خصني الاخ الصديق الودود زهير عثمان برسالة (تجدونها هنا تحت ردي اليه) فاخرة
وجدت مني قبولاً لانها تشبه صاحبها هذا الكاتب المهذب الذي يعرف كيف ومتى وعنماذا يكتب..اتمنى ان ان اكون عند حسن ظنه..
إلى الشاب النّير، زهير عثمان،
يا صديقي، غشتك غمامات المحبه ورفرفت
حولك حمائم الرحمه ،
أسعدتني رسالتك الفخمة التي خصني بها قلمك أكثر مما تتصور. ويقيني انه لم يكن إعجابك بالكتابة باليد مجرد مجاملة عابرة، بل شعرت أنه صادر عن تجربة وتأمل، وهذا ما يهمني. وأعشم في تناول هذا الموضوع بإسهاب في مرات ومرات حتى نستفيد منك..
تعرف يازهير انني لا أتعامل مع الكتابة باليد بوصفها حنيناً إلى الماضي، ولا مقاومة عاطفية للتقنية. الأمر أبسط وأعمق في آن واحد. حين أكتب بيدي أشعر أن الفكرة تمر عبر الجسد قبل أن تستقر على الورق، كأن الحروف تتأنّى لتأخذ مكانها الطبيعي. لا عجلة، ولا قفز فوق المعنى.
اما وقد أعجبني جداً حديثك الطيب في تلك الرسالة وكان ذلك أحد الاسباب في إيقاظ النفس ودوزنة الروح. هذا بالضبط ما أقصده. واعلم ان الكتابة باليد تمنحني هذا الإيقاع؛ بل انها تجعلني أصغي لما أكتب، لا أركض وراءه، وأحسبها تحملني لوطن الابداع بحلو ذكرياته..
ولأنك تفهم جيداً، وتعلم أنني لا أطرح الأمر كفرض على أحد، بل كدعوة للتجربة. من ذاق عرف ومن عرف فقد استراح. ومن جرّب لمس الفرق بنفسه. لذلك تخيرتك ان تكون من ضمن الاحباب الذين يبصمون على أوراق روحي لتزهر فأهلاً بقلمك..
وسوف أعتبر رسالتك هذه خطوة جميلة في طريق إحياء هذا النوع من المراسلات بيننا. فلنكمل الطريق بهدوء، دون صخب، ودون ادعاء. واعرف انك انسان واقعي تعرف كيف تختار كلامك وكيف يجري قلمك..
ليتنا لو نجد من الشباب امثالك من من يدركون مفهوم الرسائل، وليتك تشجع من تحب ان يشاركنا هذا الموضوع الذي يمكن ان يتطور ويصبح اداة للتغيير،فالرسالة ليست سلام وكلام فقط،الرساله هي التي تسوق لنا كل شيء ونستطيع أن نبني أفكاراً جديدة ومفيدة..
وختاماً ليس ختام، ارجوك يا صديقي خلينا نتشوق للعوده لنقاش افضل لسلسلة قادمة وللحديث بطرق أوسع عن هذه الفكرة، أما الآن فحسبي انني ممتناً لرسالتك، ولصدقك.
ابق طيب لمحبك
عثمان يوسف خليل
يا أخي عثمان
لك من المودة أصنافها، ومن التحايا أطيبها.
طالعتُ مقالك -الكتابة باليد كفعل مقاومة للسرعة – مراتٍ متكررة، ليس مجرد اتفاق، بل لأن كلماتك أيقظت في نفسي وترًا حساسًا وأحيت ذلك بالونس الداخلي الذي لا يهدأ
قلمك كالعادة رصين، منمق الحجة، لكنني أحببت أن أرمي بـ ودعة أخرى في بحر حواراتنا التي أعتز بها أراك ترسم الكتابة باليد كأنها “عنقريب” في ظل ضحى بارد، هروبًا من هجير السرعة وضجيج الزمن الراكض
أما أنا، فأرى الكتابة بمرودها أو بقرطاسها نفس الحياة نفسها الحياة ليست محطات جامدة نختار فيها البطء أو السرعة كما في سوق، بل هي نهر متدفق، نصارعه ونسايره، ونغرف منه تجاربنا وقراءاتنا التي تشكّل وجداننا.
أتفق معك أن القلم يمنحنا فسحة، لكني أخالفك في رسم معالمها هي ليست وقوفًا على الدرب، بل هي الدرب ذاته، مشيًا بالقدم الحافية. الحياة لا تقيف صف لتنتظرنا كي نكتب عنها، والكتابة لا تنعزل عن صخب الواقع
حين أتعامل مع القلم، لا أهرب من سرعة الأيام، بل أحتضن الدنيا بكل تلاوينها
السرعة والبطء ليسا حقًا وباطلًا، بل إيقاعان كإيقاع الدلوكة ، نتمايل معهما حسب ما تمليه التجربة
تقول إن الكتابة باليد “ترجع الجسد للتفكير”، وأنا أوافقك، لكن أزيد إنها ترجع الحيوية لهذا التفكير
حين أتعثر في الكلمة أو أشطبها، حين يميل خطي أو يهَبش الورقة بتردد، أنا أستعيد ليس فقط هويتي، بل إنسانيتي “المتخججة”؛ ذلك الكائن الذي يصنع المعرفة في خضم الحياة، لا في عزلة كاملة
ربما مكمن خلافي معك هو أنك ترى الكتابة “راكوبة” تظللنا من شمس السرعة، بينما أراها غمسة عميقة في لجة الحياة
أنت تخشى أن نفقد الروقة، وأنا أخشى أن نكتب لأنفسنا فقط بعيدًا عن وجع الغبش وهموم الشارع، فتظل عزلة جميلة لكنها فارغة من نبض البشر
قيمة القلم ليست في تمهله، بل في قدرته على لجم السرعة والبطء معًا، يدوّن خطفة اللحظة ويحتفي بـنجاض الفكرة على نار هادئة
الحياة التي أؤمن بها ليست بحثًا عن معنى في سكون، بل هي المعافرة اليومية لصنع معنى من زحمة الأيام، والتقاط صور لها ملامح ووجيعة
يا صديقي، لنتأمل تلك اللحظة أمام الورقة البيضاء لا أحد يزاحمنا، لكن الدنيا كلها تزاحمنا
الكتابة الحقيقية ليست خلوة في محراب الورق، بل جسير نمده بين داخلنا والعالم بصخبه ودوشته
ربما لا نحتاج أن نفرمل العالم أو نتمهل نحن بالضرورة، بل نحتاج فقط أن نسايره بوعي، نكتب حاملين نفاجات تجاربنا وقراءاتنا، لنصنع من ركام الأيام شيئًا يشبهنا ويشبه طيننا
هذه شرفة أخرى للرؤية، أحببت أن أطلّ منها معك، فحوارك دائمًا يفتح النفس، ومقالك كان خير قدحة لهذا التأمل
لك مودتي،
أخوك زهير عثمان
osmanyousif1@icloud.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم