د. سلمان محمد أحمد سلمان*
1
يصادف اليوم الأحد 16 نوفمبر 2025 الذكرى السابعة والثلاثين “لمبادرة السلام السودانية”، المعروفة أيضاً باسم “اتفاقية الميرغني – قرنق” (كما سنُشير إليها في هذه السلسلة من المقالات). وكان التوقيع قد تمّ على هذه المبادرة في أديس أبابا، عاصمة إثيوبيا، في 16 نوفمبر عام 1988.
ويدور الحديث والجدل هذه الأيام أيضاً عن “مبادرة الرباعية الدولية” والتي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ومصر والسعودية ودولة الأمارات (الآلية الرباعية) لإنهاء حرب السودان التي اندلعت في 15 أبريل عام 2023. ويجادل الكثيرون أن سقوط الفاشر في أيادي قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر من هذا العام ستكون نتيجته الحتمية (طال الزمن أم قصر) هي الانقسام الثاني للسودان. ويُشبّهُ البعضُ المبادرةَ الرباعية بإعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق، في أنها قد تكون الفرصةَ الأخيرةَ لبقاءِ ما تبقّى من السودان مُوحّداً، تحت مظلّةِ نظامٍ فيدراليٍ أو كونفيدرالي.
2
سنناقش في هذه السلسلة من المقالات التطوّرات السياسيّة خلال مرحلة الحكم المدني الثالثة التي بدأت بنجاح انتفاضة أبريل عام 1985، وسقوط نظام المشير جعفر النميري، وانتهت بانقلاب الإسلاميين في 30 يونيو عام 1989. وهذه هي المرحلة التي تمّ فيها التوصل لإعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق. وسوف نبتدر النقاش بإعلان كوكا دام الذي سبق اتفاقية الميرغني – قرنق بعامين ونصف، والذي انبنتْ عليه اتفاقية الميرغني قرنق نفسها، قبل الانتقال للاتفاقية. وسنتعرّض ببعض التفصيل للخلفية السياسية ومضمون الإعلان والاتفاقية، ونوضّح التطوّرات التي أدت إلى وأد المبادرتين.
وسنجادل أن اتفاقية الميرغني قرنق، مع سابقتها إعلان كوكا دام، كانتا في حقيقة الأمر الفرصتين الأخيرتين لبقاءِ السودان موحّداً، ونوضّح أين تقع المسؤولية الكاملة لإفشال المبادرتين وانفصال جنوب السودان. وسنثير في خاتمة المقالات السؤال إن كُنّا سنعي الدرس من فشل المبادرتين في تعاملنا مع مبادرة الرباعية الدولية والتي من الواضح أنها ستكون الفرصةَ الأخيرةَ أيضاً لبقاءِ ما تبقّى من السودان موحّداً.
3
قادت انتفاضة أبريل مجموعةٌ من المنظمات والهيئات المهنية والنقابية والأحزاب السياسية التي تمّت تسميتها “التجمع الوطني لإنقاذ الوطن” (نشير إليه في هذه المقالات بالتجمع الوطني). غير أن تركيبة الحكومة التي تشكّلت بعد سقوط نظام جعفر نميري ونجاح انتفاضة أبريل 1985 أوضحت مواصلةَ سيطرةِ الحركة الإسلامية الكاملة على مقاليد الأمور السياسية والأمنية في السودان. فرئيس المجلس العسكري المشير عبد الرحمن سوار الذهب، ورئيس الوزراء الدكتور الجزولي دفع الله، كلاهما من قيادات الحركة الإسلامية، كما تأكّد بعد أيام قلائل من تشكيل الحكومة. ووضح جليّاً أيضاً أن عدداً من أعضاء المجلس العسكري والوزراء كانوا أيضاً من كوادار الحركة الإسلامية.
ورغم أن الحركة الشعبية لتحرير السودان أعلنت منذ قيام الحكومة الانتقالية في أبريل عام 1985 أن هذه الحكومة هي في حقيقة الأمر “مايو الثانية”، إلا أن هذه الحقيقة لم تتأكد للتجمع الوطني،ولم يدرك التجمعُ صحتها وحقيقتها إلّا بعد فوات الأوان.
4
بدأت الاتصالات بين الحكومة الانتقالية الجديدة برئاسة المشير سوار الذهب والدكتور الجزولي دفع الله من جهة، والحركة الشعبية بقيادة الدكتور جون قرنق من الجهة الأخرى، بعد أسابيع قليلة من تشكيل الحكومة في شهر أبريل عام 1985. فقد كتب الفريق عثمان عبد الله وزير الدفاع في الحكومة الانتقالية في 27 مايو عام 1985 رسالةً إلى الدكتور جون قرنق خاطبه فيها بكلمتي “صديقي جون.” وقد ابتدر الفريق عثمان عبد الله الرسالة بقوله أنه يتوقّع أن يتفهّم الدكتور قرنق الدوافع الوطنية لكتابة تلك الرسالة له. وقد ذكّرت الرسالة الدكتور جون قرنق بالانقسامات التي تعاني منها البلاد وبالمعاناة التي يعيشها الشعب السوداني، وأوضحت أن انتفاضة أبريل التي أطاحت بالنظام الديكتاتوري لم تحقّق أهدافها بعد بسبب نزيف جروح الحرب في جنوب السودان.
أضافت الرسالة أن البلاد كانت تتوقّع عودة الدكتور جون قرنق للسودان مباشرةً بعد نجاح الانتفاضة ليساهم في التحوّلات الجديدة في البلاد بعد سنوات الحرب والدمار، لأنها لا تعتقد أن الدكتور قرنق يحارب كمتمردٍ، بل من أجل تحقيق الوحدة الوطنية وتحسين أوضاع السودانيين في الشمال والجنوب. اختتم اللواء عثمان عبد الله الرسالة بعرضه مقابلة الدكتور قرنق في أيِّ مكانٍ وزمانٍ لمناقشة مسائل أمن واستقرار البلاد، موضّحاً أن ما يجمع الشعب السوداني في شطري البلاد هو أكثر مما يفرقهما.
5
يلاحظ أن أول رسالة للدكتور قرنق من الحكومة الجديدة جاءت من وزير الدفاع، وليس من رئيس المجلس العسكري الانتقالي، أو حتى من رئيس الوزراء. كما أن الرسالة لم توضّح لدكتور جون قرنق إن كان اللواء عثمان عبد الله يتحدث باسم المجلس العسكري الانتقالي أو مجلس الوزراء، وكانت الرسالة أشبه بمبادرةٍ شخصية للتوسّط، بدلاً من أن تكون عرضاً رسمياً من الحكومة الجديدة.
كما أن الرسالة لم تعرض أيَّ خطوطٍ عريضة لبرنامج الحكومة الجديدة لحلِّ مشكلة الجنوب يمكن مناقشته خلال اللقاء الذي اقترحه اللواء عثمان عبد الله. يُلاحظ أيضاً الغياب التام للتجمّعَ الوطني في هذه المبادرة.
6
أعقبتْ تلك الرسالة بعد أقل من أسبوع رسالةٌ أخرى في الفاتح من يونيو عام 1985 من رئيس الوزراء الدكتور الجزولي دفع الله للدكتور جون قرنق. يبدو أن الغرض من الرسالة الثانية التي تمّ إرسالها قبل أن يصل الرد على الرسالة الأولى من الدكتور قرنق هو معالجة ما اعتقد المشير سوار الذهب والدكتور الجزولي دفع الله أنه الأخطاء والنواقص التي تضمّنتها الرسالة الأولى. وربما كانت تلك الرسالة انعكاساً للصراع بين المدنيين والعسكريين في الحكومة.
غير أنني أعتقد أن رسالة الدكتور الجزولي دفع الله كانت بقرارٍ من الإسلاميين بغرض استلام زمام المبادرة وإنهاء دور العسكر في التفاوض مع الحركة الشعبية (قبل أن يبدأ)، وإغلاق الباب أمام تدخّل قادة التجمع الوطني في حلبة الحوار والتفاوض مع الحركة الشعبية.
