إلغاء اجتماع الرباعية”… هل أُطفئت آخر شموع الأمل في إنهاء الحرب السودانية؟

في الوقت الذي يموت فيه السودان… الاجتماعات تُلغى بلا سبب !
في لحظة كان ينتظرها ملايين السودانيين كنافذة خلاص، أُسدل الستار فجأة على اجتماع الرباعية الدولية بشأن السودان، والذي كان من المقرر انعقاده الأربعاء 29 يوليو بواشنطن، بمشاركة وزراء خارجية الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر. وبينما التزمت الخارجية الأميركية الصمت، تاركةً أسباب الإلغاء غارقة في الغموض، عمّ الإحباط أوساط السودانيين الذين كانوا يأملون في خطوة تقرّب المسافات نحو وقف الحرب المدمرة التي تعصف ببلادهم منذ أكثر من عام.
تحضيرات مكثفة.. ثم إلغاء مفاجئ!
مصادر موثوقة أكدت لصحيفة “الشرق الأوسط” أن الاجتماع، الذي كان يُفترض أن يستضيفه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أُلغي دون تحديد موعد بديل، رغم التحضيرات المكثفة التي جرت خلال الأسابيع الماضية، بما في ذلك صياغة بيان مشترك. السفير المصري في واشنطن، معتز زهران، لمح إلى احتمال تأجيله حتى سبتمبر، فيما لم تصدر تصريحات مباشرة من الجانب الأميركي توضح خلفيات القرار.
خلافات داخلية أم إعادة ترتيب أوراق ؟
ورغم التكتم الرسمي، بدأت تتسرّب معلومات تشير إلى وجود تباينات حادة بين أطراف الرباعية، ليس فقط بشأن توسيع المشاركة، بل حول مضمون ومخرجات الاجتماع ذاته. فقد عبّرت أريج الحاج، المتخصصة في الشأن السوداني بـ«معهد واشنطن»، عن وجود خلاف بين من أراد إشراك أطراف إضافية (مثل قطر والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي والأفريقي) وبين من تمسّك بإطار الرباعية فقط.
مصر والجيش: تحالف المصالح في مواجهة الحكم المدني
لكن الأكثر حساسية أن مصادر مطّلعة كشفت أن السبب الأساسي لإلغاء الاجتماع كان اعتراض مصر على مقترح يقضي بعدم إشراك الجيش السوداني في أي اتفاق سياسي مسبق. وبحسب هذه المصادر، ترى القاهرة في الجيش السوداني الحليف الأنسب لحماية مصالحها الإقليمية، خصوصًا في ما يتعلق بأمن الحدود ومياه النيل.
فوجود حكومة مدنية مستقلة أو ذات توجهات ديمقراطية حقيقية، قد يفتح الباب لمراجعة ملفات شائكة، على رأسها ملف سد النهضة وتقاسم مياه النيل، وهو ما تعتبره مصر تهديدًا استراتيجيًا محتملاً. من هذا المنطلق، عبّرت القاهرة عن رفضها الصريح لأي صيغة تُقصي الجيش من الترتيبات المستقبلية، ما أدى إلى تجميد الاجتماع في لحظاته الأخيرة رغم التحضيرات المكثفة والبيان المشترك المعد سلفًا.
في المقابل، دعمت كل من الولايات المتحدة والإمارات والسعودية مقترحًا يقضي بعدم مشاركة أي من طرفي الصراع – لا الجيش ولا قوات الدعم السريع – في المرحلة التمهيدية من أي اتفاق سياسي، على أن يُمهَّد الطريق لحوار مدني-مدني يُعيد بناء المسار الانتقالي ويوقف الحرب. هذا التباين في المواقف زاد من تعقيد المشهد، وأدى عمليًا إلى انهيار الإجماع داخل الرباعية.
( كأننا نُعاقب لأننا نطلب السلام)
كان هذا تعليق وجدي علي عثمان _ من لجان مقاومة رفاعة
عبارة تلخّص بدقة الصدمة التي عمّت الشارع السوداني بعد إلغاء الاجتماع. فقد اعتبر كثيرون أن القرار لا يُفسَّر إلا كنوع من التجاهل المتعمد أو اللامبالاة الدولية بحجم المأساة الجارية.
ورغم أن الاجتماع لم يكن ليجمع طرفي النزاع، إلا أن قوى مدنية عديدة رحّبت به، واعتبرته فرصة رمزية لتحريك المياه الراكدة. حزب “المؤتمر السوداني” جدّد دعوته لوقف الحرب، فيما اعتبر “تحالف صمود” بقيادة عبدالله حمدوك أن الاجتماع يمثل تطورًا إيجابيًا لتوحيد الموقف الإقليمي المؤثر.
في المقابل.. رفض قاطع لما سُمّي “غرفًا مغلقة دون السودانيين”
“حزب التجديد الديمقراطي” رفض الاجتماع من حيث المبدأ، ما دام لم يشمل قوى مدنية سودانية، وعدّ ذلك إقصاءً وتكريسًا للوصاية الدولية. البيان أشار إلى أن أي عملية سياسية لا تقوم على تمثيل وطني حقيقي هي مجرد “مناورة فاشلة”.
“واقع ميداني يزداد تدهورًا”
الإلغاء لم يأتِ في وقت هدوء. بل بالعكس، تزامن مع تقارير عن تصاعد القتال في كردفان ودارفور، وسقوط مناطق جديدة بيد أحد أطراف النزاع، ووقوع مجازر مروّعة بحق المدنيين، دون أي تدخل دولي فعلي. في الوقت ذاته، تتحدث الأمم المتحدة عن “أكبر كارثة إنسانية على وجه الأرض حاليًا”، حيث تنهار المدن وتنتشر المجاعة، وسط غياب شبه تام للدولة ومؤسساتها.
هل انتهى الرهان على “الرباعية”؟
ربما يكشف الإلغاء – رغم أنه محبط – عن حقيقة مرة: لا أحد قادر على فرض السلام على السودانيين إن لم ينهضوا بأنفسهم لتشكيل كتلة تاريخية ضاغطة من الداخل، تفرض إرادة السلام، وتكسر معادلات الحرب العبثية.
فهل ما زال في الأفق ما يستحق الانتظار؟ أم أن المبادرة الدولية التالية – إن وجدت – ستكون أضعف، وأكثر تردداً؟ وماذا لو قررت القوى الإقليمية والدولية ترك السودان لمصيره، في ظل غياب قيادة وطنية موحدة؟
إلغاء اجتماع الرباعية لا يعني فقط تأجيلاً فنياً، بل يُشير إلى عمق التعقيد في ملف السودان. إنه إنذار مبكر بأن الخارج – مهما دعم – لن يعوّض غياب الداخل. والمعركة الحقيقية اليوم ليست فقط مع البنادق، بل مع العجز الجمعي عن انتزاع زمام المبادرة. فهل من أمل يُصنع من رماد الخيبة؟

Awabazzam456@gmail.com

عن أواب عزام البوشي

أواب عزام البوشي

شاهد أيضاً

الدور الأمريكي في إعادة هندسة مسار السلام بالسودان: قراءة تحليلية في تصريحات مسعد بولس

أواب عزام البوشيawabazzam456@gmail.com تشكّل تصريحات مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، نقطة …