خالد أبوأحمد
بعد أن نشرنا مقالنا (إعلاميو نظام الأمر الواقع.. يحاكمون من حاول إطفاء الحريق)، خرجت كتابات من بعض (الإعلاميين) الداعمين لهذا النظام، لم تقترب من الوقائع التي أوردناها، وذهب أصحابها إلى الشتم والتخوين والحديث عن سِيَر الآخرين.،ولم يكن ذلك غريبًا علينا، فهذه الفئة من (الإعلاميين) اعتادت أن تهرب من السؤال الحقيقي، وهو سؤال المسؤولية: أين كانوا طوال ثلاثين عامًا، وماذا قالوا، وماذا دفعوا ثمنًا لما قالوا؟
للوطن على أبنائه ضريبة، ولا يدفعها الجميع. دفعها صحفيون أُغلقت صحفهم، وكتّاب مُنعوا من الكتابة، وموظفون فُصلوا من أعمالهم تحت لافتة (الصالح العام)، ومعتقلون عرفوا بيوت الأشباح، وآخرون لم يجدوا أمامهم إلا مغادرة البلاد والبدء من جديد في الغربة. هؤلاء دفعوا من أعمارهم وأرزاقهم وأمنهم ثمن كلمة قالوها في وجه الظلم، وفي المقابل كان هناك من اختار الطريق الأسهل، فعاش أعوام ذلك النظام كلها في أمان، محتفظًا بموقعه وعمله، يكتب في ما لا يغضب أحدًا، ويبتعد عن كل قضية قد يدفع فيها ثمنًا.
التعايش مع الظلم..
لم تكن البشاعة والقتل والتنكيل في تلك الأعوام خافية على أحد، ولم تكن في مكان واحد، فقد كانت في دارفور التي ما زالت ملفاتها مفتوحة أمام العالم، وفي جبال النوبة والنيل الأزرق، وفي الخرطوم نفسها حيث كان المعارضون يختفون في المعتقلات. وكان الظلم كذلك في الفساد الذي أفرغ خزينة الدولة، وفي بيع مؤسسات القطاع العام، وفي تعطيل المشاريع الزراعية التي كانت تطعم البلاد، وفي انهيار التعليم والصحة حتى صار المواطن يبحث عن العلاج والتعليم خارج وطنه.
كل هذا جرى أمام أعين هؤلاء الإعلاميين، وكانوا في قلب الساحة يكتبون كل يوم عن أي شيء إلا عن القتل والتنكيل والانتهاكات الفظيعة التي لحقت بالجميع، وبالمرأة السودانية على وجه خاص، ومع ذلك تعايشوا معه. وإن كتب بعضهم شيئًا فقد ظل في الهوامش، يقترب من التفاصيل الصغيرة ويبتعد عن جوهر الأزمة، فلم يتحدثوا يومًا عن المسؤول الأول عما جرى في دارفور، بل ظلوا هم أنفسهم على ودٍّ متصل مع قائد المليشيا وقواته، ولم يستنكروا كما استنكرنا القرار الذي منحها كل تلك الصلاحيات، لأنه صدر من الذي تصوروا معه وكتبوا عنه مشيدين به.
وقد سجّل التاريخ أن نظامهم هو من صنع المليشيا وقنّن وجودها وحركتها، وأنهم بصفتهم صحفيين وإعلاميين قدموا لها كل الدعم الإعلامي والمعنوي. ولما أشعلوا الحرب العبثية، لم يستحوا كعادتهم من الله خالقهم، ولم يستحوا من أنفسهم ولا من الشعب، فرمونا بما فعلوه هم، يا للخيبة والعار.
والتعايش مع الظلم موقف وإن لم يُكتب، فالصحفي الذي يرى الظلم يعم بلاده ثم يختار الصمت، يختار في الوقت نفسه أن يترك غيره يدفع الثمن وحده. وهذا ما فعلوه طوال ثلاثة عقود، ثم جاءت الحرب، فلم يتغير شيء في موقفهم من المسؤولية، وإنما تغير اتجاهها. صاروا يتكلمون بعد صمت طويل، لكن كلامهم لم يذهب إلى من ارتكب جرائمها، ولا إلى العشرات من حوادث قصف المدنيين حتى داخل الخرطوم، ناهيك عن دارفور وكردفان. والمفارقة أنهم وجهوا كل الاتهامات إلى المكون المدني الذي لا يملك سلاحًا، وجعلوا كل تركيزهم على شتم المعارضين ووصفهم بالعمالة والخيانة وتحميلهم وزر الحرب. هذا هو الهروب من المسؤولية في صورته الكاملة: صمت عن الظلم يوم كان الكلام واجبًا، ثم كلام في غير موضعه يوم صار الكلام آمنًا.
المباهاة بالصور..!
ويقولون إنهم يدعمون الجيش لا الحكومة، وإنهم لم يمدحوا الحكومة ولم يبرروا فشلها. ونحن نقبل هذا التمييز، فدعم القوات المسلحة في حربها ضد المليشيا موقف وطني لا خلاف عليه، لكن من يدعم الجيش في حربه يتحدث عن الطرف الذي يقاتله الجيش، أما المدنيون الذين يُصب عليهم الشتم كل يوم فلم يجتاحوا مدينة ولم يهجّروا أهلها.
ثم إن بعض هؤلاء الإعلاميين يتباهون بصورهم وهم يصافحون قائد الجيش في حالة من الزهو، ويكررون بعدها أنهم يتحدثون عن الجيش والبلد وسيادتها فقط، ويدعمون القوات المسلحة وقيادتها. فماذا عن الاهتمام الكبير الذي أولاه من تصوروا معه لـ(القونات)، وتخصيص أفراد من المؤسسة العسكرية والأمنية لاستقبالهن عند سلم الطائرة، ووقوف جنود الجيش حراسًا لهن في تلك الحفلات العجيبة؟ ألم يكن في ذلك إذلال للجيش الذي تدعمونه يا هؤلاء؟ لم نقرأ لكم كلمة واحدة في ذلك، أم أن دعم الجيش وقيادته عندكم يقف عند نشر الأخبار والتباهي بمصافحة القائد؟!
وهم يلمّحون إلى أن خصومهم كانوا من (صحافة الإنقاذ)، ونحن نقبل الاحتكام إلى السيرة، لأنها هي التي تقول من دفع ضريبة الوطن ومن هرب منها. سيرتنا معروفة لمن عاصرها، فقد عملنا في الصحافة في ظل ذلك النظام عشرة أعوام، وكنا ننتقد ونكشف ما نراه من تجاوزات ونكتبه في الصحف، ونقول الكلام نفسه داخل القنوات التنظيمية الداخلية، في وقت كان فيه قول كلمة واحدة من هذا النوع يكلف صاحبه كثيرًا.
والزملاء الذين عملوا معنا في تلك الأعوام أحياء يرزقون، وهم شهود على ما كتبنا وما قلنا. ثم غادرنا السودان مطلع الألفية مرفوعي الرأس، والنظام يومها في أمس الحاجة إلينا وإلى أقلامنا ووجودنا، وبعد خروجنا أرادوا لنا العودة، لكننا اخترنا الانتصار للحقيقة، فهو أبقى من أي امتيازات. وواصلنا الكتابة في الشأن الوطني بالموقف نفسه، وأصدرنا كتبًا عن هذا النظام وما فعله بالبلاد وبالإنسان السوداني، وكل ذلك موجود بتاريخه وأسماء من نشره. وما زلنا ندفع هذه الضريبة إلى اليوم من أعمارنا، ونأكل بفضل الله تعالى من حلال، وربينا أولادنا بالحلال، وكلما كتبنا وصلتنا آلاف الدعوات الصالحة في السر والعلن.
الانتصار لقضايا الشعب..
الحمد لله رب العالمين، كنا من أوائل من انتصروا لقضية دارفور بشهادة أهلها، وكتبنا فيها مئات المقالات، وحمّلنا رئيس النظام و(الحركة الإسلاموية) آنذاك مسؤولية الأرواح التي أُزهقت هناك، في وقت كان فيه هذا الكلام يُعد تجاوزًا لا يُغتفر، والجميع يشهد على ذلك. ووقفنا مع كل قضايا شعبنا رغم التهديد والوعيد والمؤامرات، لأن الإيمان بقضية الوطن لا تحده حدود، ولم يصبنا إلا ما كتب الله لنا. وما كتبناه في تلك الأعوام لا يزال منشورًا على الشبكة العنكبوتية، شاهدًا على موقفنا في مواجهة الذين خانوا الوطن وشعبه وباعوا مواقفهم بدراهم معدودة.
أما هم، فليعرضوا على القارئ ما كتبوه في تلك الأعوام عن الظلم الذي عم البلاد، وبالذات الإبادة الجماعية في دارفور من 2003 إلى 2019م، وموجات القتل في جبال النوبة والنيل الأزرق، وقتل الشباب العزّل في الولاية الشمالية في مجزرتي أمري وكجبار، ومجزرة بورتسودان في ديم عرب، وغيرها من عشرات حوادث القتل الفردي والجماعي. وإلى أن يفعلوا، تبقى الوقائع التي أوردناها قائمة، ويبقى السؤال عن المسؤولية مطروحًا عليهم قبل غيرهم.
موقفهم من مجزرة القيادة العامة..!!
تعُد مجزرة القيادة العامة أكبر حدث دموي في تاريخ السودان الحديث، فقد دفع فيها شعبنا دماء غالية وأرواحًا طاهرة من خيرة أبنائه، أولئك الذين كنا نعوّل عليهم في نهضة بلادنا. وفي تلك المجزرة وقف هؤلاء الإعلاميون في صف القتلة، فلم يدينوا ما جرى، بل ألصقوا بالضحايا تهمًا ليست فيهم، وتعاملوا معهم كأنهم حجارة أُلقيت في النيل، وذنبهم الوحيد أنهم ثاروا على الظلم، وعلى الانهيار الأخلاقي والديني والاجتماعي الذي صنعه النظام الذي يجد فيه هؤلاء ضالتهم.
ولما دُعوا إلى الملتقى الإعلامي الأخير الذي أشرنا إليه في مقالنا السابق، والذي أُنفقت على إقامته مبالغ كبيرة بالدولار، كانت الجهة الداعية تعرف جيدًا أنها تدعو أقدر الناس على تسويق الأكاذيب والروايات التي لا يقبلها عقل ولا منطق. ومنذ اليوم الذي التقطوا فيه تلك الصور، صارت صفحاتهم في (فيسبوك) تنشر الأخبار التي طُلب منهم نشرها، ومن يتابعها يلحظ ضعف تفاعل القراء معها، بل إن أغلبها يُقابل بالاستهجان والنفور.
وأخيرًا.. إن ظن هؤلاء أن التاريخ لن يضعهم في الذاكرة الشعبية الوطنية بين أسوأ ما أنجبت حواء السودان، وأسوأ إعلاميين مرّوا على السودان، فهم مخطئون. فلا يستوي من دافع عن الظلم والقتل والانتهاكات، ومن دافع عن قضية شعبه ودفع في سبيلها الدماء وضرائب مثقلة بالمعاناة. وهذه الضرائب، في نظرنا، عاقبتها حسنة ما دامت تفرح الشعب وتكرّم صبره وبطولاته، فهي التي تكشف الفرق بين أناني لا يرى إلا مصلحته، ووطني غيور عاش من أجل القيم الوطنية والإنسانية النبيلة ورسخ حضورها على أرض الواقع.
