إعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني-قرنق:
دروسٌ للمبادرةِ الرباعية لتفادي تفكيك ما تبقّى من السودان (5 – 5)
د. سلمان محمد أحمد سلمان*
1
ناقشنا في المقال الأول من هذه السلسلة من المقالات نجاح انتفاضة أبريل عام 1985 في إسقاط نظام نميري، وقيام الحكومة الانتقالية بشقّيها – المجلس العسكري الانتقالي برئاسة المشير عبد الرحمن سوار الذهب، ومجلس الوزراء الذي ترأسه الدكتور الجزولي دفع الله. كما نقل ذلك المقال الصورةَ المرتبكةَ التي تواصلت بها الحكومة الجديدة مع قيادة الحركة الشعبية لمناقشة مشكلة الجنوب.
ناقش المقال الثاني نجاحَ تلك الاتصالات بعد تولّي التجمع الوطني لإنقاذ الوطن أمرها، والتوصّلَ والتوقيع على إعلان كوكا دام في 22 مارس 1986 مع الحركة الشعبية. وقد انبنى الإعلان على عقد مؤتمرٍ دستوري ليؤسّس لبناء السودان الجديد، وتضمّنت الشروطُ المسبقة رفعَ حالة الطوارئ، وإلغاء قوانين سبتمبر 1983.
تعرّض المقال الثالث لخطط الجبهة القومية الإسلامية لإفشال إعلان كوكا دام، ونجاحها في ضمِّ الحزب الاتحادي الديمقراطي، ومن بعده حزب الأمة، إلى صفّها. كما تعرّض المقال إلى الانتخابات التي جرت بعد عامٍ من نجاح الانتفاضة، واستلام السيد الصادق المهدي لرئاسة الوزارة، وإلى اللقاء الفاشل بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق. ناقش المقال بعد ذلك التطوّرات التي أدّت إلى نجاح هذا التحالف في وأد إعلان كوكا دام، وتقوية التحالف بين الإسلاميين وحزب الأمة، ودخول الإسلاميين الوزارة مع حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي (الحكومة الثالثة للسيد الصادق المهدي.)
ناقش المقال الرابع كيف أدّى ميلاد وتمدّد تحالف حزب الأمة والإسلاميين بدوره إلى تطوراتٍ كثيرةٍ وكبيرةٍ نتج عنها إعادةِ تركيبة موازين القوى الأخرى واستراتيجيتها لمواجهة هذا التحالف. وأوضح المقال كيف قادت تلك التطورات إلى لقاء السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق لأول مرّة، وإلى بعث إعلان كوكا دام مُعدّلاً تحت مسمى اتفاقية الميرغني قرنق. ناقش المقال بنود الاتفاقية والكيفية التي قابل بها الشعب السوداني وأحزابه ومنظماته هذا الاتفاق، وكيف أغضبت الاتفاقية حزب الأمة والجبهة القومية الإسلامية فقررا العمل على وأدها، كما فعلا من قبل مع إعلان كوكا دام.
سنناقش في هذا المقال، وهو الخامس والأخير في هذه السلسلة من المقالات، خطط واستراتيجية هذين الحليفين لإفشال اتفاقية الميرغني قرنق، وكيف تم لهما ذلك، وكيف قادت هذه الخطط، مع التطوّرات الأخرى، إلى إنقلاب 30 يونيو 1989.
2
كانت استراتيجية حزب الأمة والجبهة القومية الإسلامية لمعارضة اتفاقية الميرغني قرنق تتكون من شقين، يقوم كلُ حزبٍ بواحدٍ منها. فالآلة الإعلامية الضخمة للجبهة القومية الإسلامية سوف تقوم بتمزيق الاتفاق تحت دعوى أنه لا يمكن تجميد حدود الله وشرعه، بينما تقوم الآلية التنظيمية للجبهة بالمظاهرات والمواكب التي تستنكر مبدأ التجميد وإعطاء الدكتور قرنق الشيوعي وعميل المعسكر الاشتراكي والغرب والمسيحي، سلطة التدخّل في قوانين الشمال المسلم العربي.
كان دور حزب الأمة من الجانب الآخر هو اللعب بعامل الزمن ليؤدّي ذلك إلى موت الاتفاقية موتاً طبيعياً دون أن يتحمّل أيٌ من طرفي التحالف مسئولية موتها، تماماً كما حدث لإعلان كوكا دام.
3
قامت الجبهة القومية الإسلامية بدورها كاملاً، وخرجت عشرات المواكب تدين تدخلات الشيوعي المسيحي جون قرنق في شرع الله، وكانت تكراراً لموكب أمان السودان في سبتمبر عام 1985. كما واصل إعلام الجبهة ادعاءه أن الاتفاقية جهدٌ منفردٌ لم يسبقه التشاور مع القوى السياسية الأخرى (تناسوا كوكا دام!)، وأنها ولجت في اتخاذ قرارات هي من صميم المؤتمر الدستوري (وكأن الجبهة الإسلامية وحزب الأمة يؤيدان قيام المؤتمر الدستوري!).
بدأ السيد الصادق المهدي في القيام بدوره (اللعب بعامل الزمن) بالتصريح يوماً أن الاتفاقية بها نقاط إيجابية، ثم التصريح مرةً أخرى أنه بصدد تكوين لجنة لدراسة الاتفاقية ورفع تقرير عنها إلى لجان حزب الأمة العليا لاتخاذ قرارٍ بشانها، ثم الوعد بتكوين لجنةٍ وطنيةٍ من كل الأحزاب والتنظيمات لدراسة الاتفاقية.
لا بد من التذكير أن اتفاقية الميرغني قرنق هي اتفاقيةٌ لا تتعدّى صفحةً واحدة ولا تزيد كلماتها عن أربعمائة كلمة، بما في ذلك أسماء الموقعين وصفاتهم الرسمية. ثم إن هذه الاتفاقية هي ببساطة إعلان كوكا دام مع تجميد بدلاً عن إلغاء قوانين سبتمبر، فما الذي لم يتم دراسته بعد؟
4
في تلك الأثناء أعلن الحزب الاتحادي الديمقراطي في 22 من شهر ديسمبر عام 1988 (بعد حوالي الخمسة أسابيع من توقيع الاتفاقية) انسحابه من الحكومة الائتلافية مع حزب الأمة والجبهة القومية الإسلامية احتجاجاً على فشل حزب الأمة في التعامل بجديّة مع اتفاقية الميرغني قرنق. وكانت الاتفاقية قد حدّدت يوم 31 ديسمبر 1988 موعداً لانعقاد المؤتمر الدستوري، كما أوضحنا في المقال السابق. بات واضحاً للحزب الاتحادي الديمقراطي أن المؤتمر لن يتم عقده في موعده فقرر الاحتجاج على ذلك بالانسحاب من الحكومة.
أعطى ذلك الانسحاب السيد الصادق المهدي الفرصة ليقوم بترفيع حليفه – الجبهة القومية الإسلامية – وإحلاله مكان الحزب الاتحادي الديمقراطي في الحكومة التي أصبحت في الأساس ائتلافيةً بين حزب الأمة والجبهة القومية الإسلامية.
أما بالنسبة للجبهة القومية الإسلامية فقد كان انسحاب الحزب الاتحادي الديمقراطي من الحكومة هدية السماء لها. فقد أصبحت الجبهةُ الشريكَ الرئيسي لحزب الأمة في الحكومة، وأصبح زعيمها الدكتور حسن الترابي نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية، وهو منصبٌ لم يكن يحلم به منذ انهيار نظام نميري الذي تبوأ فيه مثل تلك المناصب. لا بد أن الذين انسحبوا من لقاء كوكا دام بسبب وجود أحد أعمدة نظام مايو ضمن وفد الحركة الشعبية قد غمرتهم الدهشة وهم يشاهدون رمزاً آخر من رموز مايو والمهندس القوانين سبتمبر، يتولّى منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، ويصبح، لكل الاعتبارات العملية، الحاكم العام الجديد للسودان بعد انتفاضة أبريل التي ساهموا فيها بأرواحهم ودمائهم.
5
تواصلت المظاهرات والندوات التي تفرّغ شباب الحركة الإسلامية لتنظيمها ضد اتفاق الميرغني قرنق. وانتقلت المظاهرات إلى عددٍ من مدن السودان. وحاول الإسلاميون تغطية قِلّةِ المتظاهرين بزيادة أوقات التظاهر وبالضجيج ومكبرات الصوت.
من الجانب الآخر توالت تصريحات السيد الصادق المهدي المرتبكة عن اتفاقية الميرغني قرنق، وعن اللجان التي ستتكون للنظر في الاتفاقية وكتابة تقريرٍ عنها لرفعة للجهات العليا في الحزب لتتخذ ما تراه مناسبا من قرارات تجاه الاتفاقية.
انتهى عام 1988، ومرّ تاريخ 31 ديسمبر عام 1988 الذي حدّدته اتفاقية الميرغني قرنق لانعقاد المؤتمر الدستوري، مثل ما مرّ قبله التاريخ السابق للمؤتمر الدستوري الذي حدّده إعلان كوكا دام بالاسبوع الثالث من شهر يونيو عام 1986، بلا مؤتمرٍ أو حتى الحديث عن تاريخٍ بديل. وتواصل حديث السيد الصادق المهدي المكرّر عن دراسة الاتفاقية وجوانبها الإيجابية وكيفية تطويرها.
6
وقد تأكّد الموقف الرسمي لحكومة حزب الأمة والإسلاميين الرافض بشكلٍ تامٍ لعملية السلام واتفاقية الميرغني قرنق في طريقة تعاملها القاسية مع مجموعة من المثقفين الشماليين والجنوبيين الذين التقوا في ورشة عمل في مدينة أمبو في إثيوبيا (على بعد 125 كيلومتر غرب أديس أبابا) في الفترة من 4 إلى 7 فبراير عام 1989. كان عنوان الورشة “ملتقى أمبو عن السودان: قضاياه الراهنة واستشراف مستقبله.” شملت مجموعة الشماليين والجنوبيين الذين حضروا الندوة عدداً من الأكاديميين والسياسيين والنقابيين والناشطين، من بينهم بعض قيادات التجمع الوطني.
ناقش المجتمعون أحد عشر بحثاً تناولت القضايا المُتوقّع إثارتها في المؤتمر الدستوري المقترح، وأصدر المجتمعون “إعلان عن السلام الصادر من ورشة أمبو.” أوضح الإعلان دعمه التام لقضية السلام، وخاصةً مبادرة السلام السودانية، والتزم المجتمعون بالوقوف معها ومساندتها مساندةً تامةً بوصفها خطوةً جادةً لتنشيط جهود السلام والديمقراطية والعدالة في السودان.
أشار الإعلان إلى إهمال الحكومة للمبادرة وإخفاقها في التجاوب مع آمال وتطلعات الشعب السوداني في تحقيق السلام، وطالب بتكوين حكومة إنقاذٍ وطني تضم كافة القوى السياسية الملتزمة بقضية السلام، ومنها الحركة الشعبية. ويكون مهام هذه الحكومة عقد المؤتمر الدستوري بهدف إنهاء الحرب وتحقيق السلام، ومعالجة وحلّ المشاكل الملحّة التي تتصل بالأحوال المعيشية وإصلاح الخلل الاقتصادي، وتحرير الاقتصاد الوطني.
كان إعلان أمبو قبولاً للتعديل الذي أدخلته اتفاقية الميرغني قرنق على إعلان كوكا دام. (تجميد قوانين سبتمبر بدلاً من إلغائها)، وكان أيضاً محاولةً لدفع الاتفاقية وإعادة الحياة لعملية التفاوض. كانت الأوراق التي تمّ تقديمها بحوثاً علمية للمسائل التي كان سيتناولها المؤتمر الدستوري المرتقب.
7
لكن حزب الأمة والجبهة القومية الإسلامية رأيا في ذلك اللقاء تهديداً مباشراً لسياستهما التي انبنت على وأد مبادرة السلام السودانية والتخلّص منها. عليه، فقد واجه المشاركون في لقاء أمبو هجوماً عنيفاً من صحف الجبهة القومية الإسلامية التي اتهمتهم بالعمالة والخيانة. وتمّ إيقاف المشاركين في الندوة عند عودتهم إلى الخرطوم وبدأت التحقيقات المطوّلة معهم بواسطة رجال الأمن عن لقاء أمبو، ومن دعا له، ومن شارك فيه، وعن مصادر تمويله. كما تم وصف المشاركين في لقاء أمبو بالخيانة والعمالة، وتم التوعّد بمواصلة التحقيق معهم ومحاكمتهم.
كانت تلك محاولة من الحزبين لتجريد ورشة أمبو، وعن طريقها مبادرة السلام، من مصداقيتها وتشويهها بإدخال عنصر التآمر الأجنبي حولها. وقد ساهم إعلام الجبهة القومية الإسلامية في الهجوم الجائر على المشاركين في لقاء أمبو، ووضح التنسيق بين الجبهة وحزب الأمة أيضاً في هذه المسألة، كامتدادٍ للتعامل مع مبادرة السلام السودانية.
8
في تلك الأثناء، وفي خضم الصراعات والنزاعات السياسية في الخرطوم، ظلّ الجيش السوداني يواجه وضعاً عسيراً في جنوب البلاد في حرب استنزافٍ قاسيةٍ فقد بسببها الكثير من الأرواح والأراضي والمعدات العسكرية. وقد دفعت تلك الأوضاع الصعبة والحرجة الجيش السوداني إلى إعداد مذكرةٍ مفصّلةٍ وصريحةٍ وحادة اللهجة إلى السيد رئيس مجلس رأس الدولة والقائد الأعلى، وكذلك إلى السيد رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس الدفاع الوطني، بتاريخ 20 فبراير عام 1989. وقّع على المذكرة الفريق أول فتحي أحمد علي، القائد العام للقوات المسلحة السودانية. جاءت المذكرة بعد ثلاثة أشهرٍ من توقيع اتفاق الميرغني قرنق، وبعد أسبوعين من لقاء أمبو.
9
شرحت مذكرة القوات المسلحة الوضع العسكري الحرج في جنوب البلاد والظروف القاسية التي يحارب فيها الجيش السوداني هناك. ففي إشارةٍ واضحةٍ إلى الأحوال الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد، وانعكاسات ذلك على الحرب، أشارت المذكرة إلى أن القوات المسلحة فقدت مساحاتٍ أرضيةٍ في الجنوب، ليس بسبب قصور مقاتلي الجيش، ولكن بسبب تدنّي إمكانياته القتالية وقصور حركة الإمداد وعدم انتظامها.
أشارت المذكرة إلى أن قوات الحركة الشعبية تقارب أربعين ألف مقاتل، يتمُّ دعمها بلا حدود من خلال خطوط إمداداتٍ مفتوحة عبر طرقٍ جيدة من إثيوبيا وكينيا ويوغندا، إضافةً إلى التموين الجوي إلى مطارات كبويتا وبوما وكنقر، وكذلك الدعم المادي من المنظمات الطوعية غير الحكومية.
وفي دلالةٍ واضحة على فشل السياسة الخارجية السودانية ونجاح سياسات الحركة الشعبية وعلاقاتها الدولية ومقدرات قياداتها السياسية والدبلوماسية والعسكرية، أشارت المذكرة إلى “أن الحرب التي تقودها القوات المسلحة في الجنوب أظهرت بعداً استراتيجياً جديداً وفريداً لم يشهده عالمنا المعاصر بتوحّد المعسكرين الغربي والشرقي في دعم وإسناد حركة التمرد في جنوب السودان.” أوضحت المذكرة أن الكتلة الشرقية تقدّم كل متطلّبات القتال والتدريب والتوجيه لمقاتلي الحركة الشعبية، بينما يوظّف العالم الغربي كل إمكانياته المادية والإعلامية لخدمة أهداف التمرد، من بينها شن حربٍ نفسيةٍ لن تتمكّن قدرات السودان المحدودة في التصدّي لها. كانت تلك إشادةً كبيرةً، ربما غير مقصودةٍ، بالحركة الشعبية لتحرير السودان وجيشها وقيادتها ومقدراتها العسكرية والسياسية والدبلوماسية.
10
لخّصت المذكرة مهدّدات الأمن القومي في السودان في مجموعة من الأوضاع شملت التدهور الاقتصادي والضائقة المعيشية، الفساد والرشوة والمحسوبية، المليشيات الحزبية، إفرازات الحرب الأهلية، والاختلال الأمني في دارفور. وفي قراءةٍ تحمل قدراً كبيراً من الواقعية والصدق والأمانة أشارت المذكرة إلى أن ما يشهده السودان على صعيد جبهته الداخلية مؤشرٌ واضحٌ لخطرٍ داهم على مستقبل الوطن وأمنه ووحدته.
أكّدت المذكرة أن القوات المسلحة تقف مع خيار الشعب السوداني في الحفاظ على الديمقراطية كما فعلت عندما انحازت إلى انتفاضته في السادس من أبريل عام 1985، وأنها ترفض كل أنواع الديكتاتورية. طالبت المذكرة الحكومة بكسر طوق الحصار الاقتصادي والعسكري المفروض على السودان من الشرق والغرب، وذلك بانتهاج سياساتٍ متوازنة تمكّن السودان من الحصول على العون الذي يحتاجه بشدّة. اختتمت المذكرة بمطالبة الحكومة باتخاذ القرارات اللازمة لتصحيح تلك الأوضاع في ظرف أسبوعٍ من تاريخ المذكرة.
11
واضحٌ أن المذكرة شملت تلخيصاً وافياً وأميناً للوضع الاقتصادي والسياسي والعسكري والأمني القاتم في السودان خلال حقبة الحكم المدني الثالثة. وقد فسر الكثيرون المذكرة على أنها كرت ضغطٍ آخر على الحكومة للتعامل مع اتفاقية الميرغني قرنق بجدية، وأنها رافدٌ قويٌ آخر، تماماً مثل إعلان أمبو، يصب في نهر الاتفاقية.
لكن السيد رئيس الوزراء وقيادات حزب الأمة تعاملوا مع المذكرة بقدرٍ كبيرٍ من الارتباك. وقد استغلتها الجبهة القومية الإسلامية استغلالاً ماكراً في إكمال التحضيرات لانقلابها العسكري.
انسحبت الجبهة القومية الإسلامية من الحكومة في نهاية فبراير عام 1989 بعد أقل من أسبوع من مذكرة القوات المسلحة. وقد فسّر الكثيرون ذلك الانسحاب فيما بعد بأنه كان بغرض التحضير للانقلاب العسكري الذي نفّذته الجبهة في 30 يونيو عام 1989 بعد شهورٍ قليلة من الانسحاب، إذ لم يكن من المعقول تنفيذ انقلابٍ على حكومةٍ هم طرفٌ فيها.
12
إزاء هذه الضغوط المتوالية من مؤيدي الاتفاقية ألقى السيد الصادق المهدي بياناً أمام الجمعية التأسيسية في يوم 27 فبراير عام 1989، أي بعد أسبوع من مذكرة القوات المسلحة، أعلن فيه أنه سيقدّم استقالته من رئاسة الحكومة يوم الأحد 5 مارس عام 1989 إذا لم يتلقَّ قبل ذلك تجاوباً عسكرياً ونقابياً وسياسياً. غير أن السيد رئيس الوزراء لم يحدد كيفية ومضمون ذلك التجاوب.
13
نتيجة تلك التطورات المتعاقبة تم التوقيع يوم 3 مارس عام 1989 على برنامجٍ لحكومة إنقاذٍ وطنيٍ بواسطة 29 حزباً سياسياً و8 اتحادات نقابية. وقد دعا ذلك البرنامج إلى الحفاظ على الشرعية الدستورية والنظام الديمقراطي القائم على التعدّدية الحزبية وسيادة حكم القانون واستقلال القضاء وكفالة الحريات العامة.
وقد رفضت الجبهة القومية الإسلامية الانضمام إلى هذا الحشد الوطني، ولم توّقع على البرنامج. بل واصلت آلياتها الإعلامية الهجوم على البرنامج والموقّعين عليه وعلى اتفاقية الميرغني قرنق. كانت الجبهة القومية الإسلامية في ذلك الوقت تضع اللمسات الأخيرة لانقلابها، واختطفت له اسم الانقاذ من برنامج الأحزاب والنقابات الذي تم التوقيع عليه في 3 مارس 1989 كما ذكرنا أعلاه.
14
وتواصلت التطورات فتشكّلت في 25 من شهر مارس عام 1989 حكومةٌ موسّعةٌ من 25 عضواً تمّت الإشارة إليها بحكومة الوحدة الوطنية (أو حكومة الوفاق) برئاسة السيد الصادق المهدي. وتم تعيين السيد سيد أحمد الحسين (من الحزب الاتحادي الديمقراطي) نائباً أول له ووزيراً للخارجية. شملت الحكومة أعضاء من النقابات والأحزاب عدا الجبهة القومية الإسلامية. كما شملت الحكومة أربعة وزراء من الأحزاب الجنوبية (بدلاً من ثلاثة وزراء أو وزيرين كما كان يحدث في الحكومات السابقة)، وتم منح هذه الأحزاب منصب نائب رئيس الوزراء ووزارتي الحكومة المحلية والزراعة، وهو تقدمٌ نوعي مقارنةً بالوزارات التي كانت تمنح لهم في الحكومات السابقة.
كانت هذه التغييرات في تركيبة الحكومة والشخصيات السياسية دليلاً واضحاً على حالة الإنهاك السياسي التي كانت تعاني منها البلاد. لكنها كانت في نفس الوقت مؤشراً لنجاح مجموعات الضغط للسير في طريق المصادقة والتعامل الإيجابي مع اتفاقية الميرغني قرنق.
15
تواصل النقاش في اتفاقية الميرغني قرنق، وتوالت الاجتماعات والنقاش داخل مجلس الوزراء وفي دوائر الأحزاب السياسية، وتواصلت الوعود بتفعيل الاتفاقية ووضعها حيز التنفيذ. وقد قام مجلس وزراء الحكومة الجديدة بمناقشة الاتفاقية وقرر في يوم 26 مارس 1989 قبول الاتفاقية، وتكوين لجنة برئاسة السيد سيد أحمد الحسين نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية للاتصال والتنسيق مع الحركة الشعبية. كما أحال المجلس الاتفاقية إلى الجمعية التأسيسية التي كانت بالطبع ستوافق عليها بعد أن وافق حزب الأمة مكرهاً على الوقوف معها.
في يوم 3 أبريل عام 1989 وافقت الجمعية التأسيسية على اتفاقية الميرغني قرنق. صوّت لصالح الاتفاقية 153 نائباً، وصوت ضد الاتفاقية 53 نائباً يمثلون الجبهة القومية الإسلامية، وتغيّب أو امتنع بقية النواب عن التصويت، معظمهم من حزب الأمة.
16
تواصلت الحكومة مع الحركة الشعبية بعد موافقة مجلس الوزراء والجمعية التأسيسية على اتفاقية الميرغني قرنق. تم على إثر ذلك التواصل لقاءٌ في أديس أبابا بين وفدٍ من ممثلي الحكومة الجديدة برئاسة السيد سيد أحمد الحسين مع ممثلين للحركة الشعبية في 3 أبريل عام 1989. غير أن اللقاء لم يسِرْ بالصورة الإيجابية التي توقّعها مؤيدو الاتفاق. فقد أشارت الحركة أن الوفد لم تكن لديه خارطة طريق لتطبيق بنود الاتفاق، وأن كل ما حمله معه إلى أديس أبابا هو موافقة الحكومة الجديدة المتأخرة على الاتفاقية. أشارت الحركة أيضاً إلى التلكوء في قبول الاتفاقية والذي أتى بعد أكثر من ثلاثة أشهر من الموعد الذي حددته الاتفاقية لانعقاد المؤتمر الدستوري، وقرابة الخمسة أشهرٍ من التوقيع عليها. وقد تساءل الكثير من المراقبين إن كان سبب ردّة فعل الحركة الشعبية هذه انتصاراتها الأخيرة في ميادين القتال في الجنوب؟
17
من الجانب الآخر، وكردّة فعلٍ لموافقة الجمعية التأسيسية على الاتفاقية قررت الجبهة القومية الإسلامية تصعيد رفضها للاتفاقية بتسيير المزيد من المظاهرات وعقد الاجتماعات والندوات المندّدة بالاتفاقية. كما قرر نواب الجبهة القومية الانسحاب من جلسات الجمعية التأسيسية. واستقال السيد محمد يوسف، عضو الجبهة، من رئاسة الجمعية التأسيسية.
نتج عن هذه الهجمة الشرسة والتردّد الذي ساد وسط بعض قيادات ونواب حزب الأمة تجاه الاتفاقية، رغم التصويت لصالحها، المزيد من التلكوء في إعداد الخطط المتعلقة بتجميد قوانين سبتمبر ورفع حالة الطوارئ وإلغاء معاهدة الدفاع المشترك مع كلٍ من مصر وليبيا. وزاد الوضع الملتهب في الجنوب الحالة في الخرطوم ارتباكاً. فقد نقلت وكالات الأنباء سقوط حامية أكوبو وعددٍ من المدن في يد الحركة الشعبية، وانضمام إحدى المليشيات الجنوبية التي أنشأتها وموّلتها ودرّبتها القوات المسلحة، بكامل عدتها وعتادها، إلى الجيش الشعبي لتحرير السودان. كما تواترت الأخبار يوماً بعد يوم عن محاولات انقلابية، واحدة إثر الأخرى، واعتقال قادتها.
18
تواصلت الاجتماعات بين ممثلي الحكومة والحركة الشعبية ولكن بصورةٍ متقطعة وبحماسٍ متناقصٍ من الجانبين. غير أن اجتماعاً رفيع المستوى تم في يوم 10 يونيو عام 1989 بين الوفد الحكومي بقيادة السيد سيد أحمد الحسين ووفد الحركة بقيادة الدكتور لام أكول أجاوين. اتفق الطرفان على موعدٍ جديدٍ لانعقاد المؤتمر الدستوري هو 18 سبتمبر عام 1989، بديلاً للموعد السابق (31 ديسمبر عام 1988) والذي مضت عليه أكثر من خمسة أشهر. كما تم الاتفاق على لقاء الطرفين يوم 4 يوليو عام 1989 لنقاش ما تم تنفيذه من شروط عقد المؤتمر، ومتابعة ما تبقى قيد التنفيذ من تلك الشروط.
19
لكن المظاهرات الصاخبة التي نظمتها الجبهة القومية الإسلامية تواصلت، وشابها الكثير من العنف إثر حرق المتظاهرين لجانبٍ من إحدى الكنائس في الخرطوم. وتزايدت حالة الارتباك السياسي والتعامل المتردّد مع اتفاقية الميرغني قرنق، والتلكوء في تنفيذ اشتراطات عقد المؤتمر الدستوري. وكما ذكرنا أعلاه فقد زادت الحرب في الجنوب التهاباً وتواصلت وتزايدت خسائر القوات المسلحة السودانية.
كان واضحاً أن الأمور قد خرجت من يد السيد رئيس الوزراء الذي أصبح متفرّجاً مثله مثل بقية الشعب السوداني على النهاية المأساوية الوشيكة لحكومته، ولفترة الحكم المدني الثالثة في السودان، وللنظام الديمقراطي ككل.
في تلك الأثناء كانت الجبهة القومية الإسلامية قد أكملت خطتها وعدّتها وعتادها للانقلاب العسكري الذي نفذته بنجاحٍ وهدوء في الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة 30 يونيو عام 1989.
20
يزعم بعض الذين أرّخوا لهذه الفترة أن السيد رئيس الوزراء كان على علمٍ بالانقلاب، وأن أكثر من جهةٍ كانت قد حذّرته أن حلفاء الأمس في الجبهة القومية الإسلامية سينقضّون عليه وعلى نظامه وعلى الديمقراطية، ولكنه آثر عدم التحرّك لوقف الانقلاب لأن الأمور ببساطة كانت قد خرجت من يده، ولم يعد له من قولٍ سوى “عليّ وعلى أعدائي.”
21
أهدرت حكومتا الحكم الوطني الثالث – حكومة الدكتور الجزولي دفع الله وحكومة السيد الصادق المهدي –، بالتلكوء والتردّد والارتباك، ما تبيّن فيما بعد أنها الفرصة الأخيرة لبقاء السودان موحّداً. لم تطالب الحركة الشعبية في إعلان كوكا دام بالانفصال أو بحق تقرير المصير أو حتى بالنظام الكونفيدرالي أو الفيدرالي. كان كلّ ما طالبت به كشرطٍ لانعقاد المؤتمر الدستوري هو إلغاء القوانين التي كان السيد الصادق المهدي نفسه قد وصفها بأنها لا تسوي الحبر الذي كُتِبت به، ووعد في برنامجه الانتخابي الذي أسماه الصحوة بإلغائها.
وإذا كان السيد الصادق المهدي قد اكتشف بعد وصوله للسلطة أن وقع الإلغاء قد يكون صعباً على جماهير حزبه، وسيفقده الانتخابات كما أخبر هو بنفسه السيد هيرمان كوهين بذلك، فقد أعطته مبادرة السلام السودانية مخرجاً من حيث لم يحتسب. فقد تنازلت الحركة الشعبية عن مطلب الإلغاء وقبلت مبدأ التجميد الذي كان في حقيقة الأمر مطبّقاً في السودان منذ انهيار نظام نميري. فقد توقّف بتر الأطراف، والجلد لاتفه الأسباب بغرض الإذلال، وتوقّف قفز رجال الأمن فوق أسوار المنازل لتتبّع من كان يُشتبه في أمرهم. كانت قوانين سبتمبر مجمّدةً لكل الاعتبارات، وكان كل ما يحتاج إليه السيد رئيس الوزراء قدراً من الشجاعة والإرادة السياسية لمواجهة وإقناع حلفائه في الجبهة القومية الإسلامية بذلك، أو تخطيهم بحسمٍ وحزم إن رفضوا السير معه.
وقد ساهم السيد الصادق المهدي كثيراً وبإصرار في تقوية الجبهة القومية الأسلامية، فقام بإدخالها الحكومة ومنح رئيسها منصب نائبه ليقوم حزباهما معاً بمهام وأد اتفاقية الميرغني قرنق. ومنحه أيضاً منصب وزير الخارجية الذي أعطاه فرصة الاتصال والتنسيق مع الأنظمة الإسلامية في إيران وأفغانستان وباكستان ومع الأحزاب الإسلامية في العالم العربي. لكن رغم هذا السخاء والترفيع، فقد كان أصدقاؤه وحلفاؤه في ذلك الوقت نفسه يعدّون العدة للانقلاب عليه.
وهكذا بسبب هذا التردّد والارتباك وغياب الإرادة السياسية لرئيس الوزراء ضاعت مبادرة السلام السودانية، والديمقراطية، والفرصة الأخيرة لبقاء السودان موحّداً، كما ضاع من قبلها إعلان كوكا دام ومؤتمر المائدة المستديرة وأحلامهما.
22
ولكن يجب أن لا نلقي باللوم كله على السيد الصادق المهدي وحزب الأمة. فقد وقف السيد محمد عثمان الميرغني وحزبه موقف المتفرج السلبي من لقاء كوكا دام، ثم رفضوا الموافقة على إعلان كوكا دام وساهموا في وأده خلال مشاركتهم السلطة مع السيد الصادق المهدي والإسلاميين. وعندما قرّروا لأسبابهم الخاصة، ولضغوط ومصالح حلفائهم في شمال الوادي ركوب قطار التفاوض والسلام كان الوقت قد تأخر كثيراً، وكانت الجبهة القومية الإسلامية قد أحكمت قبضتها على الحياة السياسية والاقتصادية في السودان من خلال إعلامها التهريجي وأموالها المتنامية وخططها التآمرية. كما كانت الحركة الشعبية قد حقّقت إنجازاتٍ عسكريةٍ كبيرة في الحرب ربما أغرتها برفع سقف مطالبها التفاوضية.
23
كما أن قادة انتفاضة أبريل يتحمّلون قدراً من المسئولية أيضاً. فقد قادت سذاجتهم السياسية إلى اختطاف الجبهة القومية الإسلامية للانتفاضة، وتفريغها من مطالبها والتي كان في مقدمتها إلغاء قوانين سبتمبر والحلِّ السلمي والعاجل لمشكلة الجنوب. وقد برز نجاح الجبهة في اختطاف الانتفاضة منذ البداية بفرضها اثنين من كودادرها لرئاسة المجلس العسكري الانتقالي ولرئاسة الوزارة، ولعددٍ من الوزارات، وتأمين ذلك الوضع بالمال الذي تراكم أثناء مشاركتهم المشير نميري الحكم، وبالإعلام الصاخب والتآمر.
24
وهكذا أهدر القادة السياسيون في فترة الحكم المدني الثالثة الفرصةَ الأخيرة لبقاء السودان موحّداً. وقد بدأت مع انقلاب الجبهة القومية الإسلامية في 30 يونيو عام 1989 مرحلةٌ جديدة كان من الواضح أن نهايتها المنطقية بسبب سياسات الجهاد على السودانيين الجنوبيين، وحملات القصف والدمار وحرق القرى والقتل والبطش المتواصلة، والتخبّط في السياسات تجاه قضية الجنوب، ستكون مأساة انشطار السودان وذهاب الجنوب، بثلث مساحة البلاد وربع سكانها، في شأنه.
25
هناك دون شك الكثير من العبر والدروس لتجربة إعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق التي لا بُدَّ أن نقف عندها طويلاً ونعيها جيداً في تعاملنا مع المبادرة الرباعية لوقف الحرب في السودان، لتفادي تفكيك ما تبقّى من بلادنا.
*محاضر سابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم، والرئيس الحالي لمجلس جامعة الخرطوم.
Salmanmasalman@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم