إعَادَةُ تَمَوْضُعِ الجَيْشِ: بَيْنَ اسْتِعَادَةِ احْتِكَارِ العُنْفِ واسْتِمْرَارِ انْفْرَاطِ الأزْمَةِ
Repositioning the Army: Between Reclaiming Violence Monopoly and Impasse Prolongation
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
تشكل التعديلات الأخيرة في قيادة الجيش السوداني، وعلى رأسها صعود الفريق ياسر العطا إلى موقع رئاسة الأركان، لحظة كاشفة تتجاوز كونها مجرد إعادة توزيع إداري للمناصب، لتفتح الباب أمام قراءة أعمق لطبيعة التحولات داخل المؤسسة العسكرية، وللرسائل التي يسعى الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى توجيهها، داخلياً وخارجياً، في سياق حرب معقدة وتوازنات سياسية شديدة الهشاشة.
غير أن قراءة هذه التعديلات تظل ناقصة إذا اختزلت في ثنائية مبسطة: هل يقترب الجيش من الإسلاميين أم يبتعد عنهم؟ فالسؤال الأدق ليس: “إلى أي معسكر ينتمي العطا؟”، بل: ما الوظيفة السياسية والمؤسسية التي يؤديها تعيينه في هذه اللحظة؟
الفريق العطا: من الضابط القابل للتقاطعات إلى رجل إعادة الانضباط
قبل الحرب، لم يكن الفريق ياسر العطا محسوباً على التيار الإسلامي الصلب داخل الدولة، بل ارتبط اسمه بلجنة تفكيك نظام الإنقاذ، وظهر في مواقف أقرب إلى خطاب مدني نقدي للنظام السابق، بل وأشاد علناً بقيادات مدنية واصفاً إياها بالوطنية الصادقة. هذه الخلفية تجعل من الصعب تصنيفه ضمن ”التحول الأيديولوجي“ البسيط نحو الإسلاميين.
لكن ما بعد الحرب ليس امتداداً لما قبلها. فالحرب أعادت تعريف الأدوار داخل المؤسسة العسكرية، بحيث لم يعد المطلوب ضباطاً ذوي قابلية سياسية، بل ضباطاً قادرين على إعادة ضبط المؤسسة في لحظة انهيار محتمل للدولة. من هذه الزاوية، يمكن فهم صعود العطا بوصفه انتقالاً من موقع “الضابط السياسي” إلى موقع ” الضابط الوظيفي “ الذي تتمثل مهمته الأساسية في إعادة تماسك الجيش، وضبط علاقته بحلفائه، لا الانحياز الأيديولوجي لهم.
بعبارة أخرى، العطا اليوم ليس ”مدنياً سابقاً“ ولا ”إسلامياً لاحقاً“، بل أداة إعادة تمركز داخل مشروع عسكري يسعى إلى استعادة احتكار الدولة للعنف المنظم.
هل رئاسة الأركان صعود أم إعادة تموضع؟
يثير تعيين الفريق العطا رئيساً للأركان مفارقة تحليلية مهمة: هل يشكل هذا الموقع ترقية أم خفضاً في سلم السلطة؟
من زاوية الوثيقة الدستورية، قد يبدو التعيين أقرب إلى خفض، إذ إن عضوية مجلس السيادة تمنح صاحبها موقعاً ضمن القيادة العليا للقوات المسلحة، بوصف مجلس السيادة قائداً أعلى لها. وبذلك، فإن الانتقال من موقع سيادي إلى موقع تنفيذي عسكري يمكن أن يُقرأ بوصفه نزولاً في هرم السلطة.
غير أن هذه القراءة الشكلية تتجاهل التحول الأعمق الذي فرضته الحرب. فقد تآكل الوزن الفعلي للمواقع السيادية ذات الطابع السياسي، في مقابل صعود مراكز القرار العملياتي داخل المؤسسة العسكرية. وفي هذا السياق، يصبح رئيس الأركان أحد أهم مواقع النفوذ الفعلي، لا مجرد منصب تنفيذي.
بعبارة مكثفة: يبدو تعيين الفريق العطا خفضاً إذا قُرئ بمنطق الوثيقة الدستورية، لكنه يتحول إلى ترقية إذا قُرئ بمنطق إعادة تشكيل مركز القوة في زمن الحرب ومرحلة الانتقال.
الإسلاميون: من الحلفاء إلى الاحتواء
في هذا السياق، تبرز مسألة علاقة الجيش بالإسلاميين، خاصة في ضوء الحديث عن حل كتيبة البراء بن مالك. سواء ثبت القرار رقم 271 لسنة 2026 بصيغته المتداولة أو عكس توجهاً عاماً، فإن دلالته السياسية الأهم لا تكمن في ”القطيعة“ مع الإسلاميين، بل في إعادة تعريف العلاقة معهم.
فالجيش، في لحظة الحرب، لا يستطيع الاستغناء عن التعبئة التي وفرتها بعض الشبكات الإسلامية، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع تحمل كلفة الارتباط بها أمام المجتمع الدولي، خاصة في ظل العقوبات الأمريكية التي استهدفت قيادات إسلامية وكيانات مرتبطة بها.
لذلك، تتجه العلاقة، على الأرجح، نحو صيغة وسطى: الاستفادة من الدعم التعبوي، مع تفكيك الاستقلال التنظيمي للتشكيلات الإسلامية وإخضاعها لسلطة الجيش.
وهذه ليست رسالة براءة كاملة، بل رسالة أكثر واقعية: الجيش لا ينكر وجود هذه القوى، لكنه يصر على أنه الجهة الوحيدة التي تتحكم في القرار العسكري.
رسالة ”إعادة التموضع“ إلى الرباعية: جيش يمكن التعامل معه
من زاوية المجتمع الدولي، خاصة دول الرباعية، لا يبدو أن البرهان يحاول إقناع الخارج بأن الجيش تحول إلى مؤسسة مدنية أو محايدة بالكامل. مثل هذه الرسالة لن تكون مقنعة في ظل الوقائع الميدانية المعروفة.
الرسالة الأقرب إلى الواقع هي أكثر براغماتية: الجيش هو الجهة الوحيدة القادرة حالياً على ضبط السلاح، واحتواء الإسلاميين، ومنع تفكك الدولة، وبالتالي لا يمكن تجاوزه كشريك في أي مسار انتقالي.
هذه رسالة ”طلب اعتراف مشروط“، لا ”طلب شرعية كاملة“. وهي تقوم على معادلة ضمنية: إذا كان الهدف الدولي هو وقف الحرب ومنع الانهيار، فإن التعامل مع جيش متماسك أفضل من التعامل مع مشهد متفكك متعدد المليشيات.
صقور الحرب وحدود الاستمرار
لكن هذا التموضع يحمل تناقضاً جوهرياً. فبينما تعزز هذه التعديلات قدرة الجيش على إدارة الحرب، فإنها لا تحل معضلة الحكم. فـ ”صقور الحرب” قد يكونون قادرين على تحسين الموقع التفاوضي، لكنهم يواجهون قيوداً موضوعية:
- اقتصاد منهك لا يحتمل استمرار الحرب.
- مجتمع يعاني من كلفة إنسانية متصاعدة.
- حاجة ملحّة للاعتراف الدولي والتمويل.
لذلك، فإن قدرة هذه ”الصقور“ على الاستمرار في الحكم ليست مفتوحة زمنياً، بل محدودة بقدرتهم على التحول من إدارة الحرب إلى إدارة التسوية.
غياب ”الثنائي السيادي“: إعادة توزيع أم تمهيد لتحول مؤسسي؟
يثير غياب الإشارة الواضحة لبعض أعضاء مجلس السيادة العسكريين، مثل الفريق شمس الدين الكباشي والفريق إبراهيم جابر، تساؤلات مشروعة. لكن هذا الغياب لا يكفي وحده للاستنتاج القطعي، بل يمكن قراءته ضمن ثلاث فرضيات:
- إعادة توزيع الوزن داخل القيادة لصالح مركز أكثر تماسكاً حول البرهان والعطا؛
- تراجع دور بعض الوجوه التي كانت تؤدي وظائف سياسية أو تمثيلية؛
- احتمال أضعف لكنه قائم: تهيئة تدريجية لتقليص دور مجلس السيادة نفسه.
وفي حال اتجهت الأمور نحو تقليص أو حل مجلس السيادة، فإن ذلك قد يشكل استجابة غير مباشرة لمطالب الرباعية بعدم استمرار بنية الحكم المرتبطة بالحرب، مع الإبقاء على دور عسكري انتقالي في الخلفية.
البرهان: بين البقاء المرحلي وإعادة تعريف الدور
يبقى السؤال الحاسم: ما مصير البرهان نفسه؟ الإجابة الأكثر واقعية ليست في ثنائية ”البقاء أو الرحيل“، بل في إعادة تعريف الدور.
من المرجح أن هناك قبولاً ضمنياً، حتى لدى بعض الفاعلين الدوليين، بوجود مرحلي للبرهان، ليس بوصفه رئيساً سياسياً دائماً، بل كـ ضامن عسكري لعملية وقف إطلاق النار وإعادة ترتيب المؤسسة الأمنية.
وفي هذا الإطار، قد لا يكون السيناريو الأقرب هو استمراره في موقع سيادي سياسي تقليدي، بل توليه دوراً في هيئة عسكرية انتقالية أو مجلس أمن/دفاع يشرف على التفاوض مع الدعم السريع، بالتوازي مع مسار مدني للانتقال السياسي.
نحو تفاوض مزدوج: الواقعية السياسية الممكنة
هذا يقود إلى نموذج تفاوضي يبدو أكثر واقعية من غيره:
- مسار عسكري–عسكري لوقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية؛
- مسار عسكري–مدني لتحديد شكل الانتقال؛
- التقاء المسارين في صيغة واحدة متكاملة.
وفي هذا السياق، تصبح فكرة ” الضمانات مقابل العدالة المؤجلة “ محوراً أساسياً: تقديم ضمانات للعسكريين لمنعهم من عرقلة الانتقال، مقابل الحفاظ على مبدأ العدالة لضحايا الحرب وعدم تحويل التأجيل إلى إفلات دائم.
الخلاصة: إعادة تمركز لا تحول نهائي
في المحصلة، لا تعني التعديلات الأخيرة أن الجيش السوداني أصبح كتلة مهنية خالصة منفصلة عن كل الضغوط، كما لا تعني أنه وقع بالكامل تحت هيمنة الإسلاميين.
الأرجح أنه في طور إعادة تمركز مركبة، يسعى فيها إلى:
- تعزيز تماسكه الداخلي؛
- ضبط علاقته بحلفائه؛
- تحسين موقعه التفاوضي؛
- تقديم نفسه كشريك لا غنى عنه في الانتقال.
أما الفريق ياسر العطا، فيجسد هذا التحول بوضوح: ليس بوصفه ممثلاً لمعسكر سياسي بعينه، بل بوصفه رجل المرحلة التي تحاول فيها المؤسسة العسكرية الانتقال من فوضى الحرب إلى هندسة التسوية.
ويبقى التحدي الأكبر: هل يستطيع هذا التموضع أن يفتح فعلاً الطريق أمام انتقال مدني حقيقي، أم أنه سيؤجل الأزمة دون أن يحلها؟
ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة القادمة.
melshibly@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم