إعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني-قرنق:
دروسٌ للمبادرةِ الرباعية لتفادي تفكيك ما تبقّى من السودان (3 -5)
د. سلمان محمد أحمد سلمان*
1
ناقشنا في المقال الأول من هذه السلسلة من المقالات نجاح انتفاضة أبريل عام 1985 في إسقاط نظام نميري، وقيام الحكومة الانتقالية بشقيها – المجلس العسكري الانتقالي برئاسة المشير عبد الرحمن سوار الذهب، ومجلس الوزراء الذي ترأسه الدكتور الجزولي دفع الله. كما نقل ذلك المقال الصورةَ المرتبكةَ التي تواصلت بها الحكومة الجديدة مع قيادة الحركة الشعبية لمناقشة قضية الجنوب. وقد نتج ذلك الارتباك من سيطرة الحركة الإسلامية الكاملة على المجلسين وقياديتهما. غير أن الضغوط الشعبية التي أشعلت انتفاضة أبريل أدّت إلى انتزاع التجمع الوطني لإنقاذ الوطن الذي قاد الانتفاضة مبادرة الاتصالات بالحركة الشعبية.
ناقش المقال الثاني نجاح تلك الاتصالات والتوصّل إلى إعلان كوكا دام في 22 مارس 1986 بين التجمع الوطني والحركة الشعبيىة. كما ناقش المقال بنود الإعلان والتي انبنت على عقد مؤتمرٍ دستوري ليؤسّسَ لبناء السودان الجديد. أوضح الإعلان الشروط المسبقة التي تمهّد وتساعد على خلق الجو الملائم لعقد المؤتمر الدستوري والتي شملت إعلان كل القوى السياسية التزامها بمناقشة “مشكلة السودان الأساسية” وليس ما يسمى “بمشكلة الجنوب.” كما شملت الشروط رفع حالة الطوارئ، وإلغاء قوانين سبتمبر 1983م وكل القوانين المقيّدة للحريات.
وقد قاطعت الجبهة القومية الإسلامية لقاء وإعلان كوكا دام، وشنت هجوماً صاخباً عليه، ووقف معها الحزب الاتحادي الديمقراطي في المقاطعة. ناقش المقال كذلك تراجع حزب الأمة عن إعلان كوكا دام وانضمامه إلى الحركة الإسلامية والحزب الوطني الاتحادي، ونجاح هذه الأحزاب الثلاثة في عرقلة تنفيذ الإعلان.
نواصل في هذا المقال شرح ومناقشة كيفية نجاح هذه الأحزاب في إفشال إعلان كوكا دام ونهاية الاتفاق وحلم السودان الجديد الموحّد الذي خطّه الإعلان.
2
انتهت فترة الحكومة الانتقالية بقيادة المشير سوار الذهب والدكتور الجزولي دفع بإجراء الانتخابات والإعلان عن نتائجها في منتصف أبريل عام 1986. كان المجموع الكلي للدوائر الانتخابية 301 دائرة، منها 273 دائرة جغرافية و28 دائرة للخريجين. ولم تتم الانتخابات في 35 دائرة من مجموع 68 دائرة في الجنوب بسبب الحالة الأمنية، أي في ما يزيد عن نصف دوائر الجنوب. كان الحماس والتسجيل والتصويت ضعيفاً في الدوائر التي جرت فيها الانتخابات في المديريات الجنوبية. فقد بلغت نسبة التسجيل 17% فقط في مديرية بحر الغزال التي لم تتم الانتخابات في عددٍ من الدوائر فيها. ووضح التأثير السلبي الكبير الذي أحدثته الحالة الأمنية في جنوب السودان، ومقاطعة الحركة الشعبية للانتخابات، على مجرى الانتخابات في الجنوب. وكان ذلك الوضع تكراراً آخر لتجربة مرحلة الحكم المدني الثانية وانتخابات عام 1965.
3
أحرز حزب الأمة مائة مقعد، ونال الحزب الاتحادي الديمقراطي 63 مقعداّ، وقفزت الجبهة القومية الإسلامية إلى المرتبة الثالثة بإحرازها 51 مقعداً، معظمها في دوائر الخريجين التي تمت العودة لها بعد إلغائها في انتخابات عام 1968.
وقد اختفت الأحزاب الجنوبية التي شاركت في العراك السياسي في الستينيات، مثل حزبي سانو وجبهة الجنوب، وحلّ مكانها التجمّع السياسي لجنوب السودان الذي حصل على سبعة مقاعد فقط، وحزبا الشعب الفيدرالي، والمؤتمر السوداني الأفريقي، وقد حصل كلٌ منهما على مقعدٍ واحدٍ فقط. كان السبب الرئيسي لهذا الأداء الضعيف للأحزاب الجنوبية هو قرار مقاطعة الانتخابات الذي دعت لها الحركة الشعبية وسار في دربها الكثير من الساسة والمواطنين الجنوبيين، وكذلك الحرب وحالة الطوارئ، والوضع الأمني والاقتصادي المتردي في الجنوب، والمجاعة التي انتشرت في أجزاء واسعة منه في ذلك الوقت.
4
برز في هذه الانتخابات لأول مرةٍ الحزب القومي السوداني الذي جمع أبناء جبال النوبة بقيادة الأب فيليب عباس غبوش. وقد أحرز الحزب ثمانية مقاعد جعلت منه الحزب الرابع في السودان. الأهم من هذا أن رئيس الحزب الأب غبوش ترشّح وفاز في دائرة الخرطوم بحري السادسة، وحصل على قرابة الستة ألف صوت. وقد كانت دوائر الخرطوم حتى تلك الانتخابات حكراً على أبناء الشمال النيلي، إن لم نقل أبناء الخرطوم فقط.
ولا بد من اعتبار فوز الأب غبوش في هذه الدائرة، وفوز حزبه الجديد بهذا العدد من المقاعد، مؤشراً قوياً على استيقاظ أبناء الهامش في السودان على حقوقهم السياسية والاقتصادية، وجرس إنذارٍ قوي لهيمنة الحزبين الكبيرين ومعهما الحركة الإسلامية المتنامية، تحت قيادة أبناء السودان النيلي، على السلطة.
كما لا بد من التذكير أن الأب غبوش هو من استطاع انتزاع إجابةٍ واضحةٍ من الدكتور حسن الترابي لسؤاله إن كان ممكناً للسوداني غير المسلم رئاسة “جمهورية السودان الإسلامية؟” فشل الدكتور الترابي في المراوغة وأجاب بعد ضغوط سائله بالنفي.
5
خاطب المشير سوار الذهب أعضاء الجمعية التأسيسية المُنتخَبين في 26 أبريل عام 1986، بعد انتهاء العام الذي قضاه رئيساً للمجلس العسكري، وبعد أسبوعين من انتخاب الجمعية وانتهاء فترة حكمه. حثَّ المشيرُ، في كلمته المطوّلة لأعضاء الجمعية، النوابَ الجددَ على ضرورة عقد المؤتمر الدستوري لحل مشكلة الجنوب!.
من أين جاءت فكرة المؤتمر الدستوري هذه للمشير؟ هل جاءت من إعلان كوكا دام الذي كان المجلس العسكري قد رفضه ووقف ضدّه بشدّة، بل وشارك في وأده؟ ولماذا حلّت فكرة المؤتمر فجأةً (وفي الزمن بدل الزمن الضائع) مكان التصعيد العسكري الذي كان السياسية الرسمية لحكومة المشير سوار الذهب والدكتور الجزولي دفع الله كل العام السابق لهذا الخطاب؟ بل لقد بدا للبعض وكأن فكرة المؤتمر هذه قد جاءت من المجلس العسكري نفسه، وأن هذه “الحثّ” موجّهٌ للجهات التي تقف ضد هذه الفكرة.
لا بد من التذكير أن المشير سوار الذهب لم يتصل أو يراسل الدكتور قرنق على الإطلاق خلال فترة رئاسته للمجلس العسكري. وأنه، مثل رئيس الوزراء وبقية الوزراء، لم يطأ شبراً في أرض جنوب السودان ليلتقي بأبناء وينات وطنه الذين فتكت الحرب والمجاعة بحياتهم، واختطفت آلاف الأرواح من ذويهم، ودمرت دورهم ومدارسهم ومستشفياتهم، على قلّتِها وضعف إمكانياتها.
بعد انقلاب الإسلاميين في 30 يونيو عام 1989 بأسابيع تم تعيين المشير سوار الذهب أميناً عاماً لمنظمة الدعوة الإسلامية. واصل المشير تقديم خدماته لإخوانه الإسلاميين فتم تعيينه رئيساً للجنة القومية لإعادة انتخاب الرئيس عمر البشير عام 2015.
6
تشكّلت حكومة ائتلافية بين حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي في 7 مايو عام 1986. وقد قام الحزبان بتوزيع الحقائب الرئيسية حسب اتفاق عام 1965 غير المكتوب والذي تم عندما قام الحزبان بتعديل الدستور في شهر يونيو من ذلك العام لتصبح رئاسة مجلس السيادة دائمةً. نال الحزب الاتحادي الديمقراطي بموجب ذلك الاتفاق رئاسة مجلس رأس الدولة (بعد تغيير الاسم)، وتمّ تعيين السيد أحمد الميرغني في ذلك المنصب، بينما نال حزب الأمة رئاسة الوزارة التي تولاها السيد الصادق المهدي. ونال الحزب الاتحادي الديمقراطي منصب نائب رئيس الوزراء وتقلّد ذلك المنصب، بالإضافة إلى وزارة الخارجية، السيد الشريف زين العابدين الهندي. وهكذا تأكّد بتركيبة الائتلاف تلك هيمنة الطائفية الكاملة على الحياة السياسية في السودان.
7
خاطب السيد الصادق المهدي الجمعية التأسيسية يوم 8 مايو عام 1986، بعد يومٍ من انتخابه رئيساً للوزراء. أوضح في ذلك الخطاب أن حكومته تولي قضية الجنوب أهميةً كبرى، وسوف تسعى لوقف إطلاق النار ووقف الحرب، لكنه لم يوّضح برنامجه للتوصّل لهذه الأهداف، ولم يأت السيد الصادق المهدي بذكر لقاء كوكا دام الذي شارك حزبه في حضوره، أو إعلان كوكادام الذي شارك مندوباه في التفاوض على بنوده، والذي أعلن الحزب رفضه ومعارضته له بعد عودته للخرطوم. ولم يواصل السير في طريق المشير بالتحدث عن المؤتمر الدستوري المزعوم.
لكن رغم وعود رئيس الوزراء الجديد بالسعي لوقف إطلاق النار فقد تواصلت الحملة العسكرية المسعورة التي قادها وشنها المجلس العسكري الانتقالي في جنوب السودان، وتواصل القتل والموت والدمار. وتناقلت وكالات الأنباء أخبار عن نقصٍ حاد في المواد الغذائية، وأن أعداداً من المواطنين في جنوب السودان يموتون من الجوع. وكانت هذه الأنباء تأكيداً لما ذكرته رسالة رئيس وزراء الحكومة الانتقالية الدكتور الجزولي دفع الله للدكتور قرنق في الفاتح من يونيو عام 1985، مما يعني أن المجاعة في جنوب السودات قد تواصلت وتوسّعت رقعتها الجغرافية بعد تولي السيد الصادق المهدي رئاسة الوزارة. وقد أشارت العديد من التقارير الدولية وقتها على عدم تعاون السلطات في إيصال المعونات الغذائية لمناطق المجاعة.
8
أصبح قرار التصعيد العسكري للحكومة الجديدة واضحاً عندما أعلن السيد الصادق المهدي في 27 مايو عام 1986، أي بعد حوالي ثلاثة أسابيع من انتخابه رئيساً للوزارة، أن جون قرنق (دون ذكر صفته الأكاديمية أو رتبته العسكرية) مجرّد متمردٍ، وهو لا يملك أمره. كان ذلك التصريح الذي أوحى بسيطرة نظام منقيستو هايلي ماريام في إثيوبيا على الحركة الشعبية هو المسمار الأخير في نعش لقاء وإعلان كوكا دام، والإيذان بقرار تفعيل التصعيد العسكري.
9
رغم هذه التطورات السالبة في حل مشكلة الحرب في السودان فقد تواصلت محاولاتٌ من بعض عناصر التجمع الوطني بمساعدة إثيوبيا ومنظمة الوحدة الإفريقية لعقد لقاءٍ بين رئيس الوزراء الجديد السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق في أديس أبابا على هامش القمة الأفريقية في شهر يوليو عام 1986.
غير أن تأكيد تراجع حزب الأمة عن إعلان كوكا دام، ومواصلة التصعيد العسكري في الجنوب، والتصريح غير الموفّق للسيد الصادق المهدي عن أن جون قرنق مجرد متمرد ولا يملك من أمره شيئاً، تركت آثارَها السالبة على العلاقات بين الرجلين. وتعثّر التحضير للقاء بينهما على هامش زيارة السيد رئيس الوزراء الصادق المهدي لأديس أبابا في شهر يوليو عام 1986 لحضور مؤتمر القمة الأفريقي.
رفض الدكتور جون قرنق مقابلة السيد الصادق المهدي بوصفه رئيساً للوزراء بحجّة أن الحركة الشعبية قد قاطعت الانتخابات، وبالتالي لن تعترف بنتائجها، وطالب أن يتم اللقاء بصفة السيد الصادق المهدي رئيساً لحزب الأمة، وأن ينحصر اللقاء على كيفية تطبيق إعلان كوكا دام. رفض السيد الصادق هذين الطلبين. تمّ الاتفاق بعد أخذٍ وعطاء على أن يلتقي الرجلان – السيد الصادق المهدي بوصفه رئيساً لحزب الأمة، والدكتور جون قرنق بوصفه رئيساً للحركة الشعبية – وأن يكون موضوع اللقاء الوضع الراهن في السودان.
10
تمّ اللقاء بين الزعيمين في 31 يوليو عام 1986 في أديس أبابا، ودام لقرابة التسع ساعات. غير أن الاجتماع تحوّل بعد فترةٍ وجيزة من بدايته إلى حوار الطرشان.
أوضح الدكتور جون قرنق أن الوصول إلى السلام يتطلّب اتخاذ خطواتٍ شجاعةٍ من جانب الحكومة أولاً، ثم من جانب الحركة بعد ذلك. وأشار إلى مواقف ومبادئ الحركة الرئيسية، وإلى مقررات كوكا دام، وطالب بالعودة إليها والاتفاق على خارطة طريقٍ لتنفيذها. وذكّر الدكتور جون قرنق السيد الصادق المهدي أن اثنين من قيادات حزب الأمة شاركا في لقاء كوكا دام، وفي التفاوض على بنود إعلان كوكا دام.
غير أن السيد الصادق المهدي ذكر أن أحداثاً كثيرة قد جرت منذ التوقيع على إعلان كوكا دام تفرض إعادة النظر في ذلك الإعلان دون تحديد ما هي تلك الأحداث. راوغ السيد الصادق في مسألة إلغاء قوانين سبتمبر، وذكّر الدكتور قرنق أن حلفاء حزب الأمة في الحكومة الائتلافية، تحديداً الحزب الاتحادي الديمقراطي، ليسوا طرفاً في إعلان كوكا دام، وهو لن يستطيع إلغاءها بدون موافقتهم.
طالب الدكتور قرنق بقيام دولةٍ علمانية ديمقراطية على نهج السودان الجديد الذي ينادي به ميثاق الحركة وإعلان كوكا دام. لكن السيد الصادق المهدي أشار إلى خصوصية شمال السودان الإسلامية العربية وتاريخه وارتباطه بالعالمين الإسلامي والعربي. طالب الدكتور قرنق بسياسة خارجية تأخذ في الاعتبار وضعية السودان الأفريقية العربية، بينما حاول السيد الصادق المهدي تبرير المعاهدات العسكرية مع مصر وليبيا بالأخطار التي تحدّق بالسودان.
11
كان واضحاً حتى قبل انعقاده أن ذلك اللقاء سوف ينتهي من حيث بدأ، طالما كان السيد الصادق المهدي قد غسل يديه من إعلان كوكا دام وواصل تبنّيه لقوانين سبتمبر، وطالما كان موقف الحركة الشعبية هو الإلغاء التام لهذه القوانين.
وقد كانت محاولات السيد الصادق المهدي الاختباء وراء عدم اشتراك الحزب الاتحادي الديمقراطي في مؤتمر كوكا دام، وعدم تأييد الحزب الاتحادي للإعلان، مثار دهشة المراقبين، وفسّروها على أنها مراوغة ساذجة لا أكثر ولا أقل. فالمسألة التي كانت على الطاولة هي موقف حزب الأمة من مقررات كوكا دام، خصوصاً مسألة إلغاء قوانين سبتمبر. وقد قابل السيد الصادق المهدي الدكتور جون قرنق بوصفه رئيساً لحزب الأمة، وليس كرئيسٍ للوزراء. وقد سجل المراقبون ذلك الموقف كنقطة ضعفٍ كبيرة في أداء السيد الصادق المهدي المرتبك خلال ذلك اللقاء .
12
وهكذا فشل الطرفان في ذلك اللقاء في التوصّل إلى أرضيةٍ مشتركة في أيٍّ من المواضيع العالقة والتي تناولها إعلان كوكا دام، ونتج عن ذلك الفشل تدهورٌ كبير للعلاقات بين الرجلين. وكان ذلك اللقاء هو الوحيد بينهما خلال فترة رئاسة السيد الصادق المهدي لرئاسة الوزارة والتي تجاوزت الثلاثة أعوام.
وقد عكست الرسائل الجارحة القاسية المطوّلة التي تبادلها الرجلان في نهاية تسعينيات القرن الماضي وبداية هذا القرن، والاتهامات الحادة التي وجّهها كلٌ منهما للآخر في تلك الرسائل، المدى المتدهور الذي وصلت إليه العلاقات بينهما (إن كانت هناك علاقةً بين الرجلين في الأساس لتتدهور). وسنعود لأمر تلك الرسائل في مقالاتٍ لاحقة.
13
ظلّ السيد الصادق المهدي رئيساً للوزارة طوال فترة الحكم المدني الثالثة من 7 مايو عام 1986 وحتى 30 يونيو عام 1989 عندما وقع انقلاب الجبهة القومية الإسلامية، أي لمدةٍ تزيد عن الثلاثة أعوام. وبهذا يكون السيد الصادق المهدي هو رئيس الوزراء الذي خدم لأطول حقبةٍ متواصلةٍ خلال أيّة فترةٍ من فترات الحكم المدني الثلاثة في السودان.
فقد ترأس السيد إسماعيل الأزهري الوزارة في فترة الحكم المدني الأولى من يناير عام 1954 وحتى يوليو عام 1956. وخلفه السيد عبد الله خليل من يوليو عام 1956 وحتى قيام انقلاب الفريق إبراهيم عبود (أو توجيهه باستلام السلطة في حقيقة الأمر) في 17 نوفمبر عام 1958. تولى السيد محمد أحمد محجوب رئاسة الوزارة في يونيو عام 1965 في فترة الحكم المدني الثانية، وخلفه السيد الصادق المهدي رئيساً للوزراء من يوليو 1966 وحتى مايو 1967، ليعود بعدها السيد محمد أحمد محجوب لرئاسة الوزارة حتى انقلاب 25 مايو 1969. أما رئيسا الوزراء في الحكومتين الانتقاليتين فقد بقي كلٌ منهما في رئاسة الوزارة حوالي العام فقط – السيد سر الختم الخليفة من أكتوبر 1964 حتى يونيو عام 1965، والسيد الجزولي دفع الله من أبريل 1985 حتى مايو عام 1986.
14
غير أن فترة رئاسة السيد الصادق المهدي للوزارة في فترة الحكم المدني الثالثة (1986 – 1989) كانت مضطربةً، وفشلت خلالها وزاراته المتعاقبة في حل أيّةِ قضيةٍ من القضايا الملحّة التي كان السودان يواجهها. ويمكن النظر إلى الاضطراب والفشل من عدّة محاور أهمها التدهور الاقتصادي الكبير، والفساد والمحسوبية، والنزاعات بين الحزبين الكبيرين، ودور الجبهة القومية الإسلامية في زعزعة الاستقرار، والفشل في حل قضية الجنوب أو حتى التفاوض مع الحركة الشعبية، والنكسات الكبيرة والمتواصلة التي تعرّض لها الجيش السوداني في الحرب هناك، وتسليح القبائل العربية ومشاركتها في الحرب، ومانتج عن ذلك من تجاوزاتٍ واتهاماتٍ دوليةٍ للحكومة.
15
وقد اشتدت حِدّة الحرب الأهلية في الجنوب، ووصلت آثارها إلى الشمال عندما قامت قوات الحركة الشعبية باحتلال مدينة الكرمك في ولاية النيل الأزرق في شمال السودان لبعض الوقت، قبل أن تقوم الحكومة باستردادها. كان احتلال مدينة الكرمك رسالةً واضحةً من الحركة الشعبية أن برنامج السودان الجديد ليس حبراً على ورق، بل هو برنامجٌ سياسيٌ وُلِد بأسنانه، يتزامن ويتحقّق من خلال العمل العسكري في جنوب السودان وشماله على السواء.
كما ساهمت الحرب الأهلية مساهمةً كبيرة في انعدام الاستقرار السياسي الذي ساد فترة الحكم المدني الثالثة التي امتدت من شهر مايو عام 1986 حتى نهاية شهر يونيو عام 1989. فقد حكمت البلاد خلال فترة الثلاثة أعوام تلك خمس وزارات، كلها برئاسة السيد الصادق المهدي.
فبعد أشهر قليلة من تشكيل الحكومة الأولى في مايو عام 1986 اندلعت الخلافات حادةً بين السيد رئيس الوزراء والدكتور محمد يوسف أبو حريرة وزير التجارة والتموين وعضو الحزب الاتحادي الديمقراطي. كان الغلاء وانعدام السلع الضرورية اللذان ورثتهما الحكومة من نظام النميري قد زادا حدّةً. اختلف رئيس الوزراء مع وزير التجارة في كيفية معالجة تلك الأزمات الطاحنة، وانتقلت خلافاتهما إلى الصحف ومحطتي الإذاعة والتلفزيون، كلٌ يُحمِّلُ الآخرَ مسئولية ذلك التقصير.
16
أجرى رئيس الوزراء تعديلاً وزارياً في يونيو عام 1987 أبعد بموجبه الدكتور أبوحريرة من الوزارة وسط احتجاجاتٍ من بعض قياديي الحزب الاتحادي الديمقراطي (رغم بعض الإشاعات التي راجت بأن بعض قيادات الحزب كانت وراء إبعاد الدكتور أبو حريرة بسبب وقوفه الحازم والعلني ضد الفساد والمحسوبية في استصدار الرخص التجارية.) غير أن ذلك القرار لم يغيّر شيئاً في الوضع الاقتصادي الذي كان يزداد تدهوراً كل يوم بانعدام أو اختفاء المواد التموينية الأساسية، وارتفاع حدّة الغلاء، وتدهور قيمة الجنيه السوداني والفساد والمحسوبية وسيادة السوق الأسود على الاقتصاد. بل قد جعل ذلك الإبعاد من الدكتور أبوحريرة بطلاً قومياً، ورمزاً لمحاربة الفساد داخل مؤسسات الحكومة.
بعد أقل من عامٍ من تشكيل الحكومة الثانية، تشكّلت الحكومة الثالثة ،في مايو عام 1988، والتي شاركت فيها لأول مرة خلال فترة حكمٍ مدني الجبهة القومية الإسلامية. كان الغرض الأساسي من إشراك الجبهة هو محاولة إيقاف هجومها العنيف على الحكومة، ووقف تنظيم المظاهرات ضدها، هذا بالطبع بالإضافة إلى علاقة السيد الصادق المهدي التاريخية الوطيدة بالجبهة القومية الإسلامية وزعيمها الدكتور حسن الترابي، والرباط الأسري بين الاثنين.
17
أعطى إشراك الجبهة القومية الإسلامية في الحكومة التي تشكّلت في شهر مايو عام 1988 إطاراً متكاملاً لتحالف حزب الأمة والجبهة القومية الإسلامية. أصبح رفض ومعارضة الإسلاميين لإعلان كوكا دام جزءاً مكمّلاً لرفض حزب الأمة ولصمت الحزب الاتحادي الديمقراطي، مما جعل منه الموقف الرسمي للحكومة.
وكما ذكرنا من قبل، فقد كان طرفا إعلان كوكا دام قد اتفقا في الإعلان على أن تعقد اللجنة المشتركة للتحضير للمؤتمر الدستوري اجتماعها الأول في 7 مايو عام 1986 في أديس أبابا، ولكن اللجنة هذه لم يتم تكوينها في الأساس، وبالتالي لم تعقد اجتماعها.
وكان الطرفان قد اتفقا أيضاً على عقد المؤتمر الدستوري في الأسبوع الثالث من شهر يونيو عام 1986، ولكن مرّ الأسبوع الثالث ولا يبدو أن أحداً (بما في ذلك أعضاء التجمّع الوطني نفسه) قد تذكّر ما كان يجب أن يحدث فيه. بل إن ذلك الأسبوع كان في حقيقة الأمر فترةً فاصلةً في الصراع من أجل تشكيل الحكومة، وانشغال الأحزاب وقياداتها والركوض وراء المناصب الوزارية. ولم يتم التحرك من قبل التجمع الوطني للسعي لاتفاقٍ على تواريخ جديدة لاجتماع اللجنة المشتركة أو لعقد المؤتمر الدستوري.
عليه فيمكن القول أن الجبهة القومية الإسلامية وحزب الأمة نجحا نجاحاً تاماً في وأد إعلان كوكا دام الذي أصبح بعد عامين من صدوره، أثراً بعد عين.
18
غير أن قيام وتقوية التحالف بين حزب الأمة والإسلاميين ونجاحه في التصدّي لإعلان كوكا دام وإفشاله أثار موجةً من القلق بين الكثير من القوى داخل السودان وفي الإقليم ككل. وقد نتجت عن تأطير ذلك التحالف وتقويته تطوراتٌ كثيرةٌ وكبيرةٌ أدّت إلى إعادةِ تركيبة موازين القوى واستراتيجيتها لمواجهته. وفيما يختصُّ بقضية جنوب السودان فقد قادت تلك التطورات إلى بعث إعلان كوكا دام مُعدّلاً تحت مسمى “اتفاقية الميرغني قرنق”، كما سنناقش في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.
*محاضر سابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم، والرئيس الحالي لمجلس جامعة الخرطوم.
Salmanmasalman@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم