البلاد وسيادتها تُصان عبر عقد اجتماعي جديد لا عبر هيمنة مكوّن واحد (Berlin Conference 2026؛ The Conversation 2026).
مبادئ إنسانية–حقوقية: اعتبار حماية المدنيين، وضمان الممرات الإنسانية، ووقف الانتهاكات الجسيمة، وإدماج العدالة الانتقالية، عناصر غير قابلة للتفاوض في أي مسار، وأن أي هدنة أو وقف نار تُقاس فعاليتها بقدرتها على تقليل الوفيات والجوع والنزوح، لا بمجرد توقيعها (UN News 2026؛ HRW 2026؛ Amnesty 2026).
مبادئ أمنية–عسكرية: الاعتراف بأن الأمن لن يستقر ما لم تُعاد هيكلة المنظومة الأمنية–العسكرية، ويُعاد تعريف أدوار الجيش والدعم السريع والقوى المسلحة الأخرى تحت سقف رقابة مدنية ودستورية، مع برامج DDR وSSR وطنية تُدار وفق معايير معترف بها، وتُنسَّق مع بقية العمليات السياسية والاقتصادية (Rufer 2005؛ RUSI 2023؛ AU DDR Guidelines).
مبادئ مشاركة وملكية وطنية: ضمان مشاركة حقيقية وواسعة للمجتمع المدني، والنساء، ومناطق الهامش، والشباب، في تصميم وتنفيذ العملية، وربط الدعم الخارجي بمؤشرات واضحة في احترام هذه المشاركة، بحيث لا تصبح العملية مجرد صفقة بين نخب مسلحة أو بين أطراف خارجية (Paffenholz 2015؛ International IDEA 2024؛ InclusivePeace 2023؛ Human Security Project 2025).
ثانياً: بنية النموذج المقترح: أربع مراحل مترابطة
مرحلة وقف نار إنساني–تمهيدي مدمج في اتفاق إطار
تقترح المرحلة الأولى وقفاً إنسانياً–تمهيدياً قصير الأمد (من 6 إلى 12 أسبوعاً)، يستهدف وقف القصف العشوائي على المدن الكبرى مثل الخرطوم والفاشر وكادوقلي والجنينة، وخفض مستوى العنف في المناطق الأشد تضرراً، وتأمين ممرات إنسانية واسعة لإيصال الغذاء والدواء والمياه، وإجلاء الجرحى والمرضى، مع إنشاء آليات مراقبة ميدانية مشتركة تضم ممثلين عن الأطراف المسلحة، وعن المجتمع المدني، وعن الاتحاد الأفريقي والإيغاد والأمم المتحدة (UN DPPA 2022؛ UNOCHA 2024؛ UN News 2026).
ما يُميّز هذه المرحلة عن هدن جدة السابقة هو أنها ليست اتفاقاً قائماً بذاته، بل جزء من “اتفاق إطار” سياسي–أمني–حقوقي يُوقَّع بالتزامن معها، ويحدد مبادئ إعادة هيكلة المنظومة الأمنية، ويقرّ بأن السلطة الانتقالية ستكون مدنية، ويُلزم الأطراف بفتح مسار عدالة انتقالية، ويمنح المجتمع المدني موقعاً واضحاً في إدارة العملية. يتضمّن الاتفاق الإطاري مصفوفة حوافز وعقوبات ترتبط بهذه المرحلة: تمديد الهدنة أو توسيعها مقرون بمدى الالتزام بفتح الممرات الإنسانية وبالتقدم في خطوات تأسيس الهياكل الانتقالية المدنية؛ وفي حال الإخلال، تُفعَّل عقوبات سياسية واقتصادية وشخصية وفق قرارات إقليمية ودولية متفق عليها (Principles for Peace 2025؛ Berlin Conference 2026؛ CFR 2026؛ The Conversation 2026).
مرحلة اتفاق وقف نار شامل وسلة أمنية موسّعة
في المرحلة الثانية، يُصاغ ويُوقَّع اتفاق وقف نار شامل، مبني على نتائج المرحلة الأولى، يعلن وقفاً كاملاً للأعمال العدائية في كل الجبهات، ويحدد خطوط التماس، ومناطق منزوعة السلاح، وقواعد سلوك للقوات، وآليات مراقبة وتحقق بمشاركة سودانية–إقليمية–دولية، مع إنشاء غرفة عمليات مشتركة للتعامل مع الخروقات (UN DPPA 2022؛ AU DDR Guidelines).
يتضمن الاتفاق إنشاء مفوضية وطنية مستقلة لـ DDR، مكلفة بتصميم وتنفيذ برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج للمقاتلين في الحياة المدنية أو في قوات نظامية جديدة، وفق معايير شفافة، وبالتنسيق مع مفوضية إصلاح قطاع الأمن (SSR) التي تُعنى بإعادة هيكلة الجيش، والشرطة، والأجهزة الأمنية، وإنهاء الأدوار الاقتصادية غير المشروعة، وتحديد مهام هذه المؤسسات في الدستور المؤقت، تحت رقابة مدنية وبرلمانية وقضائية (Rufer 2005؛ RUSI 2023؛ Berghof 2014؛ Principles for Peace 2025).
يربط النموذج هذه السلة الأمنية بسلال أخرى عبر مصفوفة تنفيذ؛ فكل خطوة في إعادة الانتشار أو نزع السلاح لا تُنفَّذ في فراغ، بل تُقابَل بخطوة في تشكيل الهياكل المدنية الانتقالية أو في إطلاق آليات العدالة، والعكس، بما يمنع استخدام التقدم الأمني لتعطيل الإصلاح السياسي أو الحقوقي، ويحول دون توظيف الإصلاح السياسي لتأجيل الترتيبات الأمنية الضرورية (Principles for Peace 2025؛ InclusivePeace 2023).
مرحلة ترتيبات الحكم الانتقالي والعدالة والمشاركة المدنية
المرحلة الثالثة تُركّز على سلة الحكم الانتقالي والعدالة والمشاركة المدنية، وتشمل تشكيل “مجلس تشريعي انتقالي مدني–أمني مشترك” يتمتع بشرعية سياسية ومجتمعية واسعة، يضم ممثلين عن القوى المدنية (لجان المقاومة، النقابات المستقلة، المنظمات النسوية والحقوقية، ممثلي الأقاليم المهمشة)، وممثلين عن الأطراف المسلحة في حدود توازن يضمن مدنية القيادة، إلى جانب شخصيات مستقلة ذات قبول واسع (International IDEA 2024؛ InclusivePeace 2023؛ Paffenholz 2015).
يتولى هذا المجلس الإشراف على حكومة انتقالية مدنية، وعلى مسار صياغة دستور مؤقت، وعلى التنسيق بين مفوضيات DDR وSSR والعدالة الانتقالية. تُنشأ هيئة أو مفوضية عدالة انتقالية مختلطة، مخوَّلة بالتحقيق في الانتهاكات الجسيمة، وتقديم توصيات بالملاحقة أو جبر الضرر أو المصالحة، مع ضمان تمثيل الضحايا، خاصة من دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والجزيرة والخرطوم، في عملها. تُحدَّد بوضوح أنواع الجرائم غير القابلة للعفو، وآليات التعاون مع الهيئات الدولية إذا لزم الأمر، وتُدرَج مبادئ العدالة الانتقالية في الدستور المؤقت وفي الاتفاقات الأساسية، بما يقلل خطر الإفلات من العقاب (HRW 2026؛ UN News 2026؛ Principles for Peace 2025).
في هذه المرحلة أيضاً، تُفعَّل مشاركة المجتمع المدني عبر إنشاء “منتدى وطني للمسارات المدنية” يضم شبكات ولجاناً ومبادرات من الداخل والشتات، ويُمنح حق تقديم توصيات ملزمة يُدرج جزء منها مباشرة في نصوص الاتفاقات أو القرارات، وحق مراجعة مسودات الاتفاق قبل التوقيع، مع آليات شفافة لاختيار ممثليه، لتقليل مخاطر احتكار التمثيل أو تهميش الفئات الأضعف (International IDEA 2024؛ Paffenholz 2015؛ InclusivePeace 2023؛ Human Security Project 2025).
مرحلة التحول السياسي الكامل وبناء السلام الإيجابي
المرحلة الرابعة تمتد على المدى المتوسط والبعيد، وتركز على التحول من “السلام السلبي” إلى “السلام الإيجابي” عبر معالجة الأسباب البنيوية للعنف. تشمل هذه المرحلة برامج مصالحة مجتمعية في المناطق التي شهدت انتهاكات واسعة؛ مشاريع إعادة إعمار تشاركية في الخرطوم ودارفور والجزيرة وكردفان والنيل الأزرق؛ إصلاح سياسات الأرض والموارد والرعي والزراعة؛ إعادة بناء الخدمات الأساسية؛ وتعزيز دور المجتمع المدني والإعلام والقضاء في مراقبة السلطة ومساءلتها (Berghof 2019؛ CFR 2026؛ Berlin Conference 2026؛ Human Security Project 2025).
تُربط هذه البرامج بحزم دعم خارجي تُدار وفق مبادئ الملكية الوطنية والشفافية، بحيث تُصرف الموارد في إطار خطط وطنية لإعادة الإعمار، ويُشترط في التمويل تحقيق مؤشرات واضحة في تنفيذ الإصلاحات الأمنية والسياسية والحقوقية والاقتصادية، مع التركيز على دعم قدرات الفاعلين المحليين والبلديات والمجالس القاعدية، لتجنّب إعادة إنتاج مركزية السلطة في الخرطوم وحدها (AU DDR Guidelines؛ InclusivePeace 2023؛ Principles for Peace 2025؛ International Engagement 2006).
ثالثاً: دور الفاعلين الخارجيين: من التدخل إلى الضبط المشروط
يُدرج النموذج دور الفاعلين الخارجيين –الإقليميين والدوليين– ضمن إطار “الضبط المشروط” لا “الوصاية”، فيعترف بأن الحرب السودانية متداخلة مع شبكة دعم خارجي عسكري ومالي وسياسي للأطراف، وأن إنهاء هذا الدعم ضروري لنجاح أي مسار سلام، لكنه يرفض أن تُصاغ العملية كصفقة بين هذه القوى على حساب المجتمع السوداني (CEDPE 2026؛ RUSI 2023؛ The Conversation 2026).
يقترح النموذج أن تُستخدم مؤتمرات مثل باريس 2024 ولندن 2025 وبرلين 2026 كمنصات لتوحيد المواقف الخارجية حول مبادئ واضحة: وقف الدعم العسكري والمالي للأطراف؛ ربط أي مساعدة أو شرعية دولية بالتزام الأطراف بخارطة الطريق؛ دعم مفوضيات DDR وSSR والعدالة الانتقالية والسلطة المدنية الانتقالية؛ ومنح المجتمع المدني السوداني موقعاً دائماً في آليات المتابعة الدولية، بحيث لا يُختزل الحضور السوداني في ممثلي الأطراف المسلحة أو النخب السياسية وحدها (Berlin Conference 2026؛ Principles for Peace 2025؛ InclusivePeace 2023).
رابعاً: تحليل نقدي للنموذج المقترح وحدود إمكان تطبيقه
رغم اتساق النموذج المقترح مع الأدبيات المقارنة ومع دروس مسارات جدة والمنامة والرباعية، فإنه يواجه تحديات واقعية كبيرة؛ أولها مستوى انعدام الثقة العميق بين الجيش والدعم السريع، وبين هذه الأطراف والمجتمع المدني، وبين فئات المجتمع نفسها، بعد سنوات من الانتهاكات والحروب والانقلابات، ما يجعل أي التزام مكتوب عرضة للشك، ويستلزم آليات تحقق قوية وشفافة لتقليل مخاطر الغدر وسوء النية (Elamin 2024؛ HRW 2026؛ The Conversation 2026).
ثانيها تشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية في السودان، من حيث الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي للأطراف، وما يخلقه ذلك من حوافز لمواصلة الحرب أو تجميدها عند حد يخدم تلك المصالح، ما لم يُبنَ توافق خارجي جاد على تغيير قواعد اللعبة، وهو ما لا يمكن ضمانه بسهولة في نظام دولي منقسم (CEDPE 2026؛ CFR 2026؛ Berlin Conference 2026).
ثالثها عمق الانهيار الاقتصادي والمؤسسي في السودان؛ فالدولة نفسها تعاني من تفكك شديد في مؤسساتها، الأمر الذي يحدّ من قدرتها على تنفيذ برامج DDR وSSR والعدالة وإعادة الإعمار، ويستلزم استثمارات ضخمة ودعماً فنياً طويل الأمد، فضلاً عن إعادة بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات (UNOCHA 2024؛ UNICEF 2026؛ UNHCR 2026).
رابعها الانقسامات داخل الصف المدني نفسه، بين قوى ثورية وقوى حزبية تقليدية، وبين مكونات الهامش والمركز، وبين أجيال مختلفة، ما قد يعقّد عملية اختيار ممثلي المجتمع المدني في المجلس الانتقالي والمنتدى الوطني للمسارات المدنية، ويستلزم آليات شفافة ومراحل تدريجية لبناء كتلة مدنية حرجة قادرة على التفاوض والرقابة دون ادعاء تمثيل كل المجتمع دفعة واحدة (International IDEA 2024؛ InclusivePeace 2023؛ Paffenholz 2015؛ Human Security Project 2025).
مع ذلك، يؤكد التحليل أن بديل هذا النموذج ليس حلاً بسيطاً أو أقل تعقيداً؛ فالإبقاء على نمط الهُدن القصيرة بلا حزمة مدمجة، أو محاولة فرض حزمة مغلقة من خارج دون مشاركة مدنية وملكية وطنية، أثبتا في مسارات جدة والمنامة والرباعية أنهما يؤديان إلى مزيد من إطالة الحرب، وتعميق المأساة الإنسانية، وإفقاد العملية أي شرعية مجتمعية مستقرة. لذلك، رغم الصعوبات، يقدَّم هذا النموذج الهجين –الذي يدمج الوقف المتدرج في حزمة مدمجة وطنية– كاتجاه ضروري للبحث، لا كمخطط جاهز، مع إدراك أن ترجمته إلى واقع يتطلب عملاً متدرجاً لبناء الثقة، وتوسيع المشاركة المدنية، وضبط دور الفاعلين الخارجيين، وربط كل خطوة في التفاوض بقدرة ملموسة على تغيير حياة السودانيين الذين يدفعون ثمن الحرب يومياً.
خاتمة نقدية: من هندسة التفاوض إلى إعادة بناء الشرعية في السودان
يبيّن هذا المقال، عبر مساراته الثلاثة النظرية–التطبيقية، أن سؤال “كيف نوقف الحرب في السودان؟” ليس سؤالاً تقنياً عن شكل الاتفاق فحسب، بل هو سؤال بنيوي عن طبيعة السلطة والشرعية والعلاقة بين المجتمع والدولة والسلاح (Principles for Peace 2025؛ Berghof 2019؛ BTI 2026). فالمقارنة بين نموذج الوقف المتدرج ونموذج الحزمة المدمجة، ثم تحليل تطبيقاتهما في مسارات جدة والمنامة والرباعية، وأخيراً اقتراح نموذج هجيني يُدمج الوقف المتدرج في حزمة مدمجة وطنية، تكشف أن الأزمة ليست في غياب النماذج بل في طريقة استخدامها وفي من يملك حق تصميمها وتعديلها (InclusivePeace 2023؛ International IDEA 2024؛ Elamin 2024).
أولاً: حدود النماذج حين تُختزل إلى أدوات تقنية
أظهر الجزء النظري أن الوقف المتدرج يقدّم مزايا واضحة من حيث بناء الثقة، وتخفيف العنف تدريجياً، وإتاحة مساحة للممرات الإنسانية، لكنه يحمل مخاطر التجميد وإعادة التموضع إذا لم يُربط بحزمة إصلاحية واضحة وبنظام حوافز وعقوبات وآليات مراقبة مستقلة تشارك فيها القوى المدنية (UN DPPA 2022؛ Rufer 2005؛ Berghof 2014). في المقابل، يَعِد نموذج الحزمة المدمجة بمعالجة جذور العنف عبر سلال مترابطة للأمن والسياسة والعدالة والاقتصاد، لكنه قد يتحول إلى “حزمة مغلقة” بين نخب محدودة إذا غابت المشاركة المجتمعية، أو إذا صيغ تحت ضغط خارجي أكثر مما صيغ من حاجات المجتمع نفسه (Paffenholz 2015؛ Principles for Peace 2025؛ InclusivePeace 2023). بهذا المعنى، تكشف القراءة النقدية أن النماذج التفاوضية ليست محايدة؛ فهي تعكس تصوّرات عن من يستحق أن يكون على الطاولة، ومن تُعدّ معاناته “أولوية” ومن تُؤجَّل قضاياه.
ثانياً: دروس مسارات جدة والمنامة والرباعية
الجزء التطبيقي حول الحالة السودانية كشف كيف تتجسد هذه النماذج في واقع تفاوضي شديد التعقيد. مسار جدة جسّد الوقف المتدرج في صورته الضيقة: هدن إنسانية قصيرة، التزامات عامة بحماية المدنيين، دون ربط منظّم بترتيبات إعادة هيكلة المنظومة الأمنية أو الحكم المدني أو العدالة الانتقالية، ما جعل هذه الهدن تنهار سريعاً وتُستغل أحياناً لإعادة التموضع العسكري أكثر مما تُستغل لحماية الضحايا (ReliefWeb 2023؛ NPR 2023؛ UN News 2026). هذا الاستخدام “المجزأ” للوقف المتدرج أبرز مخاطر حصر التفاوض في إدارة الكارثة الإنسانية دون محاولة تغيير البنى التي أنتجت الكارثة.
لقاءات المنامة مثّلت الوجه الآخر: محاولة لصياغة حزمة سياسية–أمنية غير مكتملة وغير مدمجة في إطار وطني؛ حوار مغلق بين نخبتين مسلحتين برعاية خارجية، بلا وثيقة شفافة، وبلا مشاركة مدنية، وبلا ربط واضح بوقف النار أو العدالة أو إعادة الإعمار (Bahrain Mirror 2024؛ International IDEA 2024؛ Bekele 2005). هذه التجربة أوضحت أن الحزمة، إذا صيغت فوقياً دون ملكية وطنية ودون إدماج حقيقي لأصوات الضحايا والمهمّشين، يمكن أن تصبح مجرد آلية لإعادة توزيع النفوذ بين القوى المسلحة، لا أداة لإعادة بناء الدولة على أساس جديد.
مبادرة الرباعية حاولت أن تكون جسراً بين النموذجين، فجمعت بين هدنة ممتدة نسبياً ووقف نار دائم ومسار سياسي انتقالي، لكنها اصطدمت بعوائق الملكية الوطنية، وبمقاومة الأطراف المسلحة التي رأت فيها تهديداً لترتيبات القوة القائمة، وبغموض في كيفية إدماج العدالة وإصلاح الأمن والدعم الخارجي في التنفيذ (AU–IGAD 2025؛ Amaniafrica 2025؛ HRW 2026؛ The Conversation 2026). هنا يظهر أن الجمع الشكلي بين عناصر الوقف المتدرج والحزمة المدمجة، دون إعادة توزيع فعلية للسلطة بين المدنيين والعسكريين ودون ضمانات مشاركة، لا يكفي لإنتاج تحول بنيوي؛ بل يمكن أن يعيد إنتاج اختلالات النماذج السابقة في صيغة جديدة.
ثالثاً: إمكانات وحدود النموذج الهجين المقترح
في ضوء هذه التجارب، يقدّم المقال نموذجاً هجينيّاً يسعى إلى دمج الوقف المتدرج داخل حزمة مدمجة وطنية، عبر أربع مراحل مترابطة: وقف نار إنساني–تمهيدي مدمج في اتفاق إطار، اتفاق وقف نار شامل وسلة أمنية موسّعة (DDR/SSR)، ترتيبات حكم انتقالي وعدالة ومشاركة مدنية، ثم مرحلة طويلة الأمد لبناء السلام الإيجابي وإعادة الإعمار (Principles for Peace 2025؛ InclusivePeace 2023؛ AU DDR 2015). القيمة النقدية لهذا النموذج أنه يحاول أن يتعلّم من فشل فصل الهدن عن الإصلاح البنيوي، ومن مخاطر الحزم المغلقة؛ فيربط كل خطوة لخفض العنف بخطوة في إعادة هيكلة المنظومة الأمنية والحكم والعدالة، ويضع المجتمع المدني والضحايا في موقع فاعل لا رمزي، ويحوّل دور الفاعلين الخارجيين من “وصاية” إلى “ضبط مشروط” مرتبط بملكية وطنية (CEDPE 2026؛ RUSI 2023؛ Agency for Peacebuilding 2026).
مع ذلك، يقرّ المقال بأن هذا النموذج ليس وصفة جاهزة؛ بل إطار معياري يواجه تحديات واقعية شديدة: انعدام الثقة العميق بين الأطراف بعد سنوات من الانتهاكات والحروب؛ تشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية التي تغذي الصراع بالمال والسلاح؛ ضعف القدرة المؤسسية والاقتصادية على تنفيذ برامج الإصلاح الأمني والعدالة وإعادة الإعمار؛ والانقسام داخل الصف المدني نفسه بين ثورية وحزبية، وهامش ومركز، وأجيال مختلفة (Sudan Conflict Monitor 2026؛ BTI 2026؛ InclusivePeace 2023؛ International IDEA 2024). هذه التحديات لا تُبطل الحاجة إلى النموذج، لكنها تمنع التعامل معه كخريطة يمكن إسقاطها مباشرة على واقع معقّد دون عمل طويل لتعديل موازين القوى وبناء كتلة مدنية حرجة واستعادة بعض الثقة في إمكان السياسة.
رابعاً: استنتاجات معيارية للمستقبل
الخاتمة النقدية للمقال تقود إلى ثلاثة استنتاجات رئيسية:
أولاً، أن سؤال “نموذج التفاوض” في السودان هو في جوهره سؤال عن إعادة تعريف الشرعية: هل تظل الشرعية مملوكة لمن يحمل السلاح ومن يسيطر على مؤسسات الدولة التقليدية، أم تُعاد صياغتها بحيث يصبح المجتمع المدني –بمن فيه من نساء وشباب وأقاليم مهمّشة– هو مصدر العقد الجديد، وتوضع المنظومة الأمنية تحت سقفه لا فوقه؟ من دون هذا التحول، سيظل أي ترتيب تفاوضي معرضاً لأن يُستخدم لترميم توازنات القوة القديمة لا لتغييرها (Agency for Peacebuilding 2026؛ InclusivePeace 2023؛ Principles for Peace 2025).
ثانياً، أن نجاح أي نموذج، مهما كانت دقته، يجب أن يُقاس بمعيار مزدوج: هل يخفّض فعلياً مستويات القتل والجوع والنزوح في حياة الناس؟ وهل يغيّر البنى المنتِجة للعنف في الدولة والمجتمع؟ إذا لبّى أحد الشرطين دون الآخر –أي إذا خفّض العنف دون إصلاح البنى، أو طرح إصلاحاً نظرياً دون أثر ملموس على حياة الناس– فإنه يظل جزءاً من إدارة الأزمة لا من حلّها (UN News 2026؛ BTI 2026؛ UNOCHA 2024؛ UNHCR 2026).
ثالثاً، أن المسؤولية عن هذا التحول لا تقع على السودانيين وحدهم؛ فالقوى الإقليمية والدولية، التي شاركت بدرجات متفاوتة في إضعاف الدولة والمجتمع عبر دعم أطراف مسلحة أو تغليب مصالحها على مصلحة السودانيين، لا يمكن أن تستمر في لعب دور “الوسيط” المحايد بينما تتجاهل أثر تدخلها. أي مسار تفاوضي جاد يتطلّب اعترافاً صريحاً بهندسة سابقة للعنف، وباستعداد لإعادة هندسة التدخل الخارجي بحيث يدعم المسار المدني الشامل، ويقبل بسلام يعيد توزيع القوة والشرعية، لا سلام يجمّد العنف عند مستوى قابل للإدارة (Crisis Group 2026؛ CEDPE 2026؛ UN Sudan ICF 2026؛ InclusivePeace 2023؛ Principles for Peace 2025).
المراجع
- Agency for Peacebuilding. Women in Sudan’s Peace Process. Bologna: Agency for Peacebuilding; 2026 Apr. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Amaniafrica. Briefing on the situation in Sudan. Addis Ababa: Amaniafrica; 2025 Dec 14. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Amnesty International. Destruction and Violence in Sudan. London: Amnesty International; 2026 Apr 19. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- AU Commission. National DDR Frameworks: Operational Guidance Note. Addis Ababa: African Union; 2015. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- AU–IGAD. African Union Commission and IGAD welcome QUAD outcome on Sudan. Addis Ababa/Djibouti: AU–IGAD; 2025 Sep 14. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Bahrain Mirror. Sudanese Army and RSF Leaders Hold High-Level Talks in Bahrain. Manama: Bahrain Mirror; 2024 Feb 01. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Bekele W. The Negotiation of Security Issues in Sudan’s Comprehensive Peace Agreement. Geneva: HD Centre for Humanitarian Dialogue; 2005. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Berghof Foundation. Security Arrangements Before, During and After Negotiations. Berlin: Berghof Foundation; 2014. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Berghof Foundation. Managing Political Transformation and Security Transition: A Framework. Berlin: Berghof Foundation; 2019. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Berghof Foundation. The Paradox of Peace in Sudan and South Sudan. Berlin: Berghof Foundation; 2016. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- BTI Project. BTI 2026 Sudan Country Report. Gütersloh: Bertelsmann Stiftung; 2026. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- CEDPE. Peace Roadmap for Sudan. Paris: CEDPE; 2026 Jun 24. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- CFR. Sudan’s Humanitarian Crisis, Explained. New York: Council on Foreign Relations; 2026 Apr 13. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Crisis Group. Seven Peace and Security Priorities for Africa in 2026. Brussels: International Crisis Group; 2026 Feb 09. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Dabanga. Analysis of Jeddah and IGAD Mediation Efforts in Sudan. The Hague: Radio Dabanga; 2025. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- DCAF. Rufer R. Disarmament, Demobilisation and Reintegration (DDR): Conceptual Approaches, Specific Settings and Practical Experiences. Geneva: DCAF; 2005. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Eastleigh Voice. IGAD Leads New Push for Peace in Sudan as Regional and Global Partners Back Three-Step Quad Initiative. Nairobi: Eastleigh Voice; 2025 Nov 17. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Elamin MK. The Failure of the Jeddah and IGAD Mediation Efforts for Sudan. Washington, DC: Arab Center; 2024 Aug 18. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- HD Centre. Negotiating Ceasefires. Geneva: Centre for Humanitarian Dialogue; 2010. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- HRW. World Report 2026: Sudan Country Chapter. New York: Human Rights Watch; 2026 Jan 13. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Human Security Project. Centering Communities: A Human Security Approach to Peacebuilding in Sudan. Geneva: Human Security Project; 2025 Jul 31. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- InclusivePeace. Entry Points Towards Ending Violence, Inclusive Peacemaking, and Building Sustainable Peace in Sudan. Geneva: InclusivePeace; 2023 Aug. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- International Engagement in Sudan after the CPA. Geneva: Small Arms Survey/Swisspeace; 2006. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- International IDEA. Civil Society and Conflict in Sudan: Shifting Roles, Challenges and Priorities. Stockholm: International IDEA; 2024. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Lefler A. Ceasefires and Peace Processes: Lessons from Practice. Toronto: University of Toronto, Munk School of Global Affairs; 2010. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- NPR. Warring factions in Sudan agree to temporary ceasefire, U.S. and Saudi mediators say. Washington, DC: NPR; 2023 May 19. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Paffenholz T. Broadening Participation in Peace Processes. Geneva: Inclusive Peace; 2015. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Principles for Peace. Sudan Case Study: Comprehensive Framework for Peace Process in Sudan. Geneva: Principles for Peace; 2025. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- ReliefWeb. Jeddah Declaration of Commitment to Protect the Civilians of Sudan. Geneva: OCHA/ReliefWeb; 2023 May 11. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- ReliefWeb. Sudan Crisis Situation Analysis 2026. Geneva: ReliefWeb; 2026 Mar 23. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- ReliefWeb. Sudan Crisis Situation Analysis (09/03/26–15/03/26). Geneva: ReliefWeb; 2026 Mar 23. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- RUSI. Breaking the Impasse: Security Sector Reform in Sudan. London: Royal United Services Institute; 2023 Apr 23. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Rufer R. Disarmament, Demobilisation and Reintegration (DDR): Conceptual Approaches, Specific Settings and Practical Experiences. Geneva: DCAF; 2005. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Security Council Report. S/2023/294 – Report of the Secretary-General on Sudan. New York: United Nations; 2023 Apr. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- Sudan Transparency. Sudan Conflict Monitor #24. Khartoum: Sudan Transparency; 2026 Feb 17. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- The Conversation. Sudan’s latest peace plan: what’s in it and does it stand a chance? London: The Conversation; 2026 Jan 20. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- UN Department of Political and Peacebuilding Affairs. Guidance on Ceasefire Arrangements and Their Implementation. New York: United Nations; 2022. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- UNHCR. Sudan Situation Appeal 2026. Geneva: UNHCR; 2026 Feb 17. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- UNICEF. Sudan Humanitarian Situation Report No. 41. New York: UNICEF; 2026 May 25. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- UNOCHA. Sudan: One Year of Conflict – Key Facts and Figures. New York: OCHA; 2024 Apr 15. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- UN News. World Failing Sudan as War Enters a Fourth Year. New York: UN News; 2026 Apr 13. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
- UN Sudan Country Team. Sudan Interim Cooperation Framework 2026–2028. Khartoum: United Nations; 2025 Oct. تاريخ الوصول: 18 يوليو 2026.