تحدّثت رسالة رئيس الوزراء الدكتور الجزولي دفع الله عن انتفاضة أبريل وكيف تدخّل الجيش السوداني في اللحظات الحرجة من الانتفاضة ليقف بجانب الشعب مما ساهم في نجاح الانتفاضة. وأوضحت الرسالة أن من المهام العاجلة والملحّة للحكومة الجديدة هي حلُّ مشكلة الجنوب. تضمّنت الرسالة ما أسمته “أفكاراً للنقاش” شملت عرضاً بالعودة إلى اتفاقية أديس أبابا للحكم الذاتي لجنوب السودان لعام 1972 (والتي وقّعتها حكومة النميري مع حركة تحرير جنوب السودان بقيادة اللواء جوزيف لاقو في أديس أبابا في 3 مارس عام 1972). كما أشارت الرسالة إلى الخلافات الثقافية والعرقية واللغوية بين شطري البلاد، وكذلك في درجة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وضرورة وضع برنامج تنميةٍ متكاملٍ للجنوب.
7
وكأن هذه العموميات ومحاولة بثِّ الحياةِ في روح اتفاقية أديس أبابا لم تكن كافيةً لإثارة الدكتور قرنق والحركة الشعبية، فقد مضت الرسالة لتقول أنه على الرغم من أن مشكلة الجنوب لم تبدأ بالقوانين الإسلامية، إلا أن رئيس الوزراء يُقدّر آثارها، ويعتقد أنه إذا تمّ الاتفاق على المسائل الأخرى فإن مسألة القوانين الإسلامية لن تكون حجر عثرة في طريق الاتفاق، وأنه يمكن الوصول إلى حلٍ لأن هذه القوانين هي موضع نقاش.
الأسوأ من هذا أن رئيس الوزراء ذكّر الدكتور جون قرنق أن الشعب في جنوب السودان يعاني من نقصٍ في المواد الغذائية، وأن أعداداً من المواطنين هناك يموتون من الجوع، وأنه من الضروري وقف القتال حتى يصل العون الإنساني إلى من يحتاجونه. في نهاية الرسالة أوضح رئيس الوزراء أنه مستعدٌ لإرسال وفدٍ لمقابلة الدكتور قرنق في أيِّ مكانٍ لبدء حوارٍ جاد لأنه ستكون هناك مأساة إذا ضاعت هذه الظروف المواتية للحوار بسبب الظنون السابقة والمواقف الجامدة.
8
من الواضح أن هذه الرسالة لم تكن موفّقةً البتة. فقد واصلت الحديث عن مشكلة جنوب السودان وعرضت العودة إلى اتفاقية أديس أبابا، بينما كانت الحركة الشعبية قد أعلنت برنامجها في يوليو عام 1983، أي قبل حوالي العامين من الرسالة، موضحةً أن المشكلة لم تعد مشكلة جنوب السودان، بل هي مشكلة السودان ككل. كما أن ميثاق الحركة كان قد أعلن موت اتفاقية أديس أبابا، وإحلالها بالسودان الجديد.
تعرّضت الرسالة إلى مسألة الدين والدولة بصورةٍ فيها الكثير من التقليل، إن لم نقل الاستخفاف، بالدور الذي لعبته مسألة الدين والدولة في مشكلة جنوب السودان، وكان هناك الكثير من التعميم والمراوغة في مواجهتها. فمسألة الدين والدولة، كما ذكر رئيس الوزراء في رسالته، مسألةٌ ثانويةٌ سيتم حلها إذا تم الاتفاق على القضايا الأخرى.
كما أن إخطار دكتور قرنق بالمجاعة في الجنوب، وترجيه وقف القتال حتى يصل العون الإنساني إلى شعب الجنوب الذي يحارب الدكتور قرنق وجيشه من أجله، قد ارسلت رسالةً واضحةً لقيادة الحركة الشعبية مفادها أن الحكومة في الخرطوم مهتمةٌ بأحوال المواطنين الجنوبيين أكثر من الحركة الشعبية لتحرير السودان التي قامت وتحارب من أجلهم. ولا بُدَّ أن دكتور قرنق قد قرأ هذه الفقرة من الرسالة كإهانةٍ شخصيةٍ له ولحركته.
9
كان غريباً أن تأتي رسالة رئيس الوزراء للدكتور قرنق بعد أربعة أيامٍ فقط من رسالة اللواء عثمان عبد الله وزير الدفاع. كما أن الرسالتين لا بد أن تكونا قد أثارتا السؤال: لماذا لم تأتِ هذه الرسائل من المشير سوار الذهب رئيس المجلس العسكري الانتقالي والقائد الدستوري والعسكري والفعلي للسودان؟ من الواضح أن النظرة العسكرية إلى الدكتور قرنق وقتها كانت كعقيدٍ متمردٍ، وليس كقائد حركةٍ شعبيةٍ عسكرية تمثل ربع سكان البلاد وثلث مساحته.
كما يُلاحظ أن رئيس الوزراء قد عرض إرسال وفدٍ لمقابلة الدكتور قرنق في أيِّ مكان لبدء حوارٍ جاد، بدلاً من أن يعرض عليه مقابلته هو شخصياً، ويقترح الزمان والمكان ليثبتَّ جدّيته، ويؤكد ندّية الدكتور قرنق له.
10
كان ردُّ الدكتور قرنق، كما هو متوقّعٌ، حاداً وغاضباً، وكان تاريخ رسالته الفاتح من سبتمبر عام 1985، أي بعد ثلاثة أشهرٍ من رسالة رئيس الوزراء. أوضح ردُّ الدكتور قرنق أن رسالة رئيس الوزراء وصلته في 25 يونيو، أي بعد قرابة الشهر من إرسالها، وأن الرسالة كان يجب دراستها قبل الرد عليها بواسطة مكتب القيادة السياسية والعسكرية العليا للحركة الشعبية التي أصدرت عدّة قرارات. لكنه ذكر أنه قبل التطرّق لهذه القرارات لا بُدّ من توضيح وتصحيح الكثير من النقاط التي تمّ تشويشها أو لم تُؤخذ بجدّية.
أوضح ردّ الدكتور قرنق أنه على العكس من دعاية وادعاءات المجلس العسكري الانتقالي فإن الحركة الشعبية كانت دائماً تدعو للحوار. وانطلاقاً من هذه النقطة فقد شنّت الرسالة هجوماً عنيفاً على المجلس العسكري الانتقالي ووصفته بأنه امتدادٌ لنظام نميري واتهمته بتصعيد الحرب والدمار في الجنوب في نفس الوقت الذي كان المجلس يتحدث عن الحوار والتفاوض. وأشارت الرسالة إلى عدة حوادث قصفٍ واعتداءاتٍ وقتلٍ وقعت في الجنوب في الأسابيع التي سبقت رسالة رئيس الوزراء.
أوضحت الرسالة أن جنرالات المجلس العسكري الانتقالي هم الذين أداروا الحرب في الجنوب وصعّدوها منذ عام 1983، ولا يمكن أن يقودوا السودان ويتحدثوا عن السلام. وطالبت الرسالة تسليم المجلس لصلاحياته إلى المدنيين الذين قادوا الانتفاضة على نظام نميري وحربه الغاشمة في جنوب البلاد.
11
طالبت الرسالة بضرورة أن تلتزم الحكومة السودانية علناً بمناقشة مشكلة السودان، وليس مشكلة جنوب السودان، في مؤتمرٍ وطنيٍ جامع يناقش نظام الحكم في الخرطوم وأقاليم السودان. لكن الرسالة اشترطت الاستجابة لمجموعة من المطالب قبل عقد هذا المؤتمر منها رفع حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، وإلغاء قوانين سبتمبر، واتفاقيتي الدفاع المشترك مع مصر وليبيا. اختتم الدكتور جون قرنق الرسالة بتأكيده أن الحركة على استعداد لحضور هذا المؤتمر الوطني حال الاستجابة لهذه الشروط الثلاثة.
12
قام رئيس الوزراء بالرد على رسالة الدكتور جون قرنق في 10 نوفمبر عام 1985، أي بعد أكثر من شهرين من تاريخ الرسالة، موضّحاً أن المجلس العسكري الانتقالي ومجلس الوزراء قد تمّ تشكيلهما بعد إجماعٍ عريضٍ من القوى السياسية التي قادت الانتفاضة ووقّعت على الميثاق الوطني. أوضحت الرسالة استعداد الحكومة للنظر في مسألة رفع حالة الطوارئ قبل انعقاد المؤتمر. غير أن الرسالة تعثّرت في مطلب إلغاء قوانين سبتمبر والمطالب الأخرى. فقد أشارت الرسالة إلى أن هذه المطالب يمكن مناقشتها في المؤتمر الوطني المقترح.
قد يُلاحظ القارئ أن نفس هذا التعثّر والارتباك شملته رسالة السيد سر الختم الخليفة، رئيس وزراء حكومة أكتوبر 1964، في رده على رسالة حزب سانو التي طالبت بالنظام الفيدرالي. فقد أشارت رسالة سر الختم الخليفة إلى أن هذه المسألة يجب أن تُترك لمؤتمر المائدة المستديرة. وقد تم بالفعل تأجيل النقاش في مسألة الفيدرالية حتى انعقاد مؤتمر المائدة المستديرة. غير أن الأحزاب الشمالية مجتمعةً رفضت مقترح الفيدرالية حتى قبل أن يبدأ المؤتمر، ووصفته بأنه الخطوة الأولى للانفصال (لكن كما أوضحت التطورات اللاحقة، فقد قبلت نفس هذه الأحزاب التي رفضت الفيدرالية، وبنفس قياداتها، حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان).
13
لم يقمْ الدكتور قرنق بالرد على تلك الرسالة، وتوقّفت الاتصالات بعد ذلك بين حكومة المشير سوار الذهب والدكتور الجزولي دفع الله مع الحركة الشعبية والدكتور جون قرنق. كان واضحاً أن المسافة التي تفصل الطرفين كبيرةٌ وصارت، بعد تلك الرسائل، أكبر، وأن الأمور العالقة معقّدةٌ، والمواقف متباينةٌ، وليست هناك أيّة أرضيّةٍ مشتركةٍ يمكن بدء الحوار منها.
وكان الدكتور قرنق قد أدلى بعدّة تصريحات بعد ذلك أوضح فيها أن رئيس المجلس العسكري الانتقالي ورئيس الوزراء كليهما من اتباع جبهة الميثاق الإسلامي ولا يريدان حلّاً سلمياً لمشكلة السودان الكبرى تطبيقاً لقرار حزبهما، وأن الحل عندهما هو البندقية.
14
في تلك الأثناء كان دستور السودان الانتقالي قد تمّ اعتماده بواسطة المجلس العسكري الانتقالي الذي وقّع كل أعضائه عليه في 10 أكتوبر عام 1985، ودخل حيز النفاذ في ذلك اليوم.
أوضحت مواد الدستور تلك، وطريقة إعداده، هيمنة الجبهة القومية الإسلامية على الحكومة والمجلس العسكري الانتقالي، وانكماش، إن لم نقل انتهاء، دور التجمّع الوطني. فقد تمت إجازة الدستور دون حتى التشاور الجاد مع التجمع الوطني لإنقاذ الوطن الذي قاد انتفاضة أبريل.
ولتأكيد تلك الهيمنة فقد سمّى الدستور في عدّة مواد الانتفاضة التي أطاحت بحكومة نميري “ثورة رجب” وليس “انتفاضة أبريل.”
كما وضحت تلك الهيمنة جليّةً في المادة 4 من الدستور والتي نصّت على أن “الشريعة الإسلامية والعرف مصدران أساسيان للتشريع، والأحوال الشخصية لغير المسلمين يحكمها القانون الخاص بهم.” وهكذا تأكّد الإسلاميون وحلفاؤهم في حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي أن قوانين سبتمبر التي سنّها نظام النميري بتخطيطٍ وتنفيذٍ دقيقٍ منهم قد طالت وترسخّت جذورها من خلال الشرعية الدستورية الجديدة، وأن الحديث عن إلغائها قد ولّى زمانه إلى غير رجعة.
كما نصّت المادة 16 من الدستور أنه “يقوم نظام الحكم الذاتي الإقليمي فـي الإقليم الجنوبي على أساس السودان الموحّد وفقاً لقانون الحكم الذاتي الإقليمي للمديريات الجنوبية لسنة 1972م أو أيّة تعديلات يجيزها ثلثا أعضاء المجلس العسكري الانتقالي ومجلس الوزراء في اجتماع مشترك على أن يخضع أيُّ تعديلٍ رغم تنفيذه للاستفتاء المشار إليه في قانون الحكم الذاتي للإقليم الجنوبي متى ما كان ذلك ممكنا.”
15
وهكذا قرّرت حكومة المشير سوار الذهب والدكتور الجزولي دفع الله إعادة الحياة لاتفاقية أديس أبابا لعام 1972، من جانبٍ واحد، وبدون التشاور، دعك من الاتفاق، مع الحركة الشعبية.
لا بد من التذكير أن الحركة الشعبية كانت قد رفضت الحديث عن اتفاقية أديس أبابا صراحةً في رسالة الدكتور جون قرنق إلى رئيس الوزراء التي أوضح فيها أن المشكلة التي لا بد من الحوار حولها هي مشكلة السودان ككل وليست مشكلة جنوب السودان.
كما لا بدّ من ملاحظة التعديل الخفي (وغير الأمين) لاتفاقية أديس أبابا بواسطة الدستور الانتقالي. فبينما نصّت اتفاقية أديس أبابا بوضوح على أن تعديل الاتفاقية يحتاح إلى موافقة ثلثي مواطني الجنوب في استفتاءٍ عام يُجرى في المديريات الجنوبية الثلاثة للسودان، أشار الدستور إلى عقد الاستفتاء “متى كان ذلك ممكناً.” وهذا بالطبع يجعل من الاستفتاء أمراً تقديرياً تقرّر حكومة الخرطوم وحدها إمكانية عقده أو عدم عقده، ولم يعد ضرورةً قانونيةً كما تنص الاتفاقية. وهذا بالطبع تعديلٌ جوهريٌ لاتفاقية أديس أبابا تمّ اعتماده بواسطة المجلس العسكري الانتقالي ومجلس الوزراء دون اتباع الإجراءات التي نصّت عليها الاتفاقية نفسها للقيام بمثل ذلك التعديل، ودون التشاور مع الحركة الشعبية (دعك من الحديث عن الاتفاق معها). وهو أيضاً مثالٌ آخر للاستخفاف بالاتفاقيات التي كانت تعقدها حكومات الخرطوم مع الحركات والتنظيمات الجنوبية، وتنقضها بسهولةٍ ودون تردّدٍ أو تحفّظ أو حياء، كما أشار إلى ذلك مراراً القاضي والسياسي المخضرم مولانا ابيل ألير.
16
من الواضح أن إصدار دستور عام 1985 في 10 أكتوبر من ذلك العام،متضمّناً تلك المواد الواضحة عن الشريعة الإسلامية وقضية الجنوب، كان السبب الرئيسي لعدم ردِّ الدكتور قرنق على رسالة رئيس الوزراء المؤرخة 10 نوفمبر عام 1985. فالدستور قد وضع وأطّر أسس حكم البلاد، بما فيها جنوب السودان، وجعل من هذه الأسس الدستورية، بما فيها القوانين الإسلامية، والعودة الآحادية لاتفاقية أديس أبابا المعدّلة بواسطة حكومة الخرطوم وحدها، أمراً واقعاً، دون اتفاقٍ أو حتى نقاشٍ مع الحركة الشعبية، فما الذي تبقّى للنقاش والحوار خلال اللقاء المقترح؟
17
دفع انهيارُ الاتصالات بين حكومة المشير سوار الذهب والدكتور الجزولي دفع الله مع الحركة الشعبية التجمّعَ الوطني لإنقاذ الوطن للتحرّك. تم هذا التحرك بعد ضغوط هائلة من قواعده المهنية والنقابية، فقد كان أحد أهم أهداف انتفاضة أبريل التي قادها التجمّع الوطني هو حلُّ مشكلة الجنوب. وكان التجمع حتى ذلك الوقت خارج حلقة الاتصالات والرسائل، وحتى المشاورات.
قاد تحرّكُ التجمعِ الوطني إلى اتصالاتٍ مباشرةٍ مع الحركة الشعبية. أدّت تلك الاتصالات بعد أسابيع قليلة إلى لقاء الطرفين في منتجع كوكا دام (سدّ كوكا) والاتفاق والتوقيع على إعلان كوكا دام، كما سنناقش في المقال القادم.
*محاضر سابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم، والرئيس الحالي لمجلس جامعة الخرطوم.
Salmanmasalman@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم